الدرس في كتاب الحج 55، الدرس الخامس والخمسون : من : (15-باب كيف ترمي جمرة العقبة ... لما فيه من الغلو والجغاء ومخالفة الشرع ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتم رمي جمرة العقبة بسبع حصيات مع التكبير، ويستحب للحاج الوقوف كما وقف النبي صلى الله عليه وسلم. يجعل الحاج منى عن يمينه ومكة عن يساره أثناء الرمي.
الرمي يتم بسبع حصيات متفرقات مع التكبير لكل حصاة، ويجوز من أي مكان ولكن له اتجاه مفضل. كما يُوضح أن تسمية الجمرات بالشيطان تسمية غير صحيحة.
الرمي له توقيت محدد ويمكن الجمع بين يومين عند الضرورة. كما يمكن التوكيل في الرمي لمن يعجز عن أدائه بنفسه.
ورد في حديث عاصم بن عدي، الذي صححه الشيخ الألباني، جواز جمع الرمي في يوم واحد لرعاة الإبل.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. قال الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى: باب كيف يرمي جمرة العقبة. قال: الحديث الحادي والأربعون بعد المائتين، عن عبد الرحمن بن يزيد النخعي أنه حج مع ابن مسعود، فرآه يرمي الجمرة الكبرى بسبع حصيات، فجعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه، ثم قال: «هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة» صلى الله عليه وعلى آله وسلم. هذا اللفظ أقرب الألفاظ إليه. ولفظ الإمام البخاري في حديث 1749 قال: حدثنا آدم، قال: حدثنا شعبة، قال: حدثنا الحكم، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد الحديث بلفظه. قال الشارح رحمه الله تعالى: المعنى الإجمالي: رمي الجمار في يوم النحر وأيام التشريق عبادة جليلة، فيها معنى الخضوع لله تعالى، وامتثال أوامره، والاقتداء بإبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام، واستعادة ذكريات قصته الرائعة مع ابنه في صدق الإيمان وطاعة الرحمن، حين عرض له الشيطان محاولًا وسوسته عن طاعة ربه، فحصبه بتلك الحصيات بقلب المؤمن وعزيمة الصابر ونفس الراضي بقضاء ربه. فنحن نرمي الشيطان متمثلًا في تلك المواقف، إحياء للذكرى وإرغامًا للشيطان الذي يحاول صدنا عن عبادة ربنا. وأول ما يبدأ به الحاج يوم النحر رمي جمرة العقبة الكبرى. قال رحمه الله تعالى: وأول ما يبدأ به الحاج يوم النحر هو رمي العقبة الكبرى، يعني جمرة العقبة الكبرى، وسميت جمرة العقبة لأنها كانت في موضع فيه عقبة، يعني مرتفع، وفيه جبل. ولهذا كانت ترمى من جهة واحدة فقط، فكان الجبل متصلًا بها. فالذي يأتيها من جهة مكة يكون الجبل عن يمينه وأمامه مكة، فلذلك إذا أراد أن يرميها فيجعل منى عن يمينه ومكة عن يساره ويرميها. وكانت عندها شجرة تسمى جمرة العقبة، والتي عندها الشجرة، وكل ذلك اليوم ليس موجودًا، لا العقبة ولا الجبل ولا الشجرة، فقد وسعت تلك الساحات وأزيلت تلك الجبال حتى لم يبق معها شيء. وسميت الكبرى لأنها أكبر الجمار الثلاث التي ترمى. قال رحمه الله تعالى: لتكون فاتحة أعمال ذلك اليوم الجليل، فيقف منها موقف النبي صلى الله عليه وسلم، حيث الكعبة المشرفة عن يساره ومنى عن يمينه، واستقبلها ورماها بسبع حصيات، يكبر مع كل واحدة. هكذا رواية في رواية الأعمش لحديث عبد الله بن مسعود، وهي في البخاري وغيره، أن ابن مسعود كبر مع كل حصاة، وأخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك. وهكذا في حديث عبد الله بن عمر أنه رمى الجمار الثلاث يكبر مع كل حصاة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك. قال رحمه الله تعالى: واستقبلها ورماها بسبع حصيات، يعني استقبل الجمرة، منى عن يمينه ومكة عن يساره، وفي وجهه الجمرة. وقلنا إنه كان كذلك لأنه كان من خلفها جبل، فلم يمكن رميها إلا من هذه الجهة. أما اليوم فترمى من أي الجهات كانت، أي الجهات كانت ترمى، وكلما كان أي سر فهو الأفضل، لأن رفع الحرج مطلوب في الحج عن نفسك وعن إخوانك، فلا تبحث عن مواضع يكون فيها الإضرار بنفسك وفي إخوانك. قال رحمه الله تعالى: كما وقف ابن مسعود رضي الله عنه هكذا، وأقسم أن هذا هو مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة صلى الله عليه وسلم. واختار سورة البقرة لعظمها وكبرها، وهذه الجمرة هي الجمرة الكبرى، فكأنه يقول: هذا المقام لرمي الجمرة الكبرى هو المقام الذي رمى فيه النبي عليه الصلاة والسلام الذي أنزلت عليه سورة البقرة، وهي أطول سور القرآن. قال: ما يأخذ من الحديث أولًا: مشروعية رمي جمرة العقبة وحدها يوم النحر. ومر معنا أن وقتها يبتدأ من بعد طلوع الشمس، ولأصحاب الضرورات من النساء والضعفة يرخص لهم من بعد غروب القمر، يعني من بعد منتصف الليل في ليلة العاشر، إذا انصرفوا من مزدلفة، يرخص لهم على القول الصحيح رمي الجمرة الكبرى. ثانيًا: أن يرميها بسبع حصيات واحدة بعد أخرى، ولا يجزي رميها دفعة واحدة. ومفهوم من الحديث ولقوله عليه الصلاة والسلام: «خذوا عني مناسككم»، فأحاديث الرمي إنما ثبتت أنه يرميها بسبع حصيات متفرقات. فلو رماها سبع برمية واحدة ما حسبت إلا حصاة واحدة. أخذ سبع حصيات ورماها مرة واحدة هذا يعتبر فعل واحد، حصاة واحدة، وخطأ فعله خلاف السنة. فيرمي سبع حصيات كل حصاة برمية، يكبر مع كل حصاة، ويسميه في أول الرمي. ثالثًا: يجوز رميها من أي مكان بإجماع العلماء، يجوز، ولكن الأفضل إذا لم تكن مشقة ترمى من هذه الجهة، يجعل منى عن يمينه ومكة عن يساره، ويستقبل الجمرة الكبرى. والجمرة الكبرى هي آخر الجمرات لمن يأتي من منى، وأول الجمرات لمن يأتي من مكة. قال: ولكن الأفضل أن يجعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه ويستقبلها، يعني كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام. رابعًا: أن هذا هو موقف الرسول صلى الله عليه وسلم. وقد ذكر ابن مسعود سورة البقرة لأن فيها كثيرًا من أحكام الحج. خامسًا: جواز إضافة السورة إلى البقرة خلافًا لمن يمنع ذلك. يعني الصحيح أنه يجوز تسمية السور بأسمائها التي فيها ذكر بعض ما فيها. وهذه التسميات كانت موجودة في عهد النبي عليه الصلاة والسلام. سادسًا: تسمية هذه المواقف بالجمرات، لا ما يفوه به بعض العامة من تسميتها بالشيطان الكبير أو الشيطان الصغير، هذه تسمية خاطئة. يقولون الشيطان الصغير والشيطان الكبير وهكذا الوسط، والصواب الجمر الكبرى والصغرى والوسطى. قال: هذا حرام، لأن هذه مشاعر مقدسة محترمة، تعبدنا الله تعالى برميها والذكر عندها. وأعظم من ذلك ما يسبونها به من ألفاظ قبيحة منكرة، وما يأتون عندها مما ينافي الخشوع والخضوع والوقار، من رميها بأحجار كبيرة أو رصاص أو نعال، كل هذا حرام، مناف للشرع. لما فيه من الغلو والجفاء ومخالفة الشارع، وهذا الأعمال كلها خلاف السنة. بل فيها الغلو، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام بحديث ابن عباس: «بمثل هذا فرموا وإياكم والغلو». وأخذ حصاة صغيرة مثل حصى الخدف، حصى الخدف ما يعادل حبة البازلاء تقريبًا أو نصف عجم التمر المتوسط، وهو ما يوضع في الأصبع وتستطيع أن تخذف به. تعرف الخدف: الخدف هذا تضح حصاة بين أصبعين وترمي به، يسمى حصى الخدف الذي يستطاع أن يخذف به. فالصغير مرة لا ينخذف والكبير مرة لا ينخذف، وإنما ينخذف ما كان بمثل ذلك الحجم تقريبًا، هذا هو مثل حصى الخدف. قال عليه الصلاة والسلام: «بمثل هذا فرموا وإياكم والغلو». والحكم من ذلك أن الصغير لا يوصل ولا يرى إذا رمى هل وصل أم لم يصل، والكبير يؤذي، الكبير يؤذي ربما أخطأ فأصاب أحدًا من المسلمين، فربما كسر أو جرح. فلأجل ذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الرمي بالكبير. ومن صفات الرمي أن يرمي بما يوقع في الحوض، بما يوقع في الحوض، فليس المقصود إصابة الشاخص، وإنما الشاخص علامة على الحوض، ولكن المقصود أن تقع الحصاة في الحوض، فاحرص أن تقع الحصاة في الحوض هذا هو المطلوب. وهكذا كذلك من أحكام الرمي أن الرمي يوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر يختلف عن رمي يوم العاشر. فيوم العاشر يرمي جمرة واحدة وهي الجمرة الكبرى فقط، يمر بالصغرى لا يرميها، الوسطى لا يرميها، ولكن يرمي الكبرى بسبع حصيات. ووقتها كما سمعنا من بعد طلوع الشمس إلى الزوال، هذا وقت الاختيار. وإذا احتيج لزحام أو لغيره أخر، أو لوجود ضعفة أخر، كما يجوز للضعف والنساء ورفقتهم الذين معهم في مركوب واحد، كأناس في سيارة واحدة عندهم نساء وضعفة، لا يستطيعون البقاء في مزدلفة لبرد أو لغيره، فاحتاجوا أن يخرجوا مبكرين بعد منتصف الليل، فيجوز لهم أن يرموا. والأفضل للأقوياء أن يؤخروا الرمي إلى بعد طلوع الشمس. وأما ما يرمى يوم الحادي عشر فهي ثلاث جمرات: الصغرى والوسطى والكبرى. ووقت رميها من بعد الزوال، يعني من بعد أذان الظهر إلى غروب الشمس. وإن احتاج الضعفة أو لشدة الزحام أن يرمي الإنسان بعد غروب الشمس فله ذلك، يرمي، فهي رخصة. والسنة في رميها كما جاء في حديث ابن عمر أنه يرمي الصغرى بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة، ثم يسعى يعني يمشي إلى الأمام قليلًا، ويتأخر عن يمين الجمرة ويدعو دعاء طويلًا. ويرمي الوسطى ويتأخر عن شمالها ويسهل يعني يمشي قليلًا، ثم يدعو دعاء طويلًا. ويأتي الثالثة الجمرة الكبرى ويرميها كذلك بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة، ولكن ليس عندها دعاء، ليس عندها دعاء. وهكذا يفعل في يوم الثاني عشر، وهكذا يفعل في يوم الثالث عشر. إلا أنه رخص للحاج إن كانت له حاجة أو يريد أن يتعجل أن يرمي الحاج يوم العاشر والثاني عشر ويخرج قبل غروب الشمس، رخصة. فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى، فالتأخر هو الذي فيه زيادة التقوى. فالذي يريد الأفضل يقعد الأيام الثلاثة، ومن تعجل في يومين فلا إثم عليه، لكن بشرط أن يرميها قبل الغروب، لأن الله قال: «في يومين». قال النووي رحمه الله: واستدل كثير من أهل العلم بقوله «في يومين» أن الرمي يكون في اليوم الثاني قبل غروب الشمس، لأن اليوم لا يطلق إلا على النهار. اليوم لا يطلق إلا على النهار، فإذا فعل ذلك جاز له أن يخرج من منى. وليخرج قبل غروب الشمس، فإن تأخر في الطريق لشدة الزحام وكان قد رمى قبل غروب الشمس فلا يضره ولا يلزمه الرجوع. ومن أراد أن يرمي قبل الغروب ولم يتيسر له ورمى بعد الغروب فيلزمه البقاء، يلزمه البقاء لأنه لم يرمي قبل الغروب. وهكذا رخصة أخرى لرعاة الإبل والسقاة ومن على شاكلتهم من أصحاب المسؤوليات أو المرافقين للضعفة الذين يسكنون بعيدًا أو من معه مريض أو نحو ذلك. أن يجمع رمي يومين في يوم بعد يوم النحر، يعني يجوز له يوم الحادي عشر والثاني عشر يجمع رمي يومين في يوم واحد. إنسان مثلًا عنده مريض أو شغل بحفظ الإبل التي هي للحجاج، ما يستطيع يذهب يرمي في كل يوم، رخص له رخص النبي عليه الصلاة والسلام أن يجمع رمي يومين في يوم بعد يوم النحر. يجمع رمي الحادي عشر والثاني عشر في الحادي عشر أو الحادي عشر والثاني عشر في الثاني عشر، يجمع إما في اليوم الحادي عشر أو في اليوم الثاني عشر، يجمع رمي يومين في يوم. ومعناه أنه يرمي أربعة عشر حصاة، أربعة عشر حصاة بدلًا من سبع، يرمي أربعة عشر حصاة. ومن ذلك لو أن إنسانًا حبسه عذر عن الرمي، إما كما قلنا مصاحبة مريض، وهذا يحصل لبعض الناس، عنده امرأة كبيرة أو رجل كبير يتعب ويمرض، فيرافقه، فيفوته وقت الرمي، فيسأل: كيف أصنع؟ الجواب: اجمع رمي يومين في يوم واحد، ارمي أربعة عشر حصاة في كل مكان. والرمي عن المريض، ارمي عن المريض. وقد اختلف أهل العلم في مسألة التوكيل في الرمي، منهم من منع مطلقًا، ومنهم من أجاز مطلقًا التوكيل، توسع في التوكيل، يرمي عن الكبير وعن الصغير وعن المرأة، ويرمي عن الكل، حتى امرأة صحيحة يرمي عنها رجل تعبان قليل يرمي عنه، وهذا ليس بالصحيح. والوسط هو أن يرمي عن من يشق عليه أو لا يستطيع الرمي، رجل ثقيل كبير في السن وثمين، ولا توجد عربية تنقله، ما يستطيع يرمي، وهناك زحام شديد، لا بأس أن ترمي عنه. أو كذلك صغير طفل صغير ما تستطيع تدخله في الزحام، ترمي عنه. مع أن الأفضل أن تتحين أوقات الفراغ وتأخذ هذا الصغير أو ذاك الكبير أو هذه المرأة، وهذا هو الأكمل لحجك وحجه. تتحين أوقات الفراغ وتوجد أوقات الفراغ ولو في الليل في آخر الليل حتى تأخذه وترمي، هذا هو الأكمل والأحوط. لكن إذا احتاج لعجز ونحوه وضرورة، فيجوز أن يرمي عن موكله، يرمي عنه سبع حصيات في كل موضع. والدعاء يدعو لنفسه ويدعو لموكله، كما أنه يدعو في حجه عن الغير لمن حج عنه. هذا خلاصة تقريبًا أحكام الرمي. والحديث الذي سبق هو حديث عاصم بن عدي، وذكره الشيخ الألباني في الإرواء، صححه، يعني جمع الرمي يومين في يوم لرعاة الإبل.