كتاب الطلاق 3

كتاب الطلاق 3

الدرس في كتاب الطلاق 3، فصل بما يقع به الطلاق ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

كنايات الطلاق وشرط وقوعها

يشرح هذا الفصل كنايات الطلاق واشتراط النية لوقوع الطلاق، مستنداً إلى الأدلة الشرعية. يبين أن كنايات الطلاق تحتاج إلى نية أو قرينة قوية لوقوع الطلاق.

أحكام التخيير في الطلاق

يتطرق هذا الفصل إلى شرح كنايات الطلاق مثل "أنت خلية" و"اعتدي"، ويوضح حكم التخيير في الطلاق واستدلالاته من القرآن والسنة. يبين أن المرأة إذا خيرت تملك الطلاق إذا اختارت الفرقة.

التوكيل في الطلاق وتقدير النفقة

يناقش هذا الفصل حكم التوكيل في الطلاق وجوازه قياساً على التوكيل في النكاح، كما يجيب على سؤال حول نفقة المرأة المطلقة التي لها رضيع، مشيراً إلى أن لها نفقة للصبي تقدر بالعرف.

دور القضاء في حل الخلافات

يشرح هذا الفصل أهمية اللجوء إلى القضاء عند وجود خلافات لا يمكن حلها بالاتفاق، حيث يعد القضاء الجهة المختصة بتسوية النزاعات عندما يتعذر التوصل إلى اتفاق.

  • 22 جمادى الآخرة 1429هـ - 26/06/2008مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى: «قال ويقع بالكناية مع النية وبالتخيير إذا اختارت الفرقة». هذا فصل فيما يقع به الطلاق، وذكر مجموعة من المسائل. من هذه المسائل قال رحمه الله: «ويقع بالكناية مع النية». ومعنى الكناية كما فسره بالشرح بقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عائشة عند البخاري وغيره، أنه قال في ابنة الجون لما دخلت عليه: «تعوذ بالله منك»، قال لها: «لقد عدت بعظيم، الحقي بأهلك». فقوله: «الحقي بأهلك» كناية، ليس به لفظ الطلاق، ولكنه يعد طلاقا بنية الطلاق وقرينته. ولهذا فإن كنايات في الطلاق تعد طلاقا بالنية بالنسبة للمطلق، وبالقرينة والعرف بالنسبة للسامع كالمرأة ونحوها. وذكر كذلك حديث كعب بن مالك في الصحيحين، لما قيل له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقال: أطلقها؟ ماذا أفعل؟ قال: «بل اعتزلها، فلا تقربنها». فقال لامرأته: «الحقي بأهلك». ومع ذلك لم يعد طلاقا، فدل على أن هذه الكلمة ليست من صريح لفظ الطلاق، ولكنها من كناياته. وأن هذه الكلمة وما كان بمعناها مما هو من كنايات الطلاق لا يعد طلاقا إلا مع نية الطلاق. وإن تنازع في النية، فالقرينة والعرف يقضيان بكون هذا اللفظ طلاقا أو ليس بطلاق. مثلا قال الرجل لامرأته: «الحقي بأهلك»، والقرينة تدل على الطلاق، والعرف لا يستعمل ذلك إلا في الطلاق، فعند ذلك لو ادعى أنه ما نوى الطلاق، وجزمت المرأة بالطلاق، فهل القول قولها أو القول قوله؟ في هذا خلاف بين أهل العلم. والصحيح أنه إذا قويت القرينة واستقر العرف، فالقول قول من وافقت فيه القرينة واستقر العرف، لأن هذا أقوى من النية؛ لأنه في القلب، خصوصا مع ضعف ديانة الكثير من الناس في آخر الزمان. وقد نص غير واحد من أهل العلم أن كنايات الطلاق لا بد لها من نية. وممن استدل بذلك ودلل عليه -أي بحديث كعب بن مالك- شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وقبله جماهير كثرة من أهل العلم. وهكذا استأنسوا بآثار من هذه الآثار، ما روي عن عمر رضي الله عنه في رجل قال لامرأته: «حبلك على غاربك». فسأله: ماذا أردت بهذا اللفظ؟ قال العلماء: وفي سؤال عمر دليل على أن هذا اللفظ وما كان بمعناه من كنايات الطلاق ليس بطلاق حتى يكون فيه نية الطلاق، أو يدل العرف والقرينة القوية على أنه طلاق. فإذن الخلاصة: الطلاق بالكناية يكون طلاقا بأحد هذين الأمرين، إما بالنية، فإن وقع فإنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى. ولو لم يشعر امرأته، ما دام أنه نوى الطلاق فيكون طلاقا. وإما أن تكون هناك قرينة وعرف مستقر يدل على أن هذا اللفظ استعمل في الطلاق. ومن كنايات الطلاق قول القائل: «أنت خلية»، أي أنت خالية. «وأنت خلية» قد يراد به الطلاق، وقد يراد به غير الطلاق. وهكذا كذلك أن يبت، هكذا كما مر معنا قريبا في قصة المرأة التي قالت: «فبت طلاقي». وهكذا كذلك أن يقول: «اعتدي»، فإن هذا اللفظ من كنايات الطلاق. وهكذا لو قال: «استبرئي»، أو قال: «لست لي بامرأة»، فهذه كلها فيها معنى الطلاق، وليس بصريح، ولكنه يسمى عند العلماء كنايات الطلاق. وقوله رحمه الله: «وبالتخيير إذا اختارت الفرقة»، يعني إذا خيرها فاختارت الفرقة، صح طلاقا. واستدل رحمه الله على ذلك بقول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ إلى أن قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ﴾ فدل على أن المرأة إذا اختارت الطلاق فإنها تطلق باختيارها. وهذه مسألة، وهي: هل تملك المرأة طلاق نفسها؟ الجواب: نعم، إذا ملكها زوجها، كان يقول مثلا: «عبدك في يدك، إن شئت طلقتي وإن شئت لم تطلقي»، فإن قالت: «أنها طالق» منه، فإنه ينفذ؛ لأنه نوع من التوكيل؛ لأنه نوع من التوكيل، والتوكيل في هذا الباب يصح كما سيأتي ذكره من كلامه رحمه الله تعالى. فإذا كان كذلك، واستدل رحمه الله كذلك بشرحه بأحاديث منها ما جاء في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا نساءه لما نزلت هذه الآية، فخيرهن -يعني تريدنا الله ورسوله فالصبر- أو غير ذلك فاخترناه ذلك. وهكذا كذلك ما جاء في حديث عائشة في الصحيحين، قالت: «خيرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخترناه، فلم يعدها شيئا». يعني هذا الذي وقع. والشاهد أن المرأة إذا خيرت فالطلاق في يدها، إن شاءت طلقت بالفراق، وإن شاءت لم تطلق. ومعنى أن الطلاق في يد الرجل، فإذا وهبه للمرأة فإنه يكون بيدها. وهكذا كذلك ترد مسألة: إذا ملك الرجل المرأة الطلاق، هل تملك أن تطلق نفسها ثلاثا؟ هذه المسألة يذكرها الفقهاء في كتب الفقه وتفاصيل مسائل الفقه. ذهب بعض أهل العلم أنها تملك، وذهب بعضهم أنها لا تملك، وفصل بعضهم. والصحيح أنها لا تملك تطليق نفسها ثلاثا؛ لأمرين: الأمر الأول: أنه كما سبق وتقدم، لا يقع طلاق الثلاث في العدة الواحدة إلا واحدا، لا يقع إلا واحدا. ولو قال الرجل لامرأته: «أنت طالق طالق طالق»، طالق أكثر من ألف مرة، ما يكون إلا طلقة واحدة على الصحيح، ما دام في العدة الواحدة. ومع ذلك لا ينبغي عليها أن يتلاعب بالطلاق، ولا أن يتساهل في ألفاظه. ولهذا أنكر عمر رضي الله تعالى عنه -كما مر معنا في حديث ابن عباس وأصله في صحيح مسلم- حين تتابع عليه الناس، أنكر عليهم طلاق الثلاث. والأمر الثاني الذي به يعلم أنها لا تملك ذلك أن تطلق نفسها ثلاثا إذا خيرها في الطلاق أو جعل الطلاق إليها، لا تملك إلا واحدا. أولا قلنا لما سبق، وثانيا لأن الأصل في الإذن هو بالمرة الواحدة، فهي لا تملك الزيادة عما أذن إلا بإذنه، إلا بإذنه. فلو قدر أن طلاق الثلاث في المجلس الواحد وفي العدة الواحدة يصح، لقيل: لا بد من اشتراط إذنه؛ لأنه هو المالك لهذا الطلاق، وهذا أمر لا بد منه. وما روي من آثار وذكره بعض الفقهاء في هذا الباب، لو صحت فإنها لا تعارض الأدلة الصحيحة الصريحة في هذا الباب العامة والخاصة. فكيف وبعضها لم يصح؟ ثم ذكر رحمه الله تعالى مسألة التوكيل في الطلاق، قال: «وإذا جعله الزوج إلى غيره وقع منه». وهذا يقال فيه بمثل ما قيل في التخيير. فإذا ملكت المرأة الطلاق بالنص، نص القرآن والسنة كما مر معنا في حديث عائشة، فمن هو غير المرأة من باب أولى؛ لأن المرأة قد تطلق نفسها لغضب أو لغير ذلك. ومع ذلك جعل الشرع رضى الزوج بأن يجعل الطلاق في يدها، سبب يمضي هذا الطلاق. فإذا كان هذا في حق المرأة، فمن دونها ممن يوكله الزوج من باب أولى. وهذا من القياس الأولى والصحيح. كيف وهناك نصوص كثيرة تدل بعموماتها على جواز التوكيل في سائر الأعمال، ومن ذلك التوكيل في الطلاق. وكما أجمع العلماء على جواز التوكيل في النكاح، جاز كذلك التوكيل في الطلاق. وهذا له معنى دلت عليه الأدلة الكثيرة من الكتاب ومن السنة. وأشار رحمه الله تعالى في الشرح إلى ما أثر عن أبي هريرة، وابن عباس، وعمر بن العاص، عن رجل جعل أمر امرأته بيد أبيه، فأجاز طلاقه. وأشار إلى أن الأثر أخرجه أبو بكر البرقاني في كتابه «المخرج على الصحيحين»، فهو على أصل الصحة. ولو لم ترد هذه الآثار، لكان فيما ذكر من عمومات وقياس صحيح وأولى فيما تقدم من المسألة التي قبله كفاية في هذا الباب. والله تعالى أعلم. طيب الوقت ضيق، وإن شاء الله نترك الأسئلة التي لا تتعلق بالدرس إلى وقت آخر. يقول: امرأة مطلق ولها رضيع، هل على زوجها نفقتها؟ وكم تقدر؟ وإذا أراد زوجها استرجاعها فأبت، هل لها نفقة إذا كانت في العدة؟ أجاب: إذا كانت في العدة وأبت، فليس لها نفقة، لكن عليه نفقة الصبي؛ لأنه ولده على كل حال. وهذه النفقة تقدر بالعرف، يختلف من مكان إلى مكان، ومن زمان إلى آخر. وفي مثل هذه يرجع فيها إلى القضاء، فالقضاء يحدد مثل هذا إذا لم يتفقوا على شيء.