الدرس في كتاب الطلاق 7، باب الظهار ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
الظهار هو تشبيه الزوجة بأحد المحارم، ويوجب الكفارة قبل المسيس. الظهار له شروط وينقسم إلى قسمين مطلق ومؤقت.
الظهار ينقسم إلى قسمين: مطلق ومؤقت، والكفارة تكون على الترتيب: عتق رقبة، إطعام ستين مسكينا، أو صيام شهرين متتابعين. يجوز إعانة الإمام للشخص غير القادر على الكفارة.
الكفارة تجب عند وطء المرأة بعد الظهار، والترتيب في الكفارة يتبع ما جاء في القرآن والسنة. كما يُبين حكم الظهار في حالات الكفر والإسلام.
اختطاف الأحرار وبيعهم كرقيق غير جائز شرعاً ويُعتبر من الأفعال المجرمة التي نهى عنها الدين.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال رحمه الله تعالى: «باب الظهار هو قول الزوج، هو قول الزوج لمرأته: أنت علي كظهر أمي، أو ظاهرتك، أو نحو ذلك، فيجب عليه قبل أن يمسها أن يكفر، عتق رقبة، فإن لم يجد فليطعم ستين مسكينا، فإن لم يجد فليصم شهرين متتابعين. ويجوز للإمام أن يعينه من صدقات المسلمين إذا كان فقيرا لا يقدر على الصوم، وله أن يصرف منها لنفسه وعياله. وإذا كان الظهار مؤقتا فلا يرفعه إلا انقضاء الوقت، وإذا وطئ قبل انقضاء الوقت أو قبل التكفير كفى حتى يكفر في المطلق وينقضي وقت المؤقت». قوله رحمه الله: «باب الظهار»، أي هذا مدخل لمعرفة أحكام الظهار. وعرف الظهار بأنه «قول الزوج لمرأته: أنت علي كظهر أمي، أو ظاهرتك، ونحو ذلك»، يعني مما فيه التحريم بأحد المحارم: «أنت علي كظهر أمي، أو أختي، أو كذا وكذا من محارمه التي لا يجوز له أن ينكحهن». وقوله: «هو قول الزوج»، فلا يكون إلا من الزوج، فإذا كان من المرأة فليس بظهار. ليس بظهار، فإن أرادت التحريم، فهل عليها شيء؟ ذهب بعض العلماء إلى أنه ليس عليها شيء، وذهب بعضهم إلى أنه عليها كفارة يمين؛ لأنه نوع من التحريم. ثم ذكر بعده آية الكفارة، وبقول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾، فسمى التحريم يمينا. وقد مر معنا أنه فسر التحريم بالطعام الذي حرمه على نفسه، أو بالأمة التي حرمها على نفسه. وعلى كل التفسيرين، فمن حرم على نفسه شيئا أحله الله، فعليه كفارة يمين. وهذا هو الذي تدل عليه الأدلة وتقتضيه العمومات. وبه نعرف أن للظهار شروطا: الشرط الأول أن يكون من الزوج لا من غيره. فلو وقع من الزوجة لم يصح ظهار، على ما سبق الكلام عليه قبل قليل. أو وقع من وكيل الزوج بغير إذن الزوج، لم يقع ظهارا. وهكذا كذلك أن يكون ممن يصح طلاقه؛ لأن قوله: «الزوج» أي الذي يأذن الشرع بتصرفه. فخرج الزوج الذي لا يأذن الشرع بتصرفه، كالزوج الصغير، أو كذلك من كان عنده مانع من موانع صحة التصرف. وهكذا كذلك الثالث: أن يحصل منه التحريم، أن يقول: «أنت علي كظهر أمي»، بأن يوقع معنى التحريم بهذه الصيغة، وما كان بمعناها من محارمه، فإنه يقع بهذه الشروط الثلاثة الظهار. ثم ذكر رحمه الله تعالى أن هذا الظهار ينقسم إلى قسمين: قسم مطلق، وقسم مؤقت. المطلق أن يقول: «إنها عليه كظهر أمه»، ولا يحده بحد. ففي هذه الحالة لا يجوز له أن يطأها حتى يأتي بالكفارة التي سيأتي ذكرها. فإن كان حده بحد، كان يقول: «هي عليه كظهر أمه ثلاثة أيام، أو شهر، أو عشرة أيام»، فهنا هل عليه الكفارة لأجل تلفظه بهذا اللفظ الذي هو محرم بالإجماع والنص؟ فقد سماه الله عز وجل «منكرا من القول وزورا». أم أن الكفارة تكون إذا جامع وأتى أهله؟ فيه خلاف، والصحيح الثاني. ويدل عليه ما جاء في بعض روايات حديث سلمة بن صخر رضي الله تعالى عنه في تحريمه لامرأته شهر رمضان، فإنه لما وقع ولم يصبر، جاء يسأل النبي عليه الصلاة والسلام، فبين له النبي عليه الصلاة والسلام ما يجب عليه من الكفارة. فلم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم الحكم إلا لأجل وقوعه. ولو كان يجب عليه بدون وقوعه لبينه عليه الصلاة والسلام، وعدم البيان وقت الحاجة ممتنع. وهو ظاهر لفظ القرآن، فإن الله عز وجل أوجب الكفارة قبل أن يمس. مفهومه أنه إذا لم يمسها وكانت هناك مدة وانقضت، فإنه ليس عليه شيء. ليس عليه شيء، لا تلزمه كفارة. وهذا هو ظاهر نص الآية: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾. وهكذا جاء معناه في حديث النبي عليه الصلاة والسلام، وهو قول جمهور أهل العلم. فإذن علمنا الآن أن الظهار ينقسم إلى قسمين: ظهار مطلق، وظهار مؤقت. وعلمنا حكم المطلق وحكم المؤقت. فقال رحمه الله تعالى: «فيجب عليه قبل أن يمسها أن يكفر، عتق رقبة، فإن لم يجد فليطعم ستين مسكينا، فإن لم يجد فليصم شهرين متتابعين». فلا يجوز له أن يمسها حتى يكفر، هذه الكفارة المغلظة على هذا الترتيب؛ لأنه نص القرآن والسنة. يبدأ بأن يكفر عتق رقبة مؤمنة؛ لأنها قيدت في بعض المواضع الأخرى. وهذا قول الجمهور، وهو الأحوط. فإن لم يجد، هل يجزئ غير المؤمنة؟ في هذا خلاف، والصحيح أنه يجزئ. إذا لم يجد، فإنه يجزئ، لا ينتقل إلى ستين مسكينا. يعني إلى الإطعام. وهكذا كذلك الترتيب بعد الإطعام، فإنه لا يجوز أن يصوم وهو يستطيع؛ لأن الله عز وجل رتب ذلك ترتيبا: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾. فعلم بهذا أنه لا بد من هذا الترتيب، فيعتق رقبة يعتق مثلها. لا يجوز أن يعتق رقبة لا يعتق مثلها، بل يعتق رقبة يعتق مثلها، حتى لا يعتق من لا يعتق مثله ممن قد يكون ضعيفا، مريضا، مشارفا للموت، ونحوه؛ لأنه قد يسهل عليه يشتري رقبة هزيلة. وهكذا كذلك يطعم ستين مسكينا، نص القرآن والسنة ستين. وما روي عن بعض أهل العلم من التابعين وغيرهم أنه يجزئ أن يكرر، هو اجتهاد، وهو خلاف نص القرآن والسنة. يجب أن يطعم ستين مسكينا، لا يكرر على واحد، ولا أقل من ستين. ثم قال رحمه الله: «ويجوز للإمام أن يعينه من صدقات المسلمين». والدليل عليه ما جاء في حديثي قصة سلمة بن صخر، وما جاء كذلك في قصة أوس بن الصامت. فإن النبي صلى الله عليه وسلم أعان كل من الرجلين في أمر هذه الكفارة. فيجوز أن يعان غير المستطيع على الكفارة، يعني ليس شرط أن يكون من ماله. ولهذا نظائر كثيرة. وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم أعان المجامع في نهار رمضان في تلك الكفارة المغلظة. وقوله رحمه الله: «إذا كان فقيرا لا يقدر على الصوم» شرط؛ لأنه لا يجوز الانتقال إلى الإطعام وهو يستطيع. قال: «ويجوز للإمام أن يعينه من صدقات المسلمين إذا كان فقيرا لا يقدر على الصوم»؛ لأنه إذا كان فقيرا ويقدر على الصوم انتقل إلى الصيام. فإن كان فقيرا لا يقدر على الصوم أعانه. هل مفهومه أنه إذا كان يستطيع لا يجوز للإمام أن يعينه؟ الصحيح يجوز أن يعينه الإمام. ولهذا أدلة منها حديث أبي هريرة المتقدم في قصة المجامع في نهار رمضان. فيجوز أن يعان من الإمام، ولا يجب عليه الانتقال إلى صيام شهرين متتابعين مثلا. علمت أن رجلا من الناس ابتلي بهذا الحكم وهو يستطيع الصيام، لكن ما عنده رقبة يعتقها، ولا عنده ما يطعم ستين مسكينا. هل يجوز أن تتصدق عليه؟ الجواب الصحيح: يجوز. يجوز أن تتصدق عليه، خصوصا إذا علمت أنه تائب مما وقع فيه، ونادم من ذلك، فتعينه إن شاء الله على التوبة. وقوله رحمه الله: «وله أن يصرف منها لنفسه وعياله»، يعني من هذا الذي أعطاه. ويدل عليه أحد الروايات حديث سلمة بن صخر. قد أشار رحمه الله تعالى إلى بعض ذلك، أو إلى بعض تلك الروايات في الشرح. وأصل الحديث صحيح، أو حسن. وقد صححه شيخ الألباني رحمه الله في مواضع من كتبه. وبعض ألفاظه فيه بعض العلل. أشار الشارح رحمه الله إلى بعض تلك العلل في شرحه. لكن الحديث أصله صحيح. وقوله: «وإذا كان الظهار مؤقتا فلا يرفعه إلا انقضاء الوقت». يريد ما سبق تفصيله والكلام عليه في الظهار المؤقت. ودليله كما علمنا حديث سلمة بن صخر رضي الله تعالى عنه. فإن النبي صلى الله عليه وسلم أجابه بما فيه معنى ذلك التفصيل الذي سبق الكلام عليه. وقوله: «وإذا وطئ قبل انقضاء الوقت أو قبل التكفير كفى حتى يكفر»، يعني لا يجوز له أن يطأ حتى يكفر. وإذا وطأ وكان مؤقتا، وجبت الكفارة؛ لأن المؤقت كما علمنا إذا انقضت المدة المؤقتة ولم يطأ، الصحيح أنه ليس عليه شيء. فإن كان قد وطأ ولو كان مؤقتا، فإنه يجب عليه أن يكفر. هذه الكفارة للآية والحديث، أو الحديثين في هذا الباب. وقوله: «حتى يكفر في المطلق وينقضي وقت المؤقت»، على ما سبق تفصيله في المطلق والمؤقت. بقي الآن هل إذا مسها في غير المؤقت تجب عليه كفارة واحدة أم تضاف له كفارة أخرى لأجل المس؟ الصحيح أنه لا تجب عليه إلا كفارة واحدة فقط. والدليل حديث سلمة بن صخر. فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يلزمه بكفارة لأجل أصل الظهار، وإنما ألزمه لأجل مسه لامرأته مع هذا الظهار. فعلم بهذا أنه لا يجب عليه إلا كفارة واحدة. وهذا هو الصحيح، ولا يجب غير ذلك إلا بدليل؛ لأن الأصل براءة الذمة في هذا الباب. ثم قال: «فإن لم يجد فليطعم ستين مسكينا، فإن لم يجد فليصم شهرين متتابعين»، مع أن الآية فيها تقديم صيام الشهرين المتتابعين على الإطعام. فهذا خطأ، إما خطأ من بعض النساخ، أو خطأ من المؤلف، حصل له سبق قلم. وإلا فالآية ظاهرة في هذا الترتيب: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾. وهكذا كذلك في السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم. ثم سئل عن مسألة لو وقع الظهار والمرأة كافرة، فماذا يفعل؟ وكذلك عكسها: إن كان الرجل كافرا والمرأة مسلمة. كيف هذا؟ كيف يجوز أن يتزوج الكافر المسلمة؟ هذا غير متصور. إذا أسلمت المرأة وزوجها كافر، وجبت أن تفترق منه، ولا يجوز أن تبقى معه. وإن كانت مسلمة وأراد أن يتزوجها كافر، لا يحل أن تتزوج به. وإذا كان الرجل كافر والمرأة كافرة ووقع هذا في الجاهلية، فالكفر ليس بعده دم. ليس بعد الكفر دم. فإن تابوا وأسلموا، تاب الله عز وجل عليهم على الكفر وعلى الظهار وعلى الزنا وعلى الخمر وعلى كل المحرمات التي وقعت إن وقعت. ثم سئل: هل يوجد رقبة في هذا الزمان؟ الجواب: نعم توجد رقبة في هذا الزمان. وكان الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله يرسل في عتق الرقاب إلى بعض بلاد المغرب، في بلاد موريتانيا، فتعتق هناك رقاب. والرق لا ينقطع حتى تقوم الساعة، إلا إذا انتهى الرق حقيقة. فنعم، وإلا فهو موجود في بعض البلاد اليوم، ولكن ربما يسمى بغير اسمه. فإذا وجد وجودا صحيحا من غير اعتداء، فيجوز العتق في ذلك. يعني لا يكون مثل ما يفعل بعض المجرمين، يختطف من يختطف من الأحرار، ثم يبيعهم أرقاء. هذا لا يجوز.