الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 188، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يواصل الشيخ الحديث عن قصة الإفك، حيث يذكر موقف سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وحدوث شجار بين الأوس والخزرج. ثم يذكر نزول النبي -صلى الله عليه وسلم- عند عائشة وخطابه لها بشأن الإفك.
نزل الوحي براءة السيدة عائشة من حادثة الإفك، وأنزل الله الآيات التي تبرئها وتوبخ من قاموا بالافتراء. كما تأثر أبو بكر الصديق بذلك وتراجع عن قطع نفقته على مسطح بن أثاثة بعد نزول آية تأمر بالعفو والصفح.
المقطع يشرح حديث الإفك وكرامة عائشة، ويتناول تناقضات حول ذكر بريرة في الحديث. كما يُفسر معنى الداج في الحديث، حيث ذكر الإمام النووي أن لفظ الداج أوسع من أن يخص بمعنى دون آخر.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. مر معنا فيما ذكره شيخنا -رحمه الله تعالى- في كتابه «الصحيح المسند من دلائل النبوة» من حديث عائشة -رضي الله عنها- الطويل في قصة الإفك. وقد قرأنا منه ما تيسر، ونكمل -إن شاء الله- ما بقي من هذا الحديث. قال -رحمه الله تعالى- فيما ذكر من سياق حديث عائشة -رضي الله عنها- في قصة الإفك قال: قالت: فقام سعد بن معاذ أخو بني عبد الأشهل، فقال: أنا -يا رسول الله- أعذرك، فإن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك. قالت: فقام رجل من الخزرج، وكانت أم حسان بنت ثابت من فخذه، وهو سعد بن عبادة، وهو سيد الخزرج. قالت: وكان قبل ذلك رجلًا صالحًا، ولكن احتملته الحمية. قال: فقال لسعد: كذبت، لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله، ولو كان من رهطك ما أحببت أن يقتل. قالت: فقام سيدنا سعد بن عبادة، فقال لسعد بن عبادة: كذبت، لعمر الله لنقتلنّه، إنه إن كان منافقًا تجادل عن المنافقين. فحصل ما نزغ به الشيطان، وهو حريص على إيقاع الفتنة. قالت: فتدارى الحيان -الأوس والخزرج- حتى هموا أن يقتتلوا، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- قائم على المنبر. قالت: فلم يزل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يخفضهم حتى سكتوا. وسكتا -أي ترك ما أراد أن يتكلم به لأجل الفتنة-. قالت: فبكيت يومي ذلك كله، لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم. قالت: وأصبح أبواي عندي، وقد بكيت ليلتين ويومًا لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، حتى إني لأظن أن البكاء فالق كبدي. فبينا أبواي جالسان عندي وأنا أبكي، فاستأذنت عليّ امرأة من الأنصار فأذنت لها، فجلست تبكي معي. قالت: فبينا نحن على ذلك دخل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- علينا، فسلم ثم جلس. قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبله، وقد لبث شهرًا لا يوحى إليه في شأني بشيء. قالت: فتشهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين جلس، ثم قال: «أما بعد يا عائشة، فإنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفر الله وتُب إليه، فإن العبد إذا اعترف ثم تاب تاب الله عليه». قالت: فلما قضى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مقالته، قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة. فقلت لأبي: أجب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عني فيما قال. فقال أبي: والله ما أدري ما أقول لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-. فقلت لأمي: أجيبي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيما قال. قالت أمي: والله ما أدري ما أقول لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-. فقلت: أنا جارية حديثة السن، لا أقرأ من القرآن كثيرًا. قالت: إني والله لقد علمت لقد سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم وصدقتم به. فلئن قلت لكم إني بريئة لا تصدقوني، ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني منه بريئة لتصدقني. فوالله لا أجد لي ولكم مثلًا إلا أبا يوسف حين قال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾. ثم تحولت فاضطجعت على فراشي، والله يعلم أني حينئذ بريئة، وأن الله مبرئي ببراءتي. قالت: والله ما رام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مجلسه ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل عليه الوحي. قالت: فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء، حتى إنه ليتحدر منه العرق مثل الجمان -يعني من شدة ما نزل عليه- وهو في يوم شات. قالت: فسري عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو يضحك، فكانت أول كلمة تكلم بها أن قال: «يا عائشة، أما الله فقد برأك». قالت: فقالت لي أمي: قومي إليه. فقلت: والله لا أقوم إليه، فإني لا أحمد إلا الله عز وجل. قالت: وأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ الآيات. ثم أنزل الله هذا في براءتي. قال أبو بكر الصديق -وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره-: والله لا أنفق على مسطح شيئًا أبدًا. فأنزل الله: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. قال أبو بكر الصديق: بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي. فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: والله لا أنزعها منه أبدًا. قالت عائشة: وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سأل زينب بنت جحش عن أمري، فقالت زينب: أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت إلا خيرًا. قالت عائشة: وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم-، فعصمها الله بالورع. قالت: وطفقت أختها حمنة تحارب لها، فهلكت فيمن هلك. قال ابن شهاب: فهذا الذي بلغني من حديث هؤلاء الرهط. قالت عائشة: والله إن الرجل الذي قيل له ما قيل ليقول: سبحان الله. فوالذي نفسي بيده ما كشفت من كنف أنثى قط. قالت: ثم قتل بعد ذلك في سبيل الله. قال شيخنا -رحمه الله-: أخرجه مسلم. أورد شيخنا -رحمه الله- هذا الحديث العظيم الذي فيه من الفوائد والمسائل والعبر الشيء الكثير. ومر التنبيه على وجه الاختصار في ثناء القراءة على بعض ذلك. وقد أورده شيخنا -رحمه الله- لما فيه من كرامة لعائشة -رضي الله عنها- كيف ابتلاها الله عز وجل بهذا الابتلاء العظيم، فثبتها الله وبقيت على ما تبقى به المرأة مع زوجها ومع أهلها ومع إيمانها وعظيم ثقتها بربها. وهي على هذا السن أكرم الله بها بأن برأها بنزول هذه الآيات من فوق سبع سماوات. ينبه عليه ها هنا ما استشكله بعض أهل العلم في ذكر بريرة في هذا الحديث، لأن بريرة -رضي الله عنها- إنما دخلت تحت عائشة بعد عام الفتح. ولهذا اختلف العلماء في هذه الجملة، فذهب بعض أهل العلم أنه خطأ من بعض الرواة. ومنهم من جمع ووجه ذلك بتوجيهات. قالوا: لعل ذلك كان على وجه الخدمة لا على وجه الملك والولاء، بل كانت تخدمها قبل أن تمتلكها عائشة -رضي الله عنها- ويكون لها الولاء. وقالوا غير ذلك. وقال بعض أهل العلم: إن الأقوال فيها تكلف. ومن قال بالخطأ حمل هذه الجملة على أحد أمرين: الأمر الأول أن قول علي: «وسل الجارية تصدقك»، أي عائشة -رضي الله عنها-. وأن جملة: «فدعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بريرة»، جملة فيها خطأ من بعض الرواة. وذهب بعضهم إلى أن المقصود بالجارية جارية، لكنها ليست بريرة؛ لأن ذكر بريرة في هذا الموضع خطأ؛ لأن هذه القصة كانت سنة أربع، وبريرة إنما دخلت في ملك عائشة بعد عام الفتح. وسواء كان الأول أو الثاني فالمعنى أن ذكر بريرة بما يظن أنها تحت ملك عائشة خطأ. والتنبيه الآخر في قول الجارية: «غير أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فتأتي الداج فتأكله». جاء في قول بعض الشراح أن الداج البهمة الصغيرة أو السخلة الصغيرة. وبتتبع طرق هذا الحديث لم يوجد ذكر أنها سخلة أو بهمة صغيرة أو شاه. وقد ذكر الإمام النووي -رحمه الله- أن لفظ الداج يطلق على كل ما يألف البيت ويطعم من البيت من طير وغيره من طير وغيره، فقد يكون الداج طيرًا، وهذا هو الأصل، وقد يكون غيره بهمة أو غير ذلك، فاللفظ أوسع من أن يخص بمعنى دون آخر. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.