الدرس في كتاب الخمس 1، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يجب الخمس في الغنيمة والركاز ويوزع على مصارف محددة شرعًا. يُقسّم ما يغنمه المسلمون إلى خمسة أخماس بين الله والرسول والمحتاجين والمقاتلين.
يجب الخمس في الركاز وهو دفن الجاهلية ويصرف في مصالح المسلمين. لا يجب الخمس في المعادن والكنوز لعدم وجود دليل شرعي.
تناقش زكاة الديون وقسميها وأحكام كل قسم، وتؤكد على أهمية التصدق بالمال الطيب. يُبين أحكام الصدقة والتطوع بها.
تجب الزكاة عند التمليك الكامل لاكتمال شروط وجوبها. الخلاف بين أهل العلم حول زكاة المال سواء كانت تجب عن عام واحد أو أكثر.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال الشوكاني رحمه الله تعالى: «كتاب الخمس، قال: يجب فيما يغنم في القتال وفي الركاز، ولا يجب فيما عدا ذلك، ومصرفه قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾». ختم المؤلف رحمه الله تعالى هذا الكتاب -كتاب الزكاة- بكتاب الخمس، ومناسبة ختم هذا الكتاب بما يتعلق بأحكام الخمس تشابه مصرف الزكاة بمصرف الخمس. فقال رحمه الله تعالى: «يجب فيما يغنم في القتال وفي الركاز»، يعني يجب الخمس فيما يغنم في القتال. وفرق رحمه الله تعالى وأشار إلى الفرق في الشرح بين الغنيمة والفيء، وحاصله أن الغنيمة ما يغنم في القتال، وأن الفيء ما يؤخذ بغير قتال. ولكن يضاهي إلى ذلك أن الغنيمة هي ما تؤخذ من الكفار بحق في القتال، وأن الفيء ما يؤخذ من الكفار بغير قتال وبحق؛ ليخرج ما إذا قت أخذ من الكفار بغير حق، إما بغلول أو كذلك على غير وجه شرعي، كأن يحصر قتال ثم استسلام أو نحو ذلك. أو كذلك الفيء فهو ما أخذ من الكفار بحق، كالمال الذي يتركه الكفار هروبًا وخوفًا من المسلمين. ودليل الأول قوله جل وعلا في الآية التي ذكرها: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ﴾. وهكذا دليل الثاني قول الله جل وعلا: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾. ففي هاتين الآيتين بيان الفرق بين الفيء وبين الغنيمة، وتضمنت الآية الأولى بيان معنى الخمس في الغنيمة، وهو أن ما يغنمه المسلمون من قتال الكفار يقسم إلى خمسة أخماس: خمس منه هو لله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، ويضعه الإمام على الوجه الذي يرى أنه يصلح. وأربعة أخماس تكون للمقاتلين، يأخذ الراجل سهمًا، وهو أحد هذه الأخماس الأربعة، ويأخذ الراكب ثلاثة أسهم: سهم لنفسه وسهمان لفرسه. هكذا قسمت الغنائم على عهد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهكذا دلت الأجلة الشرعية. والشاهد هو قوله: «يجب فيما يغنم في القتال»، يعني الخمس الذي هو لله وللرسول، يضعه الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم في زمنه وضعه حيث أراه الله، وبعده يضعه ولي الأمر على الوجه الذي يصلح. وهكذا كذلك في الركاز، وأشار في الشرح إلى حديث أبي هريرة في الصحيحين: «وفي الركاز الخمس». ومعنى الركاز هو كنز الجاهلية الذي يدفن -يعني في زمن الجاهلية-، فبه نعرف أن مالكه غير معروف. فإذا وجده المسلم ففيه الخمس، وهذا الخمس يصرف على ما يصرف في أوجه الزكاة -يعني في هذه الأوجه التي هي بعض مصارف الزكاة- اليتامى والمساكين وابن السبيل. وهكذا كذلك لله وللرسول -يعني حيث يرى ولي الأمر وضعه فيما هو في مصالح المسلمين-، كما أن الفيء كذلك يقسم إلى خمسة أخماس كما جاء في الآية: ﴿فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾. فالخمس الأول لله وللرسول، الله عز وجل لا يأخذ شيئًا، ولكن معناه حيث يرى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ويوحي ربنا جل وعلا له يضعه حيث يشاء فيما فيه المصلحة للإسلام والمسلمين. وهكذا كذلك الخمس الآخر لذوي القربى، وهم قرابة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. كما مر معنا أنهم يعطون من بيت المال من مثل هذا المال مما هو من الفيء أو من الغنيمة، وهكذا بمعناه من الركاز. وهكذا كذلك اليتامى، وهم من لا أب لهم من الصغار الذين لم يبلغوا إلى سن البلوغ، والمساكين وابن السبيل، ومعلوم وسبق الكلام على ذلك. وقوله عليه الصلاة والسلام: «وفي الركاز الخمس»، والركاز كما مر معنا هو دفن الجاهلية، فعلم بأن ما سوى ذلك ليس فيه هذا الحكم. وهذا هو قوله: «ولا يجب فيما عدا ذلك»، وذلك لأن أسلوب الحصر في اللغة له أوجه، ومن أسلوب الحصر تعريف الجملة، تعريف طرفي الجملة. فالركاز فيه الخمس، مفهوم هذا أن أولًا ليس به إلى الخمس، وفي أن الحكم هذا خاص به أو بما دل الدليل على أنه مثله، إذن لا يدعى الخمس في شيء إلا أن يدل الدليل على ذلك. وهذا هو الصواب، وهذا هو الصحيح. وعلى هذا فالصحيح أن المعادن ليس فيها خمس، فمن وجد حديدًا أو ذهبًا أو كذلك شيء آخر من المعادن فإنه ليس فيه خمس؛ أولًا لأنه لم يرد فيه حكم، والأصل هو البراءة كما مر معنا فيما سبق. وثانيًا لأن هذا الباب في الحقيقة لا يتوصل إليه إلا بكلفة -يعني استخراج المعادن- وما كان بمعناها لا يستخرج إلا بكلفة. فإذا كان كذلك فإذن ليس هو مثل الركاز الذي هو دفن الجاهلية. فكيف ينضاف إلى ذلك ما سبق من أن الأصل هو البراءة من أن نوجب على أحد شيئًا من الزكاة أو من الصدقة لم يجب في نص الكتاب ولا في نص السنة. وهكذا كذلك بمعناه يقال فيما يكتسب من البحر أو من البر مثل العنبر، ومثل كذلك بعض الجواهر التي تكتسب من الأنهار أو من البحار، أو العود الذي يكتسب من الأشجار، أو المسك الذي يؤخذ من بعض الظباء أو الحيوان أو نحوه مما له ثمن، وربما كان ثمنه غاليًا عند أهله. لكن هذا مما لا يقال بإيجاب شيء من الزكاة والصدقة فيه إلا أن يتطوع صاحبه، فإن تطوع فله ذلك. أما أن نلزم بأن عليه الخمس استدلالًا بهذا الحديث: «وفي الركاز الخمس»، فلا دليل على ذلك، والأصل هو البراءة. ثم قال رحمه الله تعالى: «ومصرفه قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾». الأصل أن الآية هي في الحقيقة في الغنائم، لكن أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا المعنى في حق الغنائم والركاز؛ لأن معنى الركاز وإن لم يرد فيه شيء من هذا المعنى، لكن قوله «الخمس» رجع بذلك إلى ما كان له أصل الخمس في الشرع. فنظر في الغنيمة فأجد الخمس فيه يوضع في هذا الموضع، فألحق هذا به. وهكذا كذلك بمعنى ألفين؛ فإنه كذلك فيه معنى أو قريب من معنى ما في الغنيمة. فلذلك قال المؤلف رحمه الله تعالى ما قال. وأما هنا تنبيه: تسمية الغنيمة غنيمة؛ لأن الله جل وعلا جعل ذلك رزقًا يسوقه للمسلمين يغنمونه، فسمي غنيمة لذلك. وهكذا الفيء سمي فيئًا لأنه يعود للمسلمين؛ لأن الأصل أن المال ينتفع به في عبادة الله وقراعته. فكأنه كان في أيدي الكفار ظلمًا وعدوانًا، ولذلك لما تركه الكفار وفره خوفًا من المسلمين واستحقه المسلمون بغير قتال، فإنه يكون فيئًا -يعني رجع إلى موضعه الصحيح الذي به يستعان به على طاعة الله سبحانه وتعالى-. وأخيرًا يختم هذا الفصل وهذا الكتاب بتنبيهات، من هذه التنبيهات ما سبق الإشارة إليه: أن الواجب من الصدقة والزكاة ليس هو الزكاة المفروضة بالمقادير المقدرة فقط في الأموال التي سبقت، ولكن كذلك هناك نوع آخر مما يجب من الصدقة، وهو ما يكون من مواساة من يجب مواساته في المصائب ونحوها. فالمسلم للمسلم كالبنيان، ومر معنى شيء من معنى ذلك فيما سبق. وهكذا كذلك كما أن هناك من الصدقة والزكاة ما يجب، كذلك هناك ما يستحب. وقد حذت أدلة الكتاب والسنة على التطوع بالصدقة بسائر أنواع الأموال بما يكون فيه انتفاع الناس من ذوي القربى وغيرهم، والأولى فالأولى. ومما ينبه عليه أنه ينبغي لمن تصدق أن يتصدق بالطيب من المال، إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا. وهكذا كذلك مما ينبه عليه كذلك من المسائل مسألة الديون، فإنه يكثر السؤال عن زكاة الديون. والأصل في هذا الباب ونختصر؛ وإلا ففيه مسائل ومباحث كثيرة. لكن ننبه إلى أن الأصل في هذا الباب -وهو زكاة الديون- أنه تنقسم هذه الديون إلى قسمين: منها ما يرجى رجوعه ويغلب على الظن ذلك، ويكون وجود المال وعدم وجوده سواء -يعني أنك متى ما أردت المال أخذته- وإنما المسألة مسألة وقت، وأنت لا تريد ولا تحتاج هذا المال في الوقت الحاضر. فمثل هذا المال تزكي، عدم وجوده بين يديك لا فرق عندك فيما هو كذلك، وهذا هو الحال، وبين أن يكون بيد أخيك الذي اقترضه منك. فمثل هذا المال تزكي ولو كان ليس في يدك. وأما المال الذي هو في يد المعسر أو من كان بمعنى المعسر، فإنه لا يزكى حتى يصل إلى يدك. فإذا وصل: هل يزكى عن جميع الأعوام أو عن عام واحد؟ فيه خلاف بين أهل العلم، والصواب أنه عن عام واحد فقط؛ لأنه في ذاك الوقت دخل في التمليك الكامل والتصرف، وعند ذلك تجب الزكاة فيه عن عام واحد. وفيه شيء من هذه المسائل التي سبقت.