كتاب الصيام 8

كتاب الصيام 8

الدرس في كتاب الصيام 8، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تحريم صوم العيدين وأحكام الصيام

يتناول تحريم صوم العيدين وأيام التشريق، ويشرح النهي عن صيام هذين اليومين وفساد الصيام. كما يوضح مسألة تداخل النيات في الصيام.

أحكام صيام أيام التشريق واستقبال رمضان

يشرح النهي عن صيام أيام التشريق لكونها أيام أكل وشرب، والنهي عن استقبال رمضان بصيام يوم أو يومين قبل دخوله إلا لمن له صوم معتاد.

نصائح لطلبة العلم الشرعي

ينصح ببدء دراسة الكتب الصغيرة والترقي في مختلف العلوم، مع ضرورة اقتناء الكتب المفيدة مثل التفسير والأحاديث النبوية.

أهمية التعاون والنصيحة بين الطلاب

يؤكد على ضرورة نصح الطلاب لبعضهم ومساعدتهم في حل المشاكل، مع الحزم مع المتلاعبين، والتعاون لتحقيق الخير.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. مرة معنا في الدرس الماضي الكلام على بعض أنواع صوم التطوع، ومما أخذناه صيام تسع من ذي الحجة. فيستحب صيام تسع من ذي الحجة. نعم، يستحب صيام يوم عرفة لمن لم يكن بعرفة. وأما من كان بعرفة فلا يستحب صيامه. طيب، والحديث الذي ورد في أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أربع لم يكن يدعهن، وذكرت حفصة منها صيام عاشوراء والعشر، فما الجواب عليه؟ قالت: صيام عاشوراء والعشر وثلاثة أيام من كل شهر. نعم، الحديث لا يصح. عورض بحديث عائشة في صحيح مسلم أنها قالت: ما رأيته صلى الله عليه وسلم صائمًا بالعشر قط. طيب، ومر معنا كذلك أنه يشرع لمن كان متعودًا على صوم أن يصوم ما كان متعودًا عليه، سواء كان في تسع من ذي الحجة أو غيرها. طيب، وأخذنا صيام شهر محرم وشعبان، وهل يصام كله؟ لا، يصوم منه. نعم، يصوم منه. وكما قالت عائشة: كان يصوم شعبان، كان يصوم شعبان إلا قليلًا. فقوله: إلا قليلًا، يفسر قولها بعد ذلك: بل كان يصومه كله، يعني ليس كله كاد أن يكون كله. هذا معناه، ومر معنا أن صيام ثلاثة أيام من كل شهر على كيفيتين. ما الكيفيتان؟ ثلاثة البيض، أو من كل عشر يوم. ومن لم يتيسر له صام ثلاثة أيام من الشهر، لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال لعبد الله بن عمر: صم في الشهر ثلاثًا، هن صيام الدهر. ووجهه: علمنا أن الحسنة بعشر أمثالها. طيب، قال المؤلف رحمه الله تعالى: ويحرم صوم العيدين وأيام التشريق، واستقبال رمضان بيوم أو يومين. كذلك من أحكام الصيام أنه لا يجوز صيام يومي العيد، عيد الفطر وعيد الأضحى. أول يوم في عيد الفطر وأول يوم في عيد الأضحى. ودليله ما أشار إليه في حديث أبي سعيد أنه نهى -أي النبي عليه الصلاة والسلام- عن صوم يومين: يوم الفطر ويوم النحر. وجاء معناه عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه نهى عن صيام هذين اليومين في الصحيحين كذلك. وجاء عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في الصحيحين كذلك: أنه نهى عن صيام يوم الفطر ويوم النحر. وهذا يدل أنه لا يجوز صيام هذين اليومين على أي حال، حتى ولو كان نذر أن يصوم هذا اليوم، فإن النذر لا يجوز الوفاء به، لقول النبي عليه الصلاة والسلام في النذر: أنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم. وهكذا كذلك لو صامه فإنه لا يقبل منه. لو صامه لم يقبل منه، ﴿مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ﴾ أي: مردود على صاحبه. وذلك أن النهي يقتضي التحريم، ويقتضي الفساد إذا تعلق النهي بعين المنهي عنه أو شرطه. إذا تعلق النهي بعين المنهي عنه أو شرطه فإنه يقتضي الفساد. وهنا النهي تعلق بعين المنهي عنه، فالنهي عن صيام نفس يوم الفطر ويوم النحر. فلو صامه الإنسان بطل صيامه ولم يصح ولم يقبل، لأن النهي تعلق بنفس المنهي عنه، فهو شيء ملازم للشيء. وهكذا إذا كان الوصف لا ينفك كذلك، وهذا يمكن أن نقول على تفسير وتعبير آخر: وصف لا ينفك عنه. ونريد من هذا التنبيه الإشارة إلى ضعف قول بعض الفقهاء: أنه يحرم صيام يوم الفطر والعيد ويصح. أنظر: يحرم ويصح. إن صامه يعني لو أن رجلًا نذر أن يصوم يوم العيد، يقولون: يحرم عليه أن يصوم وإن صامه صح منه وسقط النذر. والصحيح أنه لا يصح، لقوله: على وجه العموم ﴿مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ﴾ ولقوله في القصاص في حديث عائشة وغيرها في وفاء النذر: أنه لا وفاء لنذر في معصية الله، وهذا من معصية الله. وأما قوله رحمه الله عن تحريم صيام أيام التشريق، فقد جاء في ذلك النهي عن النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث كثيرة. منها ما جاء في البخاري من حديث ابن عمر وعائشة رضي الله عنهما: أنه صلى الله عليه وسلم بعث في أيام التشريق أن لا يصمن إلا لمن لم يجد الهدي. إلا لمن لم يجد الهدي. نعم. أيها طيب، يسأل أخونا أبو عبد الرحمن: إذا كان إنسان يريد أن يدخل صيامًا بصيام آخر، متى يصلح أن تتداخل النيات في العمل الواحد ومتى لا يصلح؟ الجواب عن ذلك مر معنا في القواعد الفقهية، التنبيه على هذا المعنى في قاعدة في تداخل الأعمال. وأن الأعمال إذا كان أحدها مقصودًا لذاته والآخر كذلك مقصودًا لذاته فلا يدخل بعضها في بعض. والصحيح أنه لا فرق، سواء أكان واجبًا أو كان مستحبًا. فمثلًا صلاة الفريضة العصر وصلاة الفريضة الظهر، كل منهما مقصودًا لذاته، لا يدخل بعضها في بعض. ما يمكن أن تصلي أربع ركعات تجعلها ظهرًا وعصرًا، لأن هذا مقصود لذاته وهذا مقصود لذاته. وهكذا كذلك في النافلة، راتبة الفجر وراتبة العشاء، لا يجوز أن تصلي ركعتين وتنوي بهما راتبة الفجر وراتبة العشاء مع بعض، لأن كل منهما مقصود لذاته. كل منهما مقصود لذاته. ومثله كذلك في الغسل، مثله في الغسل. إذا كان غسل واجب أو غسل واجب، كل منهما مقصود لذاته فلا يدخل. وإذا كان ليس مقصودًا لذاته دخل. وعلى هذا كان الصحيح أن غسل الجنابة يجزئ عن غسل يوم الجمعة، لأن غسل يوم الجمعة ليس مقصودًا لذاته. ولو كان واجبًا، ولو كان واجبًا. ومثله كذلك في الصيام، مثله كذلك في الصيام. لو أن إنسان عنده صيام نذر وعنده صيام قضاء من رمضان، فهل يجوز أن يدخل أحدهما بالآخر؟ الجواب: لا، لأن صيام النذر مقصود لذاته، وصيام القضاء مقصود لذاته، لا يدخل أحدهما بالآخر. بينما لو كان صيام اثنين أو خميس، ووافق كذلك بالنسبة له قضاء رمضان، هل يجوز أن يقضي رمضان ومعه كذلك في هذا اليوم يدرك يوم الخميس وهو صائم؟ الجواب: نعم، لأن المقصود أن تكون صائمًا يوم الاثنين والخميس، وقد حصل. النبي عليه الصلاة والسلام يحب أن يرفع عمله وهو صائم، وقد حصل هذا الأمر. وهكذا كذلك إذا وافق الاثنين والخميس الثلاث البيض، فجمع بين النيتين في عمل واحد، صلح ذلك. فدخل العملان في العمل الواحد. فالشاهد: إذا كان أحد العملين مقصودًا لذاته والآخر غير مقصود لذاته، دخل أحدهما في الآخر. وأما إذا كان أحدهما مقصودًا لذاته والآخر كذلك مقصودًا لذاته، فلا يدخل أحدهما في الآخر. وهكذا من الأحاديث في تحريم صيام أيام التشريق ما جاء في صحيح مسلم من حديث كعب بن مالك: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «أيام التشريق أيام أكل وشرب». ونحن حديث نبيشة الهدلي، فإنه أخبر أن أيام التشريق أيام أكل وشرب. فإذا كان كذلك، فإنه لا يصام فيها. أيام التشريق ما هي؟ أيام التشريق: ثلاثة أيام بعد يوم النحر، ويوم النحر منها، ليس منها. ليس منها، لكن يوم النحر جاء فيه نهي خاص. حديث عمر الذي تقدم: أبي هريرة وأبي سعيد. فأيام التشريق كذلك هي أيام أكل وشرب. وفي هذا لفتة كما سمعنا، وسبق وتقدم: أنه ينبغي في أيام الأعياد خصوصًا مع اجتماع الناس، أن يقدم الأولى فالأولى فالأولى. الفطر فيها أولى. ولذلك لو سأل سائل: أيهما أحب إلى الله سبحانه وتعالى وأيهما أفضل؟ أسرع بصيام الست من شوال في ثاني يوم من أيام العيد، أو أجله؟ خصوصًا وأنه يأتيني زوار ويحصل عندي غداء ونحو ذلك. مثل الأب الكبير يأتي إليه أبناؤه يزورونه ويتغدون عنده، فهل الأفضل أن يفطر معهم أو يعجل بالصيام؟ الجواب: الأفضل أن يفطر معهم، لأنها أيام أكل وشرب، أيام الأعياد، أيام أكل وشرب، هذا هو الأفضل. والله تعالى أعلم. وأما تحريم استقبال رمضان بيوم أو يومين، فلما أشار إليه بالشرح في حديث أبي هريرة: «لا يتقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين، إلا أن يكون رجل كان يصوم صومًا فليصمه». وقد سبق التنبيه عليه في أوائل الكلام على أحكام الصيام. والشاهد: أنه لا ينبغي التحري بصيام يوم أو يومين أو أكثر. ونقول: أو أكثر، لأنه ورد حديث وإن كان هو ضعيف، لكن معناه صحيح على هذا التفسير. فجاء في حديث أبي هريرة في السنن: «إذا انتصف شعبان فلا تصوموا». والحديث روي مرفوعًا وفيه ضعف. فقد بين الحفاظ أنه تفرد به العلاء بن عبد الرحمن. والعلاء بن عبد الرحمن وإن كان ثقة، إلا أنه أنكر من حديثه أشياء. ولهذا لم يخرج الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه للعلاء بن عبد الرحمن، وإنما أخرج له مسلم فقط. فقد بين الحفاظ أن هذا الحديث أخطأ فيه العلاء بن عبد الرحمن. وهذا مما أنكر عليه. فقد روى أبو داود عن الإمام أحمد أنه قال في هذا الحديث: «ليس بمحفوظ»، وأنه منكر. وذكر عن الإمام أحمد أنه قال: «العلاء بن عبد الرحمن ثقة، إلا أنه قال: ولا ينكر من حديثه إلا هذا الحديث». وروي عن ابن المهدي أنه كان يتجنب ويتوق هذا الحديث، وكان لا يصححه. وعن النسائي رحمه الله أنه قال في هذا الحديث: أنه حديث تفرد به العلاء بن عبد الرحمن. ونحوه كلام الإمام الترمذي. فهذا الحديث بهذا اللفظ: «إذا انتصف شعبان فلا تصوموا»، معلول. رواه أحمد وأهل السنن الأربعة والدارمي، وهو ضعيف. وإن كان ظاهر الإسناد الصحة، ظاهر الإسناد: العلاء بن عبد الرحمن روى له الإمام مسلم، والإسناد متصل ليس فيه علة. لكن تفرد بهذا الحديث العلاء بن عبد الرحمن، وأنكر العلماء تفرد العلاء في هذا الحديث، فهو حديث معلول. وقد صححه الشيخ العلامة الألباني رحمه الله في «صحيح الجامع» و«صحيح الترغيب». لكن الصواب أنه حديث معلول كما سمعنا. ومع ذلك فمعناه على هذا الوصف صحيح. إذا صار الإنسان يتحرى صيام النصف الأخير من شعبان، أو يتقدم رمضان بصيام يوم أو يومين أو ثلاثة أو أكثر، على هذا الوجه: وهو التحري بهذه الأيام بعينها، يصومها ظنًا منه أنها مستحبة أو فيها زيادة فضل، فهذا منهي عنه. لأنه لا يجوز للإنسان أن يخص زمانًا أو مكانًا بعبادة، إلا بدليل شرعي. لا يجوز للإنسان أن يخص زمانًا أو مكانًا بعبادة إلا بدليل شرعي، لأن الاستحباب حكم شرعي لا يثبت إلا بدليل. أنت لو قلت: الصلاة خلف هذه السارية مستحبة، إيش الناس يوافقونك أو لا يوافقونك؟ ما يوافقونك. يقولوا: إيش الدليل أن الصلاة خلف هذه السارية مستحبة؟ لكن لو صليت بين الحين والآخر لا لأن الصلاة خلفها مستحبة، جائز. الصلاة غير جائز جائز، لكن إذا فعلته على وجه الاستحباب، فإذن هو غير جائز. وإذا فعلته ليس على وجه الاستحباب لعادة اعتادها لسبب أنك تبحث عن سالة تجد هذه فاضية أو فارغة أو نحو ذلك، جاز لك. كذلك لو قلت: من صلى الساعة الحادية عشر من الليل فله فضل كذا وكذا، قل: إيش الدليل على هذا؟ ما هو الدليل على هذا؟ هذا يحتاج إلى دليل. فلا يجوز إنسان أن يخص زمانًا معينًا بعبادة يتعبد الله جل وعلا بها إلا بدليل شرعي. والمعنى الثاني للنهي: أنه لا يتقدم رمضان بصيام أيام فرارًا أو احتياطًا في عدم فوات شيء من رمضان. وهو المعنى المروي في النهي عن صيام يوم الشك. لأن بعض الناس قد يحتاط بصيام يوم أو يومين خوفًا من أن يفوته صيام شيء من رمضان. وهذا الاحتياط غير مقبول في الشرع. نهى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن صيام يوم الشك، وعن تقدم رمضان بصيام يوم أو يومين لأجل هذا المعنى، على أحد التفسيرين للحديث. أما إذا كان أحد يصوم صومًا اعتاده فلا بأس. إنسان يصوم يوم الاثنين والخميس، وافق يوم الاثنين يوم الشك، هل يصوم أو لا يصوم؟ الجواب: يجوز له أن يصوم، ما دام هو معتادًا لا بأس. أما إن صامه لأجل يوم الشك، أجل يحتاط فلا يجوز له ذلك. طيب، وبهذا نكون قد انتهينا من كتاب الصيام، وإن شاء الله ندخل في كتاب الاعتكاف في درس قادم. طيب، هذا سائل يقول: هل يجوز أن تصلي الأربع النوافل التي قبل الظهر وبعده وقبل العصر، أن تصلي هذه الأربع متتالية من غير تشهد؟ نعم، يجوز أن تصلى متتالية من غير تشهد. وقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه فعل ذلك في صلاة الوتر. أنه فعل ذلك في صلاة الوتر، هذا هو القول الصحيح من أقوال العلماء في هذا. وإن كان قد ذكر الشيخ الألباني رحمه الله في «الصحيحة» كيفية في الجلوس في الوسط في تشهد أوسط، ثم التسليم مثل الفريضة. لكن هذا الحديث يحتاج إلى زيادة بحث فيه، لأنه مخالف لما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام من النهي عن تشبيه النافلة بالفريضة. ولما صح عنه في أحاديث كثيرة: أنه صلى صلاة الليل أربعًا، أربعًا، لكن لم يجلس في التشهد، وصلى ثلاثًا، ولم يجلس في التشهد الأول. وهذا يؤكد أن مخالفة النافلة للفريضة يكون بعدم الجلوس في التشهد الأول. فذاك الحديث المروي يحتاج إلى زيادة بحث فيه، فقد يكون معللًا أو موقوفًا أو نحو ذلك. ما أدري، أحد بحث في الحديث؟ أبو همام موجود، إذا أحد بحث في الحديث فليدنا فيه إن شاء الله. أنا ما تيسر لي أن أبحث في الحديث، ولا وقفت عليه. إنما أخبرني بعض الإخوان بهذا الحديث، وما تيسر لي الوقوف عليه والبحث فيه. يقول: ما هي الكتب التي تنصح طالب العلم الشرعي اغتناءها؟ ينبغي لطالب العلم أن يعتني بالكتب من وجهين. الوجه الأول: كتب يحتاجها في حال طلبه للعلم، فكل كتاب تدرسه فأنت تحتاج أن تغتنيه، لأنك باغتناء الكتاب تتقن الكتاب الذي تدرسه، وبدون اغتناء الكتاب أنت لا تتقن هذا الكتاب وهذا العلم. فلأجل أن تتقن العلم فعليك بالكتاب. وكان أهل العلم يحرصون على شراء الكتب ولو باعوا بعض حوائجهم. يقول الإمام شعبة رحمه الله: «من طلب الحديث أفلس». وروي عنه أنه كان يبيع بعض أدوات المطبخ إذا احتاج أن يشتري شيئًا من كتب العلم. ما يجد شيء ينظر: إيش من قدر ممكن يستغني عنه عنده في البيت؟ قدرين يبيع واحد، يترك واحد عنده. كم ملاعق يترك واحدة ويبيع اثنتين، وهكذا. فأنت تحتاج إلى الكتاب الذي تدرس فيه. والذي ينصح به طالب العلم أن يبدأ بالكتب الصغار فالصغار. العالم الرباني كما ذكر عن ابن عباس: الذي يعلم الناس صغار العلم قبل كباره. والتدرج في العلم سبب للوصول والارتقاء. ومن لا يتدرج في العلم لا يبلغ. الإنسان إذا عنده درج يبدأ بالدرجة الأولى ويقفز إلى السادسة، لا بد بالدرجة الأولى، ثم التي تليها، ثم التي تليها. اقرأ «الوصول» و«الثلاثة الأصول» و«القواعد الأربعة» و«كتاب التوحيد» و«كشف الشبهات» في العقيدة. وفي النحو تبدأ في «الآجرومية» أو ما هو أخصر من ذلك، و«الملحة». وفي قواعد الإملاء، وهكذا في رسم القلم تبدأ في «أساس العلوم». كل علم بأوله، وهكذا ترتقي شيئًا فشيئًا حتى يسر الله لك أبواب العلوم جميعًا إن شاء الله. والنحو الآخر من اغتناء الكتب: أن تغتني الكتب التي لا يستغني عنها مسلم، وطالب العلم على وجه الخصوص. مثل تفسير مختصر، أنت مسلم تعبدك الله بهذا القرآن، إذن لا بد أن يكون عندك تفسير للقرآن. ليس تقرأ القرآن وما تعرف معنى. اغتني شيئًا من التفسير، ولو تفسير مختصر. مثل تفسير الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله، مجلد واحد تجد فيه تفسير القرآن. ومن عالم سلفي سليم في العقيدة، وهو كذلك حريص على السلامة كذلك في الأمور الأخرى. فمثل هذا التفسير تفسير طيب ونافع، ينبغي أن يغتنيه المسلم، فضلًا عن طالب العلم. وهكذا كذلك أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام، تغتني «الأربعين النووية»، تغتني «عمدة الأحكام»، «بلوغ المرام»، وشروحها، ونحو ذلك. كلما ارتقيت في العلم تحتاج أن تتوسع قليلًا فقليلًا. يقول: لمن يريد أن يسافر، متى يجوز عليه أن يفطر من صومه الذي يريد أن يفطر وهو مسافر؟ الصحيح أنه إذا خرج من بلده فإنه يفطر، كما ثبت عن أنس رضي الله تعالى عنه، وجماعة من الصحابة، ورفعوا ذلك إلى النبي عليه الصلاة والسلام. يقول: لماذا لم تسأل عن الحديث الذي تقرأه من أجل الحب؟ إيش من حديث؟ ذكرني السائل، ما أدري أي حديث. لعله في درس آخر غير هذا الدرس. طيب، هذا سائل يسأل عن صيام الكفارة -الكفارة اليمين- هل تكون متتابعة أو متفرقة؟ الجواب: الأصل أن ما ذكر من صيام من كفارة أو غيرها هو عدم التتابع. فإن أريد التتابع فإنه يذكر، كما قال الله عز وجل: ﴿صِيَامَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ فدل على أن شرط التتابع إذا أريد فإنه يذكر. فإذا لم يذكر فالأصل هو عدم التتابع. ولم يذكر هذا التتابع في صيام كفارة اليمين. وأما ما جاء في قراءة عبد الله بن مسعود: متتابعات، فهي قراءة تفسيرية، ولم تصح كذلك عن عبد الله بن مسعود. الصحيح أنها لم تصح عن عبد الله بن مسعود، فيكون ذلك مما لا يثبت. وهذا يسأل عن الشيخ محمد بن عبد الرحمن العريفي، هل هو سني؟ الجواب: هو ليس بسني بالمعنى الذي تسأل عنه. يعني لأن بعض الناس عنده السني هو من ليس بقبوري أو ليس بشيعي، وهذا معنى عبر به بعض أهل السنة. فلذلك قد تجد أحد المشايخ الكبار يسأل: الشيخ العريفي سني؟ فيقول: نعم سني. فهو يريد سني بمعنى: ليس برافضي، في مقابل الرافضة الذين في دول الخليج أو نحوها. أو ليس بقبوري، لكن ليس معنى سني: سليم من الحزبيات أو سليم كذلك من بعض الأمور الأخرى، لا. ولهذا رد عليه الشيخ الفوزان حفظه الله تعالى في مبحث السلفية وما يتعلق بها في جريدة «الشرق الأوسط». وله أشرطة وأشياء تدل على أنه ليس على طريقة أهل السنة والجماعة في المنهاج. وإن كان بالجملة في العقيدة هو على طريقة أهل السنة والجماعة. يقول: عند طلب مواقيت الصلاة عبر الإنترنت، يطلب اختيار طريقة حساب مواقيت الصلاة. مثلا طريقة من القرى، كيف نختار هذه الطريقة؟ اختار طريقة رابطة العالم الإسلامي، فهي الموافقة لواقع بلادنا. لأن هذه الطرق هي عبارة عن أسماء لزاوية تسمى زاوية الشمس، زاوية ميل الشمس. هذه الزاوية تستخدم في طريقة حسابية يعرف بها مواقيت الصلاة في كل موقع، ولكل بلد زاوية شمس تناسبها وتوافقها. فنحن توافقنا زاوية ثمانية عشر، وهي التي اعتمدتها رابطة العالم الإسلامي في طريقة حسابها لمواقيت الصلاة. بينما ربما الطرق الأخرى اعتمدت زوايا أخرى، إما تسعة عشر أو تسعة عشر ونصف أو غير ذلك. يقول: ما حال أبو إسحاق الحويني؟ وأخبرنا بأنه له قناة الحكمة. أبو إسحاق الحويني من طلبة الشيخ العلامة الألباني رحمه الله. وكانت له بحوث وأشياء جيدة، وطريقته طريقة أهل الحديث. إلا أنه في آخر أمره مال إلى جمعية إحياء التراث، وإلى أصحاب التراث. وصار يتعاضد مع بعض التراثيين من أمثال محمد إسماعيل المقدم في الإسكندرية، ومن هم على شاكلته. فلذلك صار في الفترة الأخيرة ليس على الطريقة السوية التي كان عليها. طيب، يقول: نحن بحاجة إلى المحاضرات والكلمات، بيت خاصة لإخواننا الجدد، فقلوبنا معهم، ولا نستطيع ذلك. أي: لا نستطيع مساعدتهم. لأنكم تعلمون أن القوة التعليمية ارتطبت بسلطان الوعظ، وتأثيره. طيب، هذا يشير إلى مسألة التنبيه إلى بعض الإخوة الجدد بما يعينهم على ثباتهم على السنة والاستقامة وطريق العلم. ولأجل هذا كانت تلك الدروس العامة في آداب الطلب، وفي كذلك الآداب عمومًا، والنصائح التي تتوخى الدروس العامة. كما قد سعى الكثير من المدرسين جزاهم الله خيرًا إلى التنبيه لهذا المعنى، ولو في الدروس الأخرى. صاحب درس النحو ينبه على ذلك. وهذه في الحقيقة مسؤولية الجميع. وجزى الله خيرًا هذا الكاتب على هذا التنبيه. وأسأل الله جل وعلا أن يعيننا وإياه وجميع الإخوان على طاعته والاستمرار عليها والموت عليها. فالأمر في الحقيقة يحتاج منا جميعًا التعاون في هذا الباب. وذلك بأن كل واحد يؤدي ما يستطيع. المسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضًا. هذا بنصيحته، وهذا بتوجيهه، وهذا بأسوته الحسنة، وهذا بتنبيهه. وأنتم تعرفون أن الطلاب فيما بينهم البين يكون من النصائح ما يكون أنفع من نصائح المدرس. لأن الطالب يعرف خلق صاحبه عن قرب. فإن وجد فيه شيء يستطيع أن ينصح مباشرة أو يستعين بأحد المدرسين فينصح وينبه. كل شيء في وقته. فمن عرفه أنه متكاسل عن الصلاة ينبهه في ذلك، أو متكاسل عن طلب العلم، أو فاتر في حفظ القرآن، أو مقصر كذلك في المواظبة على النوافل، أو كذا وكذا. كل شيء في بابه أو مبتلى ببعض المعاصي، فإن كل شيء في بابه ينصح في وقته، ويستعين بمن هو أعلم منه. ويكون بذلك إن شاء الله التزديد والمقاربة. والمطلوب من الجميع التعاون على هذا المعنى. ونحن كالأسرة الواحدة، أهل الإيمان والإسلام، وأهل السنة على وجه الخصوص كالأسرة الواحدة. وأهل المسجد الواحد والمركز الواحد كذلك. فلذلك ينبغي أن يفتح قلبنا بعضنا لبعض. قلوبنا بعضها، وينصح بعضنا بعضًا بما يكون فيه التزديد والمقاربة، بالكلمة الطيبة اللطيفة، وبالرفق واللين والخلق الحسن. إن شاء الله يكون الخير الكثير. ومع ذلك ينبغي أن نحزم ونجزم مع المتلاعبين. لأنه يوجد أناس من المفسدين، فتركهم يفسد الآخرين. فإذا وجد من أمثال هؤلاء الذين تكرر لهم النصيحة، فيكونون غير مبالين ومكترثين ومعرضين ومستهترين. فأمثال هؤلاء ينبغي أن يحزم معهم. سلامة للبقية. وتعرفون العضو الذي يكون فيه الداء، إذا لم يكن علاجه إلا بالقطع، قطع سلامة لباقي الأعضاء. وأنت ما تحب أن تكون عندك تسعة أصابع، تحب أن تكون معك عشرة أصابع. لكن إذا علمت أن نقصان هذه الأصبع بها المحافظة على سائر الجسد، ترضى تتخلى عن الأصبع أو ما ترضى؟ ترضى تقول: أصبع ولا جسد كامل. مع أنك ما ترضى أن تكون بتسعة أصابع. ونحن ما نرضى أن ينقص واحد من طلابنا، ولا نحب هذا. لكن إذا كان سلامة البقية في إبعاده، فإنه يبعد. ونحن متأسفون ومتألمون، وفي غاية من الحزن. لماذا؟ لأنه كالجسد. المؤمن المؤمن كالبنيان. نسأل الله جل وعلا وفقنا وياكم يا رب ويرضى. والحمد لله رب العالمين، وجزاكم الله خيرًا، شكرًا.