الدرس في التقريرات السنية على المنظومة البيقونية 52، تابع الحديث المضطرب . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يُعرّف الحديث المضطرب لغة واصطلاحًا، وينقسم إلى ثلاثة أقسام بناءً على موقع الاضطراب. الاضطراب قد يكون في السند أو المتن أو كليهما.
يتناول المقطع مفهوم الاضطراب في الحديث وطرق التعامل مع الروايات المختلفة، حيث يمكن الترجيح بينها بناءً على القوة والصحّة.
يناقش المقطع حكم الحديث المضطرب وأمثلته، ويبين كيف يمكن أن يصحح بالشواهد والمتابعات، مشيرًا إلى أن الاضطراب سبب لضعف الحديث.
يمكن للحديث الضعيف أن يرتقي إلى درجة أعلى بالشواهد والمتابعات، مما يرفع من قيمته، ويوضح المقطع هذه النقطة بشكل مفصل.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المعلق رحمه الله تعالى: قال تعريفه لغة: المضطرب، بكسر الراء في اللغة، اسم فاعل من الاضطراب، وهو اختلال الأمر وفساد نظامه، وأصله اضطراب الموج لكثرة حركته وضرب بعضه بعضًا. ولو كان المضطرب بفتح الراء لكان اسم مكان للاضطراب، يعني مضطرب ومضطرب، فالمضطرب الأول، والمضطرب اسم المكان الثاني. قال: ولكان ذلك أظهر لتحقق المعنى الاصطلاحي؛ لأن الحديث عند التحقيق موضع يظهر فيه ريب الراوي أو الرواة، ولكن لم يصطلح أهل العلم على تسميته بفتح الراء، وإنما اصطلحوا على تسميته بكسر الراء. والعبرة في مثل هذا بما تعارف عليه واصطلحوا عليه، بما تعارف به واصطلحوا عليه. فكون إنسان من الناس يأتي فيصطلح اصطلاحًا جديدًا، هذا مع ما فيه من إيجاد الإشكال، فهو كذلك ربما يثير جدلًا لا حاجة إليه. على أن المعنى الأول كذلك حاصل في وصف هذا الحديث. فإذا قيل: حديث مضطرب، فهو الحديث الذي حصل فيه الاختلال والفساد. قال: واصطلاحًا: ما اختلفت الرواية في متنه أو في سنده أو في كليهما مع تساوي الروايتين وتعذر الجمع بينهما، كما تقدم. وبه نعرف أن المضطرب ينقسم إلى ثلاثة أقسام: ما اضطرب سنده فقط، أو ما اضطرب متنه فقط، أو ما اضطرب متنه وسنده معًا. وتقدم معنا أن الحافظ بن حجر رحمه الله أشار، وغيره من أهل العلم، أن الاختلاف الذي لا يؤثر قدحًا لا يدخل ذلكم الحديث في قسم المضطرب، ومنه اختلاف الرواة في اسم رجل، فإنه لا يؤثر إذا اختلفوا باسم رجل ما دام أنه ثقة، ولو اختلف في اسمه، فإنه لا يضر، لا يضر الاختلاف في اسمه. وقد مر معنا أنه اختلف في أسماء الصحابة أو بعض الصحابة. وهكذا يقال مثله فيمن اتفق العلماء على توثيقه وإن لم يتفقوا على اسمه، أو حصل الاختلاف في اسمه، فلا بأس، ولا يضر ذلك. قال: وهو يقع في الإسناد غالبًا، وقد يقع في المتن، ولكن قل أن يحكم المحدث على الحديث بالاضطراب بالنسبة إلى الاختلاف في المتن دون الإسناد. يعني: في الغالب إذا كان هناك اضطراب في المتن، فلا بد أن يكون لهذا الاضطراب في المتن علة في ماذا؟ في السند. وإذا وجد سند مستقيم، أو أسانيد مستقيمة، وظهر في بعض المتون ما فيه ظاهره الاختلاف، فالغالب أنه يمكن الجمع أو الترجيح، يمكن الجمع أو الترجيح. فمثال ما يمكن الجمع فيه حديث الواهبة، فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من أوجه كثيرة، وفي بعض الألفاظ: زوجتكها، وفي بعضها: أنكحتكها، وفي بعضها: ملكتكها. فمثل هذا من الخطأ أن يوصف بأنه حديث مضطرب، لا يسمى مثل هذا بأنه مضطرب؛ لأنه يمكن الجمع. فهذه الألفاظ كلها صحيحة، وكلها مقصودة، ولا يكون ذلك موجبًا للحكم عليه بالاضطراب. وقد يكون هناك اختلاف في المتن، ولكن الإسنادين صحيح، ولكن يحصل الترجيح بما يُعلم من المعنى، مثل حديث ابن عباس في زواج النبي صلى الله عليه وسلم من ميمونة، فإنه جاء أنه تزوجها وهو ماذا؟ محرم، وتزوجها وهو حل. والصحيح أنه تزوجها وهو ماذا؟ حل. فحمل حديث ابن عباس المخالف لمعنى ما جاء في حديثه برافع، وميمونة نفسها، على أنه خطأ -يعني من ابن عباس- فلا يقال: هذا حديث مضطرب، روي من حديث ابن عباس كذا، وروي من حديثه برافع كذا، وروي من حديثه بميمونة كذا. فإذا ثلاثة أحاديث متنها فيه معنى مختلف، فيكون به الحكم عليه بالاضطراب ليس كذلك، بل هنا يمكن الترجيح لأوجه، فيسلك مسلك الترجيح، ولو كان الإسناد صحيحًا. فالحاصل: الغالب أن الحكم على المتن بالاضطراب يكون له مرجع في السند، مثل ما تقدم. معنى ذلك أيضًا: حديث «إن في المال حقًا سوى الزكاة». قال: مثال للاضطراب في السند حديث أبي بكر رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله، أراك شفتا، قال: «شيبتني هود وأخواتها». قال الدارقطني رحمه الله: هذا حديث مضطرب؛ فإنه لم يرو إلا عن طريق أبي إسحاق، وقد اختلف عليه فيه على نحو عشرة أوجه. فمنهم من رواه عنه مرسلًا، ومنهم من رواه موصولًا، ومنهم من جعله من مسند أبي بكر، ومنهم من جعله من مسند سعد، ومنهم من جعله من مسند عائشة. ورواة ثقات، لا يمكن ترجيح بعضهم على بعض، والجمع متعذر. والصواب كما تقدم أنه يمكن الترجيح؛ فقد اتفق شيبان وإسرائيل وأبو الأحوص على رفعه من طريق أبي إسحاق، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن أبي بكر. وهؤلاء ثلاثة من الثقات، بل وفيهم إسرائيل الذي هو أوثق الناس في أبي إسحاق، يروونه على هذا الوجه. ولهذا كان الصحيح الترجيح في هذا الحديث. قال: مثال الاضطراب في المتن، والحديث ذكره العلامة الألباني في الصحيحة في المجلد الثاني، قال: مثال الاضطراب في المتن، قال السيوطي رحمه الله في التدريب: وعندي أن أحسن مثال لذلك حديث البسملة السابق، فإن عبد البر أعله بالاضطراب. والمضطرب يجامع المعلل؛ لأنه قد تكون علته ذلك. انتهى. وهذا كذلك الصحيح فيه الترجيح. ويريد بحديث البسملة الحديث الذي رواه الإمام البخاري ومسلم من حديث أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستفتح القراءة بالحمد لله رب العالمين. في رواية لمسلم من طريق الأوزاعي عن قتادة عن أنس: لا يذكرون باسم الله الرحمن الرحيم -يعني النبي عليه الصلاة والسلام وأبو بكر وعمر- الحديث. وهذه الزيادة الصحيح أنها شاذة. والأوزاعي ممن يعد من الشيوخ من رواة قتادة؛ فقتيبة بن دعام السدوسي، قسم من يروي عنه إلى أربع طبقات: الطبقة الأولى من قيل فيه أنه أثبت الناس، والطبقة الثانية من هو دون ذلك مما روايته مستقيمة، لكنه ليس مثل الأولى، والطبقة الثالثة من قيل فيه أنه من الشيوخ، ومنهم الأوزاعي؛ لأنه وجد في بعض مروياتهم عن قتادة بعض الخلل والخطأ. وقد أحصى علماء الحديث تلك الأخطاء، ومع ذلك فهو ممن تقبل روايته، وروايته الغالبة عن مثل هذا الإمام مستقيمة؛ فلهذا سموه من الشيوخ، أي: ممن له أخطاء في بعض الرواية. والقسم الرابع: الضعفاء فيه. فما دام أن رواية الأوزاعي عن قتادة هي من رواية الشيوخ، وقد خولف بالرواية الأصح، فإن هذه الزيادة يحصل فيها الترجيح بعدم ذكرها في الروايات الأخرى. قال رحمه الله: وقد مثلوا لذلك أيضًا بحديث فاطمة بنت قيس: قالت سألت أو سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الزكاة، فقال: «إن في المال لحقًا سوى الزكاة». قال: فقد روي عنها بهذا اللفظ -يعني بالإثبات- وروي عنها بلفظ: «ليس في المال حق سوى الزكاة». فقد حكم بعض المحدثين بالاضطراب. وأول بعضهم الحق الثابت بالمستحب، والمنفي بالواجب. وحينئذ فلا اضطراب -يعني بعضهم جمع بين الحديثين- بأن المثبت «إن في المال لحقًا سوى الزكاة» هذا في المستحب، وأن المنفي «ليس في المال حق سوى الزكاة» أنه ليس حق واجب إلا الزكاة. وقالوا: بهذا يعلم أنه ليس بمضطرب. والصحيح أن الحديث ضعيف، مع ما فيه كذلك من معنى الاضطراب؛ لأن مدار الحديث كما تقدم إنما هو على أبي حمزة ميمون الأعور. وسبق معنا في الدرس السابق أن ميمون الأعور القصاب ضعيف، ضعفه غير واحد من أهل العلم. وتقدم معنى ذلك أيضًا أنه مع ضعف الحديث ليس معنى أنه لا يصح معناه على الإطلاق، ولكن معنى يصح؛ لأنه جاءت أحاديث تؤيد هذا المعنى، كما جاء بحديث ابن عباس، وأنس، وعائشة. ورواه الحاكم وغيره: «ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع» فإنه صح عن النبي عليه الصلاة والسلام، وذكره العلامة الألباني في الصحيحة الجزء الأول. قال رحمه الله: قال السيوطي: وقيل: وهذا أيضًا لا يصح مثالًا؛ فإن شيخ شريك ضعيف -يريد بشيخ شريك من؟ أبو حمزة- فأبو حمزة وهو ميمون الأعور القصاب ضعيف. قال: فهو مردود من قبل ضعف راويه، لا من اضطرابه. وأيضًا ومع ضعفه فقد حصل الاختلاف. ولهذا قال بعض أهل العلم: أنه حديث ضعيف منكر؛ لأجل هذه المخالفة. وقد ذكره العلامة الألباني رحمه الله في الضعيفة في المجلد التاسع. قال رحمه الله: قال: فإن شيخ شريك ضعيف، فهو مردود من قبل ضعف راويه، لا من اضطرابه. أيضًا فيمكن تأويله بأنها روت كل من اللفظين عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأن المراد بالحق المثبت المستحب، وبالمنفي الواجب. انتهى -يعني كما أشار وأشير إليه سابقًا- والصحيح أن الحديث ضعيف، فلا حاجة لهذا الجمع. ومع ذلك فيمكن أن يصحح بعض المعنى بأدلة أخرى. قال رحمه الله: حكمه: الاضطراب موجب ضعف الحديث؛ لإشعاره بأنه لم يضبط. يعني: إذا وجد في حديث ما اضطراب، فهذا سبب لضعف ذلك الحديث. وتقدم معنا أنه لا يمكن أن يقال في الحديث الصحيح أنه مضطرب. وبه نعرف خطأ من مثل بحديث الواهب الذي في الصحيحين بأنه من الحديث المضطرب، فهذا خطأ؛ لأن المضطرب من قسم الضعيف، ولا يمكن أن يمثل بالحديث الصحيح في قسم الحديث الضعيف. وهذا على ما تقدم وسبق إذا لم يمكن الترجيح ولم يمكن الجمع. وأما إذا أمكن الجمع والترجيح فيسلك بذلك. وهل يمكن أن يشتد الحديث المضطرب فيصير حسنًا؟ أو هو مما لا يمكن أن يصحح؟ الصواب أنه يمكن أن يصح بالشواهد والمتابعات؛ لأن الشواهد والمتابعات بمثابة الترجيح. الشواهد والمتابعات بمثابة الترجيح. فقد يكون حديث ما ظاهره الاضطراب، لكن توجد له شواهد يصح. فمثلًا حديث «شيبة نهود وأخواتها» ظاهره أنه مضطرب، ولكن لوجود المتابعات في رواية شيبان وإسرائيل وأبي الأحوص صار الحديث حسنًا. وبه نعرف أنه لا يحكم عليه بالضعف مطلقًا، أو أنه لا يمكن أن يرتقي، بل يمكن أن يرتقي، وذلك بالشواهد المتابعات، وهو بمثابة الترجيح. وبهذا نكون قد انتهينا من هذا الدرس، وإلى هنا والله تعالى أعلم.