الدرس في القواعد والأصول الجامعة 69، الدرس التاسع والستون : من : ( القاعدة السادسة والثلاثون ... فعليه فدية أذى لإزالة الشعر ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تناول المقطع الأول القاعدة الفقهية 'من أتلف شيئًا لينتفع به ضمنه'، موضحًا أنها تنص على عدم الضمان عند الإتلاف لدفع الأذى، مستندة إلى أحاديث نبوية.
ناقش المقطع الثاني حكم إتلاف المال لدفع الضرر، مشيرًا إلى وجوب الضمان عند الإتلاف لغير الضرورة، وتناول حالة إزالة الشعر للمحرم بسبب الأذى.
فصل المقطع الثالث حكم دفع الأذى عن النفس في الإحرام، موضحًا الفرق بين دفع الاعتداء والفعل لدفع الضرورة، واستدل بآيات القرآن وأحاديث الصحيحين.
أوضح المقطع الأخير جواز تسمية الصيد عند إطلاقه استنادًا إلى حديث جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى: القاعدة السادسة والثلاثون: من أتلف شيئًا لينتفع به ضمنه، وإن كان لمضرته له فلا ضمان. هذه القاعدة أوردها رحمه الله تعالى في سياق ذكر مجموعة من القواعد متقاربة المعاني، فإنه لما ذكر قاعدة الضرورات وذكر بعدها عددًا من القواعد مما يتعلق بالضمان والإتلاف وما كان بمعناه، ناسب أن يذكر هذه القاعدة. وهي من القواعد التي ذكرها ابن رجب رحمه الله تعالى في قواعده، فقد ذكر هذه القاعدة في القاعدة السادسة والعشرين، وذكر معنى ما ذكره المؤلف رحمه الله. وهكذا ذكرها رحمه الله تعالى في منظومته التي هي في القواعد الفقهية في بيت لطيف جميل، قال فيه: «ومتلف مؤذيه ليس يضمن بعد الدفاع بالتي هي أحسن». ومعنى هذه القاعدة يعني: من دفع شيئًا لأجل أذيته عليه فلا ضمان عليه. «ومتلف مؤذيه ليس يضمن بعد الدفاع بالتي هي أحسن». ولهذه القاعدة أدلة وسيأتي في الأمثلة إن شاء الله. قال رحمه الله تعالى: فمن ذلك إذا صالت عليه بهيمة غيره فدفعها عن نفسه فأتلفها لم يضمنها. إذا صالت عليك بهيمة الغير، دابة مثلًا، جمل كان مستوحشًا أو هائجًا، فلم تستطع أن تدفعه إلا بإتلافه، بقتله، ما استطعت أن تدفع شره وضره إلا بذلك، فإنه لا ضمان عليك. لعموم الأدلة الدالة على هذا المعنى. وقد مرت معنا القاعدة: الضرورات تبيح المحظورات بشرط عدم نقصانها عنها، ومن هذا الضرر يزال. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا ضرر، لا ضرر». وحديث عبد الله بن عمر في الصحيحين: «من قتل دون ماله فهو شهيد». وهذا المقتول أفرأيت؟ قيل: سئل النبي عليه الصلاة والسلام في أحد رواية الحديث: أفرأيت قتلته؟ قال: «هو في النار»، يعني لأجل اعتدائه وبغيه، فإنه يدفع بالأخف ثم الأشد، فإذا لم يندفع إلا بالقتل فإنه يقتل. فإذا كان هذا في حق الإنسان، ففي حق البهيمة من باب أولى. فالبهيمة إذا لم يندفع شرها إلا بقتلها فإنها تقتل ولا ضمان عليه. قال: وإن اضطر إلى أكلها فذبحها لذلك، أي لهذه الضرورة ضمنها؛ لأنه لنفعه. وهذا القسم الثاني من القاعدة: إذا أتلف هذا الشيء لأجل مضرته هو، ليس لأجل مضرتها عليه، ولكن لأجل مضرته هو ودفعها، فهنا يجب عليه الضمان؛ لأن هذا من خطاب الوضع، وخطاب الوضع كما مر معنا هو ما تعلق بالأسباب، وكذلك الشروط ونحوها مما ذكر، فهو المتسبب في إتلافها وهو المباشر في إتلافها، فيجب عليه الضمان. لا يلحقه إثم؛ لأجل الضرر، لا يجوز له الاعتداء على مال الغير، فمال المسلم محرم، فيحرم عليه الاعتداء على مال الغير، لكن لدفع ضرورته يجوز. جاع فوجد شاة في جبال أو في صحراء وهو يعلم أنها لأحد من الناس فأكلها، ذبحها وأكلها، جاز له ذلك، ولكن لا يسقط عنه الضمان. الضرورات تبيح المحظورات بشرط عدم نقصانها عنها، فهو لما دفع ضرورته جاز له ذلك ولم يأثم، لكن لم يسقط عنه الضمان. قال رحمه الله تعالى: ومن كان محرمًا بحج أو عمرة فانقلع ظفره أو نزل الشعر في عينه فأزاله فلا فدية عليه، يعني انقلع الظفر بنفسه أو نزل الشعر على العين بنفسه فأزاله لأجل هذه الأذية فلا فدية عليه. وهذا باتفاق أهل العلم. قال: فإن أصابه مرض احتاج معه إلى إزالة شعره فعليه فدية، فعليه فدية أداء لإزالة الشعر. وهذه المسألة فيها خلاف لعدم ثبوت الدليل في ذلك. قال: فإن أصابه مرض احتاج معه إلى إزالة شعره، يعني إذا ش... المؤلف رحمه الله عبر في المثال الثاني بالشعر، والشعر لا خلاف فيه؛ لأنه ورد فيه الدليل، لقول الله عز وجل: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾. وهذه هي التي تسمى بفدية الأداء. فقول المؤلف: فعليه فدية أذى لإزالة الشعر، هذا صحيح. وانظر أن المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الموضع انتقل من مقابلة المثال بنفس المثال إلى مثال آخر، وهذا هو الصواب في المسألة. لكن لو قيل: هل المسألة نفسها لو قال: من قلع ضفره لدفع أذاه له أو شعر جسده؟ الجواب: هذه المسألة فيها خلاف، مسألة الضفر وشعر الجسد فيها خلاف، والراجح والله تعالى أعلم أنه لا فدية فيها لعدم الدليل. فالخلاصة: استفدنا من هذه القاعدة أنه يفصل على هذا التفصيل، فإن كان لدفع أذاه عليه واعتدائه عليه فلا ضمان عليه، ودفع أذاه لنفسه به فعليه الضمان. ومنه مثلًا: الصيد يحرم على المحرم أن يصيد، فإذا عدا عليه الصيد اعتدى عليه، مثل الضبع مثلًا، فإذا اعتدى عليه ضبع ولم يستطع أن يدفعه إلا بقتله فإنه يقتله ولا ضمان عليه، لا إثم ولا ضمان. بينما لو كان جائعًا خاف على نفسه من الهلاك ولم يجد أمامه إلا ضبع فاصطاده وأكله، فلا إثم عليه ولكن عليه الضمان؛ لأنه حرم عليه صيد البر مدامًا محرمًا، وكما قال تعالى: ﴿فَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾. وهكذا كذلك غيره، لو أن إنسان نظر في بيتك فلم تستطع أن تدفع نظره هذا إلا برميه بحصى، رميه بحصى ففقأت عينه، فلا ضمان عليه. وقد جاء معناه في الصحيحين في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن من نظر بغير إذن أهل البيت ففقع عينه فلا جناح أي على أهل البيت فيما فقعوا به عينه. وقد سئل الإمام محمد رحمه الله عن اللص يعتدي عليه، أيدفع بقتله؟ قال: لا يدفع بقتله، وإنما يدفع بالأخف فالأخف فالأعلى، يعني المقصود هو دفع شره، فإذا لم يندفع إلا بقتله فإذا قتلته فهو في النار لكونه معتديًا. في هذه القاعدة: إذا قتله يجوز له أن يأكله بعد ذلك لدفع ضرورته، ولا يأكل منه إلا بقدر الضرورة. يجوز أن يأكله مادام أن قتله كان بحلال فهو إن شاء الله يأكله حتى لا يكون من المسرفين. هذا يسأل عن الضبع: غول ذو أنياب ومخلب، فكيف يجوز أكله؟ يجوز؛ لأنه صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسميته صيدًا، كما جاء معنا في حديث جابر بن عبد الله.