الدرس السادس:من( ونورد هنا مقدمات تتعلق بهذا المقام لتكمل الفائدة في هذا الكتاب فيغني عن المطولات... والمراد بالاثنتين بنتا الأبوين وبنتا الأب وقاسوا ما زاد على الأختين عليهما ) .
يتناول أسباب الإرث الثلاثة: النسب، النكاح الصحيح، والولاء، مع شرح موانع الإرث الثلاثة خاصة مانع القتل. يضع الأسس لفهم توزيع التركة.
يناقش أحكام الإرث في الشريعة الإسلامية، ويشرح قواعد توزيع التركة على مستحقيها وفقًا للقسمة العادلة الشرعية، ويحدد الفروض المقدرة في كتاب الله تعالى.
يشرح أصحاب الفروض في الميراث بدءًا من أصحاب النصف ثم الربع والثمن والثلثان، مستندًا إلى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، مع توضيح الشروط لتوزيع هذه الفروض.
يشير إلى انتهاء الوقت المخصص للدرس مع الإشارة إلى استكمال الموضوع في درس قادم، ويختتم بالتأكيد على أن الله تعالى هو الأعلم.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الشارح رحمه الله تعالى: قال: ونورد هنا مقدمات تتعلق بهذا المقام لتكمل الفائدة في هذا الكتاب، قال: فيغني عن المطولات. قال: فللإرث أسباب ثلاثة، الأولى: النسب، وهي القرابة، لقوله تعالى: ﴿بِأُولُواْ ٱلۡأَرۡحَامِ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلَىٰ بِبَعۡضٖ﴾. الثاني: النكاح الصحيح، لقوله: ﴿وَلَكُمۡ نِصۡفُ مَا تَرَكَ أَزۡوَٰجُكُمۡ﴾ الآية. ومر معنا أن المراد بالنكاح هو النكاح الذي حصل فيه وطء أو لم يحصل فيه وطء، حتى ولو كان عقدًا فقط. وخرج بالصحيح الفاسد والباطل، فإنه لا يحصل به التوارث. وكذلك هناك تفاصيل في النسب، بأن المراد بالنسب المذكور بالشرع، فليس كل نسب يكون به الإرث، وإنما هناك أصول وفروع وحواشي نص الشرع على توريثهم لقربهم، وكذلك ماذا دنو منزلتهم. وهناك من أهل النسب من لا يرثون لبعدهم، وليوجود من هو أولى منهم. قال رحمه الله: الثالث: الولاء، لحديث ابن عمر مرفوعًا: «الولاء لحمة كلحمة النسب». وتقدم معناه، ومر أن الحديث حديث صحيح، ومعناه أنه يكون به الإرث كما يكون بالنسب، وله كذلك معاني أخرى، لكن فيما يتعلق بهذا الباب هذا هو معناه. قال: وأما غير هذه الثلاثة فلا تكون سببًا للإرث على المشهور عند العلماء، فمتى وجد شيء من هذه الثلاثة حصل التوارث بين الطرفين، حتى في الولاء على الصحيح. ومعناه على الطرفين يعني أن المعتق يرث، وأن المعتق كذلك يرث من المعتق بالكسر إذا لم يكن له وارث. وهذه المسألة فيها خلاف كما مر معنا قريبًا في التعليق على التسهيل، وأن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ذهب إلى هذا القول، واستأنس ببعض ما روي في هذا الباب من الآثار. والأصل هو عدم ذلك، لكن إذا لم يكن هناك وارثًا فكما قال شيخ الإسلام هو أولى من بيت المال، والمسألة فيها خلاف. قال: وللإرث موانع إذا وجدت أو وجد شيء منها امتنع الإرث وإن وجد سببه، لأن الأشياء لا تتم بلا باجتماع شروطها وانتفاء موانعها. وموانع الإرث ثلاثة: الأول القتل، فمن قتل مورثه أو تسبب لقتله بغير حق فلا يرثه ولو بغير قصد، من باب: «من تعجل شيئًا قبل أوانه عوقب بحرمانه». ومعنى تسبب: أي لم يكن قتله بمباشرة وإنما كان بسبب. وكما مر معنا في دروس قديمة في الكلام على مباحث كتاب القصاص والديات أنه إذا لم يضمن المباشر ضمن المتسبب، فمثلًا إذا حفر الوارث بئرًا فسقط المورث في هذه البئر، في قول بعض أهل العلم أن الوارث لا يرث من المورث ولو كان لم يقتله، لكن تسبب في قتله. تسبب في قتله مبالغة منهم في سد ذريعة القتل، وعملًا بعموم القاعدة: «من تعجل شيئًا قبل أوانه عوقب بحرمانه»، لأنه يوجد احتمال أن يكون فعل الوارث هذا مقصودًا، في احتمال لهذا. والصحيح في هذا التفصيل كما تقدم الكلام عليه، فقتل الخطأ يفصل فيه، فما كانت القرائن يخشى معها أن يكون هناك معنى العمد فلا يرث، ومنه لو تسبب في قتله ولم يباشر القتل. وإذا لم تكن هناك قرائن تدل عليه، بل العكس دلت القرائن أنه بريء تمام البراءة من عمد قتله، فإن شاء الله لا حرج بتوريثه. وبهذا يجمع بين الآثار المروية في هذا الباب. قال رحمه الله: من باب: «من تعجل شيئًا قبل أوانه عوقب بحرمانه» في حق العامد، ومن باب سد الذرائع في حق غيره يعني المخطئ، وكذلك المتسبب. وهذه قواعد دل عليها الشرع. قال: لحديث عمر: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ليس للقاتل شيء»، رواه مالك في الموطأ. ورأى في الباب أحاديث كثيرة، وحديث عمر هذا فيه انقطاع لأنه من رواية الحسن عن عمر ولم يسمع منه، ولكن جاءت أحاديث أخرى، فقد جاء من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وجاء عن غيره، فالحديث مجموع طرقه يرتقي إلى الحسن. قال: الثاني: الرق، فلا يرث العبد قريبه لأنه لو ورث لكان لسيده. وهذه المسألة فيها خلاف كذلك، خصوصًا في إرث العبد من الحر. فمن أهل العلم من قال لا مانع من إرثه، كما تقدم الإشارة إليه في كلام الشوكانى رحمه الله وغيره. ومنهم من أخذه على الأصل: «من باء عبدًا له مال فماله لسيده»، إلا أن يشترط المبتاع. حديث ابن عمر في الصحيحين، وكذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام: «المكاتب عبد ما بقي عليه درهم». فما يملكه العبد هو ملك لسيده. قال: وكذلك المملوك لا يورث لأنه لا يملك، إذ أن ماله لسيده. يعني عكس هذه المسألة: لا يورث لأن ماله لسيده، ولا يرث لأن ما سيدخل عليه من مال فهو كذلك لسيده. هذا هو الأصل، وفي الأول الخلاف كما تقدم، على أنهم قالوا: إنما يملك السيد ما دخل عليه حال رقه أو من جهة رقه، لأن وقته له وقت العبد له. وأما ما دخل على العبد من غيره فمقتضى العدل أن لا يأخذه السيد، لعله يكاتب به أو يعتق نفسه به. قال: الثالث: اختلاف الدين، ويأتي بيانه في حديث أسامة إن شاء الله تعالى. يعني الذي سيأتي في الصحيحين: «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم». ثم شرح رحمه الله الحديث الحديث بن عباس الذي قرأناه. قال: المعنى الإجمالي يأمر النبي صلى الله عليه وسلم القائمين على قسمة تركة أن يوزعوها على مستحقيها بالقسمة العادلة الشرعية كما أراد الله تعالى، فيعطي أصحاب الفروض المقدر فروضهم في كتاب الله، وهي الثلثان والثلث والسدس والنصف والربع والثمن. هذه الفروض المذكورة في الكتاب. قال: فما بقي بعدها فإنه يعطى إلى من هو أقرب إلى الميت من الرجال، لأنهم الأصل في التعصيب، فيقدمون على ترتيب منازلهم وقربهم من الميت، كما يأتي بيانهم قريبًا بعد بيان أصحاب الفروض إن شاء الله تعالى. وهذا الترتيب دل عليه الشرع ليس بالعقل. قال: خلاصة عن الإرث وكيفيته مستقاة من القرآن الكريم، ومن هذا الحديث الجليل نبدأ بما بدأ الله به من توريث ذوي الفروض الذين نص الله تعالى على توريثهم مقدر فرضهم، حتى إذا علمنا ما لهم ذكرنا الذين يأخذون ما أبقت الفروض وهم العصبات. فالفروض المقدرة في كتاب الله تعالى ستة: النصف والربع والثمن والثلثان والثلث والسدس. ولكل فرض صاحبه أو أصحابه. قال: أولًا: النصف، ويكون للبنت ولبنت الابن وإن نزل، لقوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَتۡ وَٰحِدَةٗ فَلَهَا ٱلنِّصۡفُ﴾. وبنت الابن وهذا التوريث بالإجماع، بشرط أن لا يكون معهن غيرهن من الأولاد، لأنه سيأتي إذا كان معه أحد من الأولاد فسترث عصبة مع الغير أو عصبة بالغير. قال: وهو أي النصف فرض الزوج أيضًا، بشرط أن لا يكون للزوجة ولد من ذكر أو أنثى، لقوله تعالى: ﴿وَلَكُمۡ نِصۡفُ مَا تَرَكَ أَزۡوَٰجُكُمۡ إِن لَّمۡ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٞ﴾. فإذا كان هناك ولد فالثمن. فالربع للزوج، قال: وهو أي النصف فرض الأخت الشقيقة، وإن لم توجد فالأخت لأب. يعني مثل الأخت الشقيقة ما عدم الفرع الوارث، لقوله تعالى: ﴿إِنِ ٱمۡرُؤٌ هَلَكَ لَيۡسَ لَهُ وَلَدٞ وَلَهُۥ أُخۡتٞ فَلَهَا نِصۡفُ مَا تَرَكَ﴾. وهذه في ولد الأبوين أو لأب بالإجماع، فلها نصف ما ترك أي هذه الأخت. ولأن الإخوة لأم جاء لهم حكم خاص بشروطه، فهؤلاء هم أصحاب النصف. وهذه الطريقة سلكها بعض أهل العلم في ذكر أصحاب الفروض كل على حدة، أصحاب النصف لوحدهم وأصحاب الربع لوحدهم. وطريقة أخرى أن يذكر صاحب الفرض وجميع أحواله. قال: الثاني: الربع، ويكون للزوج مع وجود الفرع الوارث، لقوله تعالى: ﴿فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٞ فَلَكُمُ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكۡنَ﴾ كما تقدم. قال: وهو أي الربع فرض الزوجة فأكثر مع عدم الفرع الوارث، لقوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكۡتُمۡ إِن لَّمۡ يَكُن لَّكُمۡ وَلَدٞ﴾. فهن يشتركن في الربع إذا كن أكثر من واحدة، ولكن بهذا الشرط ألا يكون هناك ولد، فإذا كان ولد فالثمن. قال: الثالث: الثمن، للزوجة فأكثر مع وجود الفرع الوارث، لقوله تعالى: ﴿فَإِن كَانَ لَكُمۡ وَلَدٞ فَلَهُنَّ ٱلثُّمُنُ مِمَّا تَرَكۡتُمۡ﴾. وهكذا كذلك إذا كن أكثر من واحدة فيشتركن في هذا الثمن. قال: الرابع: الثلثان، قال: للبنتين ولبنتى الابن إذا لم يعصبا. ودليل توريثهما الثلثين حديث امرأة سعد بن الربيع حيث جاءت للنبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: هاتان ابنتا سعد، قتل أبوهما معك يوم أحد شهيدًا، وإن عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما شيئًا من ماله، ولا ينكحان إلا بمال. فقال: «يقضي الله في ذلك». ونزلت آية المواريث، فدعى النبي صلى الله عليه وسلم عمهما، فقال: «أعطي بنتي سعد الثلثين، وأعطي أمهما الثمن، وما بقي فهو لك». رواه أبو داود، صححه الترمذي، وهو حديث صحيح، صححه جماعة من الحفاظ قديمًا وحديثًا، وهو ظاهر الدلالة في أن البنتين يرثان الثلثين. فقول الله عز وجل: ﴿فَوۡقَ ٱثۡنَتَيۡنِ﴾ معناه اثنتين فأكثر، ليس ثلاث. والسنة فسرت القرآن. قال: وتأخذان الثلثين بالقياس على الأختين المنصوص عليهما في قول تعالى: ﴿فَإِن كَانَتَا ٱثۡنَتَيۡنِ فَلَهُمَا ٱلثُلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾. فالبنتان وبنت الابن أولى بالثلثين من الأختين. الآية في سياق ذكر الأختين، فمن باب أولى أن البنتين وبنتي الابن يكون لهما كذلك الثلثان. قال: وأما الثلاث من البنات وبنات الابن فلهن الثلثان بنص قول تعالى: ﴿فَإِن كُنَّ نِسَآءٗ فَوۡقَ ٱثۡنَتَيۡنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾. وكما مر معنا: الصحيح أن فوق اثنتين المراد به اثنتين فأكثر. وهذا فسر بالسنة، وأن نساء يشمل البنات وبنات الابن. وبعضهم فهم من هذه الآية كذلك إدخال الأخت في تكملة الثلثين. قال: والثلثان فرض الأختين الشقيقتين فأكثر، وفي حال فقدهما يكون للأختين لأب فأكثر، لقوله تعالى: ﴿فَإِن كَانَتَا ٱثۡنَتَيۡنِ فَلَهُمَا ٱلثُلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾. وبإجماع العلماء، والمراد بالاثنتين بنتاه الأبوين وبنتا الأب. وقاسوا ما زاد على الأختين عليهما. يعني إذا كانوا ثلاثة أو أربع أو خمس أو أكثر، فإذا كانوا أكثر من اثنتين فمن باب أولى. وهو كذلك دل عليه القياس الصحيح، والشرع لا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع. نقف إلى هنا انتهاء الوقت، ونترك الباقي إن شاء الله في درس لاحق، والله تعالى أعلم.