كتاب الصلاة 25

كتاب الصلاة 25

الدرس في كتاب الصلاة 25، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مسائل متعلقة بالإمامة والجماعة

تطرق الشيخ إلى مسائل الإمامة والجماعة، منها حكم صلاة المسافر خلف المقيم. وتناول أحكام إقامة الجماعة الثانية في المسجد وصلاة النساء جماعة في البيت.

أحكام سجود السهو ومسبباته

يناقش المقطع أحكام سجود السهو، ويبين أنه يكون سجدتين للترك أو الزيادة أو الشك. ويتناول الخلاف حول شمول السهو للأقوال والأفعال.

حكم وموقع سجود السهو في الصلاة

اختلف العلماء في حكم وموقع سجود السهو، فمنهم من يرى قبل السلام ومنهم من يرى بعده. وذهب ابن القيم إلى الاقتداء بما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.

متابعة الإمام في سجود السهو

يجب على المأموم متابعة الإمام في سجود السهو، سواء علم السبب أم لا. ولا يسجد المأموم إذا سها ولم يسه الإمام لأن صلاته منجبرة بصلاة الإمام.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قبل شروعنا في الباب الجديد، سأل بعض الإخوة ونبهوا على بعض المسائل، منها مسائل الإمامة. ولعلي أنسى بعضها، فإن شاء الله يذكرني الإخوان الذين نبهوني وسألوني عن بعض المسائل. فمنها، مثلا، حكم صلاة المسافر خلف المقيم والمقيم خلف المسافر، الإمامة وإتمام الصلاة وعدمها. السنة أن المسافر إذا صلى خلف المقيم أتم. ودليل ذلك أثر عن عبد الله بن عباس له حكم الرفع، وبمعنى ذلك عن عبد الله بن عمر. فقد صح عن عبد الله بن عباس أنه قال: من السنة إذا صلى المسافر خلف المقيم أتم. وفي أثر عبد الله بن عمر أن رجلا سأله عن ذلك، يعني هل إذا صلى المسافر خلف المقيم قصر اكتفى بركعتين؟ فضحك عبد الله بن عمر وقال له: بل يصلي أربعا، يعني أن هذه هي السنة. وهكذا كذلك العكس، إذا صلى المقيم خلف المسافر، فإن المقيم سيتم، لأثر عمر رضي الله عنه الصحيح أنه صلى بقوم فصلى خلفه بعض من عليه صلاة المقيم، فقال: إن قوم سفر -يعني مسافرون- فقوموا فأتموا صلاتكم. من هذه المسائل كذلك مسألة اقتداء المأموم بالمأموم المنفرد. كيف يفوته؟ وهل في ذلك سنة؟ يأتي أحيانا من بعض الناس تفوته صلاة الجماعة، ويأتون ويضربون على كتف بعض المأمومين يريد الجماعة. وهذا خلاف السنة، لم يكن يفعله مثل هذا في زمن النبي عليه الصلاة والسلام. ما كانوا إذا أتوا ورأوا الناس انتهوا من الصلاة يبحثون لهم عن واحد يصلي بهم. كانت سنتهم إذا فاتت الصلاة يقيمون لأنفسهم جماعة أخرى. لماذا؟ لأن هذا أكمل لصلاتهم أن تكون جماعة كاملة، بخلاف إذا اقتدوا بالذي قبلهم ستفوتهم بعض الجماعة. سيدركون ركعتين ربما، وهو قد أدرك معه ركعتين. سيدركون معه ركعتين وركعتين سيصل لكل منهم منفردا. وهذا وللأسف نراه كثيرا في مساجد المسلمين، وهو خطأ. والصواب أن الجماعة المتأخرين إذا جاءوا يقيموا لأنفسهم جماعة أخرى. بعضهم عندهم اعتقاد فاسد وفهم خاطئ يظنون أن الأجر يكبر إذا اتصلت بمن اتصل بالجماعة الأولى. كأن المسألة توصيل كهربائي، يعني إذا يصلي هناك توصيل بأجر الجماعة الأولى، معناه أن هناك أجر باقي عظيم. ولهذا تجدهم هكذا، هذا يلمس هذا ويصلي، ثم يأتي جماعة أخرى يلمسون الذين هم الجماعة الثانية. كفي جماعة أخرى مثل مساجد السوق، ربما أربع جماعات. كل جماعة يحترص على الاتصال بالتي قبلها. وهذا خطأ، فكل جماعة من هذه الجماعات ما أدركت صلاة الجماعة كاملة. هؤلاء أدركوا ركعتين، وهؤلاء أدركوا ثلاث، وهؤلاء أدركوا ركعة وهكذا. وهذا خلاف السنة. السنة أنهم يقيمون لأنفسهم جماعة. وهنا تأتي مسألة بعدها، هل تشرع الجماعة الثانية في المسجد؟ الصحيح أنها تشرع. وفي المسألة خلاف قوي، ولكن الصحيح الذي دلت عليه الأدلة من الكتاب ومن آثار السلف أن تقام الجماعة كذلك الثانية. لقول الله عز وجل: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَاكِعِينَ﴾. وهكذا لما صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه فعل ذلك، وكذلك ما ثبت عن عدد من الصحابة أنهم فعلوا ذلك. وأما من نقل عدم ذلك، ليس عنده شيء مرفوع صحيح صريح. وإنما أكثر ما يمكن أن يستدل به أثر عن بعض الصحابة. وأثر هذا الصحابي لا يعارض به هذه النصوص العامة والخاصة الصريحة التي فيها جواز الجماعة الثانية. من المسائل كذلك التي تذكر في هذا المقام مسألة قيام الناس لصلاة الجماعة. وهذا خطأ يخطئ فيه كثير من الإخوة فضلا عن العامة. وما هي السنة بهذا؟ أنا سأجيبكم. يخطئون بهذا، إيش السنة بهذا؟ حتى يرى الإمام، حتى تقام الصلاة ويقوم الإمام. يعني أحسن. ولكن للأسف نجد الناس يخالفون بهذا، ربما يقومون قبل أن تقام الصلاة وقبل أن يرى الإمام. وهذا خطأ. فهذه سنة متأكدة تكون مهجورة، وينبغي كذلك مراعاة أحكام الإمامة. بقي شيء، أشياء. منها صلاة النساء جماعة في البيت. الحرص على صلاة النساء جماعة في البيت مشروع، ليس بمكروه. وقد كان بعض الصحابة أو النساء الصحابيات يفعلن ذلك. لكن اعتقاد أنه لابد من هذا خلاف السنة. بل صلاة المرأة في حجرتها وبيتها أفضل. وبهذا نعرف أن المداومة على جماعة -معناها- خلاف الأفضل. كذلك لأن معناها أنها لن تصلي بحجرتها، وإنما ستصلي مع جماعة النساء بموضع الجماعة. وفضل الجماعة إنما هو للرجال. والشك في ذلك والله تعالى أعلم أن اجتماع النساء سبب للخروج، ولو خروج قليل. المداومة على اجتماع النساء بجماعة سبب للخروج، ولو خروج قليل. والخروج، ولو كان قليلا، ينقص من الستر، مع ما فيه من أشياء أخرى. إلا إذا كان هذا الاجتماع لعلم أو غير ذلك، ووافق ذلك الصلاة، فالمداومة على ذلك إن شاء الله ليس فيها شيء. لأنه حصل وفاقا، ولم يحصل تعمدا. وفرق بين المسألتين. فإذا حصل هذا وجئت إلى المسجد ووجدت جماعة على هذا الوصف، كيف ستفعل؟ تقيم جماعة ثانية. الجواب: لا تصلي منفردا. الجواب: لا تصلي معهم. أو كذلك لو أن أحدا اتبى بك أو من هو معه اتدى بغيره، فهل أنت تصلي معهم أم لا؟ وهل أنت تصلي بهم؟ أما تصلي معهم فلا شك أنك تصلي معهم. وأما أن تصلي بهم، فالأفضل أن لا تصلي بهم، خصوصا إذا كان أكثر من واحد. الأفضل أن لا تصلي بهم، تجعلهم يصلون بينهم. نعم، بالضرب. نعم، الموقف أنك تتخلص منهم. إذا علمت أن ما يمكن تتخلص منهم إلا أن تشير إليهم. ليس دائما بتنزيل يدي إلى تحت، مرة تنتظر، مرة تنفرد. أي طريقة تعلمهم أنك ما قبلت الإمام. إلا إذا استيقنت أنهم صاروا عرفوا. وإذا قدت هكذا، إلا إذا قدت هكذا. حسنا، بس أنت يعني تبين لهم أن هذا العرف ليس عبادة بأن تخالفها أحيانا. وإذا كان مثلا علمت أن هذا الرجل سيحرم الجماعة، فلا بأس أن تصلي به. لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «من يتصدق على هذا». إذا علمت أن هذا الرجل أكيد ما أحد سيصلي به. مثل بعض القرى، الناس الذين يصلون في المسجد معروفين، زيد وعمر وخالد وصالح وعلي. اليوم تأخر صالح، معناها أنه سيصلي وحده. إذا لم تصلي به، صلي به. ولكن قل له: إذا جئت مثل هذا مرة أخرى، لا تضربني على كتفي، تف بجانبي واقتدي به، خلص. مثل ما فعل عبد الله بن عباس مع النبي عليه الصلاة والسلام لما رأى النبي عليه الصلاة والسلام يصلي من الليل، قام بجانبه عن يساره، فأخذه النبي عليه الصلاة والسلام وجره وحوله عن يمينه. إذا كان ما فيه أحد، يعني إذا كنت ما تعلم أنه واحد. لا، بس وإذا علمت ترجع إلى الوراء، وخليه يصلي به، يصلي به. واتخذ سترة أخرى، أحد المأمومين يتقدم. هذه المسألة سؤلت عنها شيخنا رحمه الله، عمن صلى بهم، فقال: أنا لا أرى ذلك. وإن كنت أقول أنه يجوز، لكن لا أرى فعل ذلك. وإن كنت أقول أنه يجوز، يعني يجوز، لكن الأفضل لا يفعل. لماذا يجوز؟ لعدم وجود المانع، لعدم وجود المانع الشرعي. ولكن الأفضل أن يترك، لأنه باب سد الذرائع، والأولى الاحتياط. كأنه هكذا، والله تعالى أعلم. لكن هذه فوضى، يعني مجموعة من المتخلفين قاموا، فأراد أحدهم أن يتقدمهم، هل يجوز؟ فالشيخ رحمه الله سئل هذا السؤال، وقال هذا الجواب، يعني أفضل أن لا يفعل، وإن كنت أقول أنه قد يجوز أو يجوز. ولا نستطيع أن نبطل عليهم صلاة، لكن مع ذلك الأولى أن لا يفعل هذا الفعل. فإمتى يا عبد الله لا تمت، إذا علم أن صلاة جماعته بعد الجماعة يبطلون صلاة، يبطلون الصلاة، ويذهبون إلى الجماعة الأولى حتى يوافق السنة، لا تكون جماعتان في مسجد واحد. إذا استيقن، وإذا لم يستيقن وغلب على ظنه أن الصواب معه، يستمر في صلاته. والله تعالى أعلم. أي: المسبوقون، بمعنى كانوا مع الإمام ثم قاموا. نعم، هذا السؤال. أما إذا جاءوا متأخرين، لا يوجد شك أن يصلي به مع أحدهم. لكن السؤال في هذا المعنى. نعم، يعني بعض من الأئمة هذين ينفسوا جهاز يشبه يتمتع به هذا الشخص، يعني لا يريد أن يتمتع به لأنه لا يعرف. يتقدم يصلي، لا، بس يكبر واحد منهم يخرج يصلي بهم، يتقدم إذا كان في مجال يصلي بهم. والله تعالى أعلم. ويجب صلاة المأموم خلف الصف، ويجب إعادة الصلاة. صلاة المأموم خلف الصف قد ورد فيها نهي عن النبي عليه الصلاة والسلام، صح عنه أنه قال: «لا صلاة للمأموم خلف الصف». وحمل النهي إذا كان هناك مجال لأن يصلي في الصف، فلا صلاة للمأموم خلف الصف. وأما إذا كان لا مجال للصلاة في الصفوف، ولم يجد سبيلا إلى ذلك، كما قال ابن القيم رحمه الله: عمومات الشريعة تجيز له أن يصلي مأموما، خصوصا إذا استيقن أنه ما أحد سيأتي معه. فإذا يصلي ومنفرد خلف الصف، إذا ما استطاع يدخل عند الإمام، ولا وجد فرجة في الصفوف، ولا علم أن أحدا سيأتي، فيصلي خلف الصف. الضرورات تبيح المحظورات. نعم، بين السواري. لأن النهي بين السواري مكروه، والنهي في الصلاة منفردا يصل إلى الإثم البطلان، يصل إلى الإثم البطلان، بطلان الصلاة. فقد رأيت الشيخ معدي رحمه الله يأمر بعض من يصلي منفردا خلف الصف إذا كان في الصف الذي قبله فراغ أن يعيد الصلاة. وكان مسجده رحمه الله كبير مثل هذا المسجد أو أعظم. فأحيانا يكسل بعض العامة يأتي من مكان الوضوء مثل هذه الجهة، كان وضوء في الجهة الغربية، الجهة الشرقية، يعني شرق المسجد، ليس شرقا، فيكسل أن يذهب إلى الجهة الغربية، فيصلي في الطرف. فإذا رأى الصف فيه نقص، فيقول: اقطع صلاة فلان. كان شديدا رحمه الله، اقطع صلاة، ما يرضى يجيب، فيقول: أنت الذي تصلي وحدك، اقطع صلاة، صلاة غير صحيحة، غير مقبولة. يلتفت ليش يا شيخ؟ فيقول: لأنك صليت خلف الصف منفردا، ويوجد الصف الذي قبلك فراغ. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا صلاة لمنفرد خلف الصف». اذهب بعيدا صلاة، فيعيد الصلاة امتثالا لحديث النبي عليه الصلاة والسلام. لا، بات، صلي منفردا خلف الصف. الضرورات تبيح المحظورات، هكذا أخذ ابن القيم، ونقل ذلك عن شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. وبه يفتي ذلك الشيخ العظيم رحمه الله. قال رحمه الله تعالى: باب سجود السهو، قال: وهو سجدتان قبل التسليم أو بعده، بإحرام وتشهد وتحليل. ويشرع لترك مسنون، وللزيادة ولو ركعة سهوا، وللشك بالعدد. وإذا سجد الإمام، متابعه المؤتم. هذه مجموعة من المسائل تتعلق بأحكام سجود السهو، وهي تقريبا ست مسائل. أولها قوله رحمه الله: سجود السهو سجدتان. فسجود السهو سجدتان، لما صح من الأحاديث الكثيرة التي أشار إليها في الشرح، كحديث أبي سعيد وحديث أبي هريرة وحديث ابن مسعود، وجماع الصحابة فيما وقع للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من سهو، فإنه كان يسجد سجدتين. وينبغي أن نعلم أن هذا السهو قد اختلف أهل العلم، هل هذا السهو يكون في القول والفعل أم يكون في الفعل فقط؟ فذهب بعض أهل العلم أنه بالقول والفعل سواء، إذا سهى في القول أو سهى بالفعل فإنه يسجد سجود سهو. وذهب بعض أهل العلم -وهي رواية عن إمام أحمد، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وجماعة من المحققين- أنه في الأفعال دون الأقوال. واستدلوا بأن سنة النبي عليه الصلاة والسلام الفعلية في سجود السهو، ليس فيها أبدا سجود سهو في أقوال، وإنما ثبت في أفعال. وأجاب من قال بالقول الأول بأن التشهد الأول سهو في قول، وأنه سجد به سجود سهو حين تركه عليه الصلاة والسلام. وأجيب بأن الصواب أنه ليس قولا مجردا، فهو ليس تشهدا فحسب، بل تشهد مع الجلوس، فهو قول مقترن بفعل، فلا يصح الاستدلال به. ولأنه ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث ما يدل على أن السهو قد يقع أو وقع، ومع ذلك لم يأمر بسجود السهو، مثل نهي النبي عليه الصلاة والسلام عن قراءة القرآن بالركوع والسجود، ومع ذلك لم يأمر بسجود السهو. وهذا يقع للإنسان، فلو كان قراءة القرآن بالركوع والسجود وهو قد يقع سهوا يوجب سجود السهو، لأمر به النبي عليه الصلاة والسلام، ولم يأمر. وهذا كذلك الدعاء على النفس هو من القول الذي قد يقع سهوا، ووقعت به النبي عليه الصلاة والسلام، ولم يأمر بالسجود سهو معه، فدل على عدم سجود السهو في الأقوال. بل ولم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث واحد قبل أنه سجد سجود سهو لم يعلم له سبب. بل ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه سهى ببعض صلاته بقوله، فثبت بقصة أبي سعيد أن النبي عليه الصلاة والسلام وقع له بقراءته شيء، فلم يفتح عليه أحد، ثم التفت بعد الصلاة وسأل عن أبي سعيد، ولم يذكر أنه عليه الصلاة والسلام سجد السجود سهوا. وغير ذلك مما فيه معنى السهو في الأقوال، ومع ذلك لم يأتي دليل صريح يدل على سجود السهو فيها. فإذن الصواب، الله تعالى أعلم، أن سجود السهو إنما هو في الأفعال، ليس في الأقوال. والمسألة الثانية قوله رحمه الله: سجدتان قبل التسليم أو بعده. وهذه المسألة كذلك من المسائل التي فيها خلاف بين أهل العلم على أقوال. فمن أهل العلم من يرى أن سجود السهو يسجد به دائما قبل السلام، ومنهم من يرى أنه دائما بعد السلام، ومنهم من يرى أن الأمر في هذا واسع، إن شئت قبل السلام وإن شئت بعد السلام. ومنهم من يرى -وهذا قول رابع- أنه إن كان نقص فقبل السلام، إن كان زيادة فبعد السلام. وهناك قول خامس، ومال إليه ابن القيم رحمه الله، أو ألمح إليه لمحة، وهو أنه يقتدى بذلك بما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام، وما كان ورد فيه شيء فيقتدى بما ورد. يعني مثلا ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه سجد بعد السلام حين زاد خامسا، إذن اجعل قاعدة كل زيادة في ركعة، فإنك تجعل السجود السهو بعد السلام. وهذا ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه صلى ركعتين وسلم، ومع ذلك صلى ركعتين وسلم، وسجد سجود السهو قبل السلام. وإذن اجعل ما كان صلاة ركعتين فحصل فيه تسليم، فيكون سجود السهو قبل السلام. وثبت كذلك عنه عليه الصلاة والسلام -وهذا على خلاف الأصل- في حديث عمران بن حصين في صحيح مسلم، أنه صلى العصر ثلاثا، فذكر فضل الركعة، ثم سلم، ثم سجد سجود السهو بعد السلام. فإذن يكون في الثلاث ركعات سجود السهو بعد السلام، وفي الركعتين إذا حصل التسليم منها سجود السهو قبل السلام. وفي الخمس سجود السهو متى؟ بعد السلام. وفي نسيان التشهد الأول سجود السهو قبل السلام. هذه الصور التي ثبتت عن النبي عليه الصلاة والسلام، كم الآن؟ صور أربع. الصورة الأولى في الخمس بعد السلام، وفي الثلاث بعد السلام، وفي الركعتين قبل السلام، وفي نسيان التشهد الأول قبل السلام. والخامسة في الشك، وهو ما جاء بحديث أبي سعيد، أنه إذا شك بصلاته فلم يدري، وجاء تذلك من حديث عبد الله بن عباس: إذا شك بصلاته فلم يدري أصلى ثلاثا أم أربعا، فليطرح الشك وليجعلها -يعني- على الأقل، ثم يبني على مستيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم. ومعناه أن في الشك تسجد قبل السلام. إذا شككت، فسجد قبل السلام. إذا شككت بالصلاة، صليت ثلاثا أم صليت أربعا، فبنتيها على الأقل، أجعلتها ثلاثا، وهو اليقين، ثم بعد ذلك ستحتاج أن تسجد سجد سهو، أين تسجد؟ قبل أو بعد السلام؟ تسجد قبل السلام. فالآن عندنا خمس صور، هذه التي ثبتت عن النبي عليه الصلاة والسلام. وبحديث المغير بن شعبة، أنه صلى بقوم بترك التشهد الأوسط، فلما سلم عن صلاته، سلم، ثم سجد سجدتين وسلم، وقال: هكذا صنع بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا بالنسبة لمن نسي التشهد الأول. فالحاصل، هذه الصور الخمس تحفظها وتعمل بما ورد فيها. طيب، إذا وقع شيء غير هذه الخمس، فماذا تصنع؟ تصنع كل شيء بحسبه، هكذا قال بعضهم. وقال بعضهم: النقص تجعل فيه قبل السلام، والزيادة تجعل فيه بعد السلام، لأن هذا هو الأكثر الذي ورد فيه الأدلة. وهذا الأخير هو الأقرب، يعني أن الأصل هذه الصور الخمس تعملها بمثل ما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، ثم ما كان غير ذلك، فما كان من نقص فقبل السلام، وما كان من زيادة فبعد السلام. وإن قال قائل: أنا ما أستطيع أضبط هذا الأمر، يشق علي، كيف أحفظ هذه الصور؟ ثم هذا قبل وهذا بعد. فيقال له: الأمر واسع، إذا شق عليك واحترت، فإن شئت جعلتها قبل السلام، وإن شئت جعلتها بعد السلام. والأفضل والأكمل بحقك أن تحقق ما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام من صور، خصوصا الخمس هذه، خصوصا هذه الصور الخمس، احرص على حفظها، وهي سهلة، خمس كيفيات، احرص على حفظها حتى تعمل بها كما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام. قال رحمه الله تعالى: قبل التسليم أو بعده، قال: بإحرام وتشهد وتحليل. وهذا القول ليس بصواب، أنه يكون بإحرام وتشهد وتحليل. والصحيح أنه بالنسبة للسجدتين بعد السلام لا يحتاج إلى تشهد. وأما مسألة الإحرام، هي تكبيرة تكبير بها، ولا نسميها تكبيرة إحرام، لكن تكبيرة الدخول في سجدتي السهو. فإن كانت قبل السلام فهي لا تحتاج إلى هذه التكبيرة، وإن كانت بعد السلام فتحتاج إلى تكبيرة، تكبير بها للهوي إلى السجود، تكبير بها للهوي إلى السجود. لا نسميها تكبيرة إحرام، لأن ذلك لم يرد أولا، وثانيا لأنه غير منضبط، ليس موجود فيما هو قبل السلام. وهذا كذلك التشهد، نفصل، إذا كان تشهدا بالنسبة لسجدتي السهو قبل السلام، فنعم، فيها تشهد، هي تشهد الصلاة. وأما إذا كان بعد السلام، فليس فيها تشهد، بل يسجد سجدتي سهو، ثم يسلم. وقوله رحمه الله: ويشرع لترك مسنون. الصواب أنه ليس فيه ذلك المسنون إذا ترك، ليس فيه سجود سهو. لكن قد يكون مراد المؤلف رحمه الله ما هو واجب يسميه مسنون، مثل التشهد الأول، فربما بعضهم يسميه مسنون، وهو الصحيح أنه واجب. أو كذلك ذكر التشهد الأول مما هو زائد عن الواجب. والصحيح أن سجود السهو بالنسبة للتشهد الأول لأجل الفعل لا لأجل القول، واضح، لأجل الفعل لا لأجل القول. لم يسجد سجود السهو لأجل التشهد الأول لأجل القول، ولو كان في بعض القول مسنون. وهذا فكذلك قوله: هو للزيادة، ومر معنا دليله. والزيادة في حديث عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى خمسا، فحديث الصحيحين، فسجد بعدما سلم، سجد بعدما سلم. قال: ولو ركعة سهوا، يعني إذا زاد ركعة سهوا، فبهذا يعلم أنه إذا زاد غير سهو، فلا سجود سهو. مثال ذلك أن يزيد غير سهو، إذا نسى إراءة الفاتحة وهو متأكد من ذلك، فإنه سيزيد ركعة بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا صلاة لمن لم يقرأ فاتحة الكتاب». فهل يحتاج إلى سجود سهو؟ الصحيح أنه لا يحتاج إلى سجود سهو، لا يحتاج إلى سجود سهو، لأنه عملا ليس سهوا. وهل إذا قام الإمام إلى الخامسة، تقوم معه إلى الخامسة؟ الجواب: لا، ما تقوم معه إلى الخامسة. هذا هو الصحيح، ولو كان الصحابة قاموا مع النبي عليه الصلاة والسلام للخامسة، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يوحى إليه، فهم لا يدرون لعل الصلاة زيدت، أوحي إليه لأن الصلاة زيدت، فلهذا تابعوه. وأما بعد موت النبي عليه الصلاة والسلام، فالوحي انقطع. فإذا الصحيح أن الإمام إذا قام إلى الخامسة، فأنت لا تقل قل: سبحان الله، فإذا ما جلس استمر الإمام في قيامه، لا تنقض انتظره حتى يرجع، ينتهي من الركعة ويرجع، ويسجد سجود سجوده هو، يتشهد ويسلم، فتسلم معه، يسلم فتسلم معه. ومن صور زيادة الإمام للخامسة إذا نسي الفاتحة، وينبغي هنا أن يشدد ويضيق هذا الباب، خصوصا مع من ابتلي بشيء من الوسوسة، وإلا فيصير بعض الأئمة كل يوم يصلي خمسا، إذا فتح باب الوسوسة، فسيصلي بهم الإمام خمسا، يصير من سنته يقوم. فمثل هذا إذا حصل ينصح، ويقال له: أمثالك لا ينبغي لهم أن يفتحوا باب الوسوسة، بل إذا قال لك الشيطان: أنت ما قرأت الفاتحة، قل له: قرأت، ولا تقوم للخامسة، لأجل أن لا تشوش على نفسك، ولا تشوش على الناس. فإن كان الإمام ممن ابتلي بهذا دائما، ولم ينتصح، فالأولى أن لا يولى للإمامة، يبعد من الإمامة، ويؤم إنسان آخر غير مبتلى بوسوسة. قال رحمه الله تعالى: وللشك كذلك للشك، لحديث أبي سعيد وحديث ابن عباس بمعنى، رواه أحمد ومسلم كما مر معنا قبل قليل. قال: وللشك بالعدد، فإنه يبني على مستيقن، وهو الأقل، ويسجد سجدتي سهو قبل السلام. والمسألة السادسة والأخيرة، قال: وإذا سجد الإمام، متابعه المؤتم. إذا سجد الإمام -أي سجود السهو- تابعه المؤتم، بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إنما جعل الإمام ليؤتم به». حتى ولو لم تعلم، نعم، حتى ولو لم تعلم السبب. أحيانا بعض السهو، أنت ما تعرف أن الإمام سهى، لكن الذين خلف الإمام يعرفون أن الإمام سهى. مثاله ماذا؟ مثاله أن يقوم الإمام فيتردد في التشهد الأول، يتردد في التشهد الأول. أو كذلك ربما يقوم إلى الخامسة، فيذكر تذكيرا خفيفا من بعض من هو خلفه، لا يسمعه إلا الإمام، من حوله، البعيد ما يدري، فيرجع الإمام، فإذا رجع الإمام وتذكر، أو تذكر من نفسه قام، فتذكر أنه بالخامسة، وأن هذه ليست الرابعة، فرجع وتشهد، قال: الله أكبر، قال الناس: الله أكبر، جلسوا، فهو قام، فلمح الناس جلوسا بسرعة جلس، ما حد يشعر أنه سهى، هو إذا سيسجد سجود سهو، فأنت لابد أن تتابع الإمام، ولو لم تعلم سبب سجود السهو. فمتابعة الإمام واجبة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إنما جعل الإمام ليؤتم به». وإذا قال: وإذا سجد الإمام، متابعه المؤتم، يعني في سجود السهو. وهذه المتابعة في كل شيء، سواء سجد قبل السلام، تسجد قبله، بعد السلام تسجد كذلك بعده، أو كذلك سجد أو لم يسجد، فأنت تفعل مثله. طيب، إذا كنت أنت سهوت والإمام لم يسهو، إذا أنت سهوت والإمام لم يسهو، هل تسجد سجود سهو؟ الصحيح أنه لا، أنك لا تسجد سجود سهو، لأن صلاتك منجبرة بصلاة الإمام، الإمام حبض عليك سهوك، ما جنت مع الناس، فإن شاء الله لم يقع لك سهو، وإنما هي وسوسة شيطان. أحيانا بعض الناس يشك، يقول: لعلي صليت ثلاثا، أنت مع الجماعة كيف تقول صليت ثلاثا؟ كل الناس مقفين وأنت وحدك مصيب، فمثل هذا وما كان بمعناه، لا يسجد المأموم سجود سهو. وبقيت مسألة أخيرة، وهي إذا ما وقع سهو، وكان المأموم مسبوقا لبعض الركعات، فماذا يصنع المأموم؟ هل يسجد سجود سهو أو لا؟ لأنه سيسلم، خصوصا إذا كان السهو بعد السلام. أما إذا كان قبل السلام، فهو سيسجد مع الإمام سجود السهو. لكن إذا كان السهو بعد السلام، فهل يسجد المأموم سجود السهو أم لا؟ الصحيح أنه إذا أدرك السهو فإنه يسجد بعد انتهاء من صلاته سجود السهو. وإذا لم يدرك هذا السهو، فلا يسجد سجود السهو. هذا هو أعدل الأقوال وأرجحها، لعمومات الشرع والأدلة الواردة في الباب، والله تعالى أعلم.