الدرس في كتاب الطهارة 9، الدرس التاسع : فيه : ( الحديث الرابع:عن أبي هريرة رضي الله عنه ... فلعلها تصيب المستقذرات وهو لا يعلم فشرع له غسلها للنظافة المشروعة). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ الشرح بالحديث الرابع للحافظ عبد الغني المقدسي عن الطهارة، مع التركيز على ألفاظ الحديث المختلفة في روايات البخاري ومسلم والدارقطني. يتم بيان أقرب هذه الروايات إلى متن الحديث.
يتم شرح ألفاظ الحديث النبوي المتعلقة بالوضوء والاستنجاء، مثل "فليستنفر" و"ليستنثر" و"استجمر" و"فليوتر". يتم توضيح معاني هذه الألفاظ لغة وشرعاً وكيفية أداء الوضوء والاستنجاء كما وردت في السنة النبوية.
يتم شرح ثلاث فقرات تتعلق بالوضوء والطهارة، وهي الاستنشاق والاستنثار، قطع الأذى بالحجارة على وتر، وغسل اليد ثلاث مرات عند الاستيقاظ من النوم. كما يشدد على أهمية غسل اليدين قبل الوضوء لضمان نظافة الماء المستخدم.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله: الحديث الرابع عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم ليستنثر، ومن استجمر فليوتر، وإذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه قبل أن يدخلهما في الإناء ثلاثا؛ فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده». وفي لفظ لمسلم: «فليستنشق بمنخريه من الماء». وفي لفظ: «من توضأ فليستنشق». أورد الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله هذا الحديث في سياق ذكره لأحكام الطهارة، ويريد به ذكر شيء من مقدمات الطهارة من الأحكام التي ذكرت في هذا الحديث. وقد اجتمع في هذا الحديث على مجموعة من المسائل. أولاً، ننظر في ألفاظه، فأقرب الألفاظ إليه هو لفظ الإمام البخاري في حديث 162. ولا يوجد في الصحيحين -لا في البخاري ولا في مسلم- هذا المتن بإسناد واحد، لكن أقرب الألفاظ إليه هو لفظ الإمام البخاري في حديث 162، قال: حدثنا عبد الله بن يوسف قال: أخبرنا مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه، الحديث، غير أنه قال بدلاً من «ليستنثر» «لينتثر»، وبدلاً من «يديه» «فليغسل يده»، وبدلاً من «يدخلهما» «يدخلها». هذا هو لفظ البخاري في هذا الموضع، وهو أقرب الألفاظ إلى لفظ صاحب المتن. ورواه مسلم نحوه في حديث 278/100. وقوله: «فليستنشق بمنخريه من الماء»، هذا اللفظ هو لفظ مسلم كما أشار. «فليستنشق بمنخريه من الماء» هو بعض لفظ مسلم، وليس هو عينه. لفظ مسلم، وكما أشار المعلق: أنه خارج الصحيح. وأما لفظ «من توضأ فليستنشق»، فقد رواه الدارقطني مرسلاً عن سليمان بن موسى، وهو ضعيف كما أشار المعلق. وللحديث ألفاظ؛ فإنه جاء كما ذكر المؤلف رحمه الله باللفظ «فليستنفر»، وهذا اللفظ ليس هو موجوداً بهذا المثال الذي ذكره المؤلف رحمه الله تعالى، ولكنه بعض ألفاظ أهل الصحيحين مختصراً. ثم قال الشارح رحمه الله تعالى: غريب الحديث، قال: «توضأ أحدكم» يعني إذا شرع في الوضوء. وهنا نحتاج أن نعرف معنى الوضوء. الوضوء لغة مأخوذ من الوضاءة والنظافة والحسن، فهو مأخوذ من معنى الوضاءة. وأما شرعاً، فالتعبد لله بإمرار الماء على أعضاء الوضوء بالكيفية المخصوصة، يعني التي وردت في السنة. قال رحمه الله: «ليستنثر» يعني ليخرج الماء من أنفه بعد إدخاله فيه. وإدخاله والاستنشاق، فالاستنثار هو طلب إخراج الماء، والاستنشاق هو طلب إدخال الماء؛ لأن الألف والسين والتاء تدل على الطلب غالباً. فإذا كان كذلك، فرواية «لينتثر» أحسن من رواية «ليستنثر»؛ لأن إدخال الماء طلب، وإخراجه ليس طلب بل هو دفع. ولهذا جاء في هذا الموضع «لينتثر». قال: «ثم استجمر» أي استعمل الجمار، وهي الحجارة، لقطع الأذى الخارج من أحد السبيلين، وهو الاستنجاء بالحجارة. وسميت الحجارة المستنجى بها جماراً؛ لأنه يستجمر بها، أي يتطيب بها، كما أن الجمر يتطيب به، تعرك الجمر ويبعثر فيه الطيب فيعطي الرائحة الطيبة. وقوله: «فليوتر» يعني أمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يكون الاستجمار على وتر. والوتر هو الفرد، مثل ثلاث أو خمس أو نحوهما. ولا يكون قطعه الاستجمار بأقل من ثلاث؛ يعني لا يقطع استجماره بأقل من ثلاث. قال: «فإن أحدكم لا يدري إلى آخره» قال: تعليل لغسل اليد بعد الاستيقاظ، يعني هذا السبب لأجله أمر النبي عليه الصلاة والسلام بغسل اليد. وقوله: «باتت يده» قال: حقيقة المبيت يكون من نوم الليل. وقد حكى مخشري وابن حزم والآمدي وابن برهان أنها تكون بمعنى صارت، فلا تختص بوقت. قال: وإذا أطلقت اليد فالمراد بها الكف. فهنا مسألتان: أولاً مسألة البيتوتة، فالبيتوتة لغة هي نومة الليل، كما أن التعريس نومة آخر الليل تشبيهاً بالعريس الذي يبيت ليله ساهراً وينام غالباً آخر الليل. قال: «فليستنشق» الاستنشاق هو إدخال الماء في الأنف، كما قلنا هو سحب الماء. وقد نهى عن المبالغة فيه في حال الصيام؛ لأنه مظنة إدخال الماء إلى الجوف. قال: المعنى الإجمالي يشتمل هذا الحديث على ثلاث فقرات، لكل فقرة حكمها الخاص فيها. أولاً، قال: فذكر أن المتوضئ إذا شرع في الوضوء أدخل الماء في أنفه ثم أخرجه منه، وهو الاستنشاق والاستنثار المذكور في الحديث؛ لأن الأنف من الوجه الذي أمر المتوضئ بغسله. وفيه تفسير للقرآن؛ فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فصل أحكام القرآن ما كان مجملاً بينه. ومن التفصيل لإجمال آية الوضوء فعل النبي صلى الله عليه وسلم وقوله. فهذا من قوله إذ أمر المتوضئ أن يستنشق ويستنثر. قال: وقد تظافرت الأحاديث الصحيحة على مشروعيته، يعني الاستنشاق والاستنثار؛ لأنه من النظافة المطلوبة شرعاً، وهو متعبد به لله عز وجل في الوضوء، فهو عبادة ونظافة في نفس الوقت. قال: ثانياً، ثم ذكر أيضاً أن من أراد قطع الأذى الخارج منه بالحجارة أن يكون قطعه على وتر، أقلها ثلاث، وأعلاها ما ينقطع به الخارج. وتنقل محل إن كانت وتراً وإلا زاد واحدة توتر أعداد الشفع. قال: ثالثاً، وذكر أيضاً أن المستيقظ من نوم الليل لا يدخل كفه في الإناء أو يمس بها شيئاً رطباً حتى يغسلها ثلاث مرات؛ لأن النوم الليل غالباً يكون طويلاً، ويده تطيش في جسمه. قال: فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده، ليس معناه أن تقع في مكان نجس أو مكان خبيث، ولكن معناه أنه قد يكون كذلك أو غيره. وما أكثر هذا الغير؛ فربما مرت عليه فأرة، وكم من الناس من أكلت الفأرة أضفارهم. قال: لأن نوم الليل غالباً يكون طويلاً، ويده تطيش في جسمه، فلعلها تصيب بعض المستقذرات وهو لا يعلم. فالشرع له غسلها لنظافة مشروعة. قال: الوجه الأول لأن اليدين مظنة الحركة في الجسد، ما أحد يدخل رأسه في موضع الخبث، لكن اليد هي التي تطيش، يحق بها في جسده فتطيش في أماكن متنوعة، وهي مظنة إتيان الخبث إليها؛ لأن اليد هي التي تتناول الطعام غالباً. قال: والوجه الآخر أن هذه اليد هي التي ستدخلها في الإناء لتتوضأ به؛ فلذلك أمرت بغسلها ثلاثاً قبل أن تدخلها في الإناء؛ لتبعد القدر الذي قد أصابته أو الذي قد أصابها وأنت لا تدري. والله تعالى أعلم.