كتاب الإيمان 19

كتاب الإيمان 19

الدرس في كتاب الإيمان 19، تابع باب بيان تفاضل الإسلام وأي أموره أفضل . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أفضل الإسلام وخصاله الفاضلة

يتحدث عن شرح حديث أبي موسى رضي الله عنه عن أفضل الإسلام وأهله، حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سلم المسلمون من لسانه ويده». يبرز أهمية السلامة من الأذى في الإسلام.

مسؤولية المسلم عن أفكاره وحديث النفس

يناقش مفهوم السلامة في الإسلام وحديث النفس ومسؤولية المسلم عن أفكاره ومشاعره. يوضح الفرق بين حديث النفس العابر والاعتقاد المستقر، وأن المسلم لا يُؤاخذ على حديث النفس العابر.

فضل العلم والتخلية قبل التحلية

يبرز أهمية العلم في التمييز بين الأعمال الفاضلة ويشير إلى أهمية التخلية قبل التحلية في جوانب الدين المختلفة، مثل إزالة النجاسات قبل الطهارة وترك الذنوب قبل فعل النوافل.

الاعتناء بالنفس والخلق وتوسيع دائرة الإحسان

ينبغي للمسلم أن يحرص على تطهير نفسه من المظالم، ثم يعتني بإحسان عبادة ربه، ويوسع دائرة الإحسان إلى الخلق بما أمر الله به. يشدد على أهمية العناية بالنفس والخلق.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: حديث أبي موسى رضي الله عنه قال: قالوا: يا رسول الله، أي الإسلام أفضل؟ قال: «من سلم المسلمون من لسانه ويده». أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب أي الإسلام أفضل. أورد رحمه الله تعالى هذا الحديث في باب بيان تفاضل الإسلام وأي أموره أفضل، وهو من الأحاديث التي اتفق عليها البخاري ومسلم، وهذا هو لفظ الإمام البخاري رحمه الله، كما أشار أخرجه في باب أي الإسلام أفضل في كتاب الإيمان. وفي هذا الحديث، والحديث كذلك أخرجه الإمام مسلم. وفي هذا الحديث ما أشار إليه أولا في هذا التبويب الذي هو من التبويبات على صحيح مسلم، ففيه تفاضل الإسلام وأهله. وفي هذا رد على المرجئة الذين ينفون ذلك، وفي مقابلهم الوعيدية. وأهل السنة في هذا وسط، فالإيمان يتفاضل، والإسلام كذلك يتفاضل، وتفاضله بزيادة خصاله ونقصانها، فهو يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي التي هي من المنقصات. وهكذا كذلك فيه تفاضل أهل الإسلام بتفاضل أعمالهم، وكما هم يتفاضلون في الدنيا كذلك يتفاضلون في المنازل يوم القيامة. فهذه الدار الدنيا دار عمل وامتحان وابتلاء، وهو الناس فيه في حال الإمكان، والآخرة دار الجزاء، ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، فمن وفق لأفضل الإسلام في الدنيا وفق لأفضل الجزاء في الآخرة، ومن حرم ذلك أو نقص منه شيء حرم ونقص منه بقدر ما كان من حرمان ونقصان. وهكذا كذلك فيه أن من خصال الإسلام الفاضلة بل الأفضل سلامة لسانه ويده من الطعن في الآخرين، سواء هذا الطعن حسا أو معنا، فالمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، فكمال إسلامه بكمال سلامة الناس من أذيته. وفي قوله عليه الصلاة والسلام: «من سلم المسلمون» إشارة كذلك إلى أن من خصلت فيه خصال الإسلام واستحق الطعن بما يستحق بموجب الشرع فلا يدخل في هذا المعنى. فلذلك لما لم يفهم هذا المعنى طائف من الناس وقعوا في نوع من الورع وهو خاطئ، ليس عليه أدلة الكتاب والسنة ولا كذلك مسلك سلف الأمة. فالجرح والتعديل والتحذير من الباطل وأهله ليس من الموضع المذموم إذا كان وفق الضوابط الشرعية التي دلت عليها الشرع. كما أنه لا يجوز التعلق بهذا الأصل الثابت الصحيح فيتوسع فيه بظلم الناس والاعتداء عليهم وتجاوز المأذون فيه إلى الممنوع، وأعظم من ذلك أن يكون الطعن بالباطل. فالواجب في هذا سلوك المسلك الشرعي الصحيح وسطا بين من جهل هذا الأصل وبين من بالغ فيه فتعدى المأذون. وهكذا كذلك فيه أن من سلامة المسلم أن يسلم لسانه ويده من كل باطل، فإذا لم يسلم لسانه ويده من ذلك فهو كذلك لا يأمن أن لا يجد السلامة يوم القيامة. وفيه كذلك أن ما حدثت به القلوب مما ينافي السلامة، وإن كان خلاف الأفضل والأكمل، لكنه لا يؤاخذ عليه المرأة خصوصا إذا كان حديث نفس. لكن لا يجوز أن يبقى في القلب، فإن حديث النفس إذا استقر في القلب وصار اعتقادا أذم صاحبه عليه، فليس كل ما في القلب لا يؤاخذ عليه المرأة، بل بعض ما في القلب يؤاخذ عليه المرأة، ولكن الذي لا يؤاخذ هو الحديث العابر وحديث النفس الذي لا يستقر، ﴿إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ﴾. على أنه إذا كان مع هذا الحديث حديث النفس شيء من الاعتقاد كسوء الظن بالناس وهكذا، كذلك العزيمة ولو لم يكن معها عمل، فإنه يأثم عليها من يستحضر دليلا على ذلك. نعم، إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، قالوا: هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قالوا: إنه كان حريصا على قتل صاحبه. لكن أجاب بعض أهل العلم كشيخ الإسلام وغيره أن هذا قاتل بدل شيء من القتال، فهو لم يؤاخذ على ما في قلبه فقط، كذلك على ماذا مقاتلته شيء آخر. هما في الإثم سواء، وفي الأجر كذلك سواء. وهذا لم يفعل، لكنه حرص حرصا فأثم مثل إثمه، لماذا؟ لأن الذي في القلب لم يكن حديثا عابرا، الذي في القلب حديث استقر. ولهذا نظائر كثيرة، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح سائر الجسد، وإذا فسدت فسد سائر الجسد». ففساده موجب كذلك لشيء يترتب عليه في الظاهر، وهكذا كذلك في الثواب والعقاب. فالشيء العابر لا يثم عليه الإنسان خصوصا إذا جاهد نفسه على دفعه، وأما إذا استقر فلا. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث». والظن هل هو قول أو شعر في الاعتقاد اعتقاد، وهل هو إثم أو بر أو ليس بإثم ولا بر؟ إثم، الدليل: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾، فسماه ربنا جل وعلا إثم. وفي الحديث كذلك فضل العلم وسؤال أهل العلم ومجالس العلم، فالإنسان بالعلم يميز الفاضل من الأعمال، وهكذا كذلك يوفقه الله عز وجل للخير بأيسر وأقرب طريق. وقد قال سبحانه: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. وفيه فضل الصحابة في حرصهم على العلم والسؤال عن خصال الدين وأيها أفضل. وهذا قليل من كثير مما يدلك على خيرية الصحابة رضي الله تعالى عنهم وحرصهم على مواضع وأبواب الخير والبر. كما فيه كذلك حث المسلم على تتبع الأفضل من خصال الإسلام والإيمان. وفيه كذلك ترجيح التخلية على التحلية، وهذا في جوانب كثيرة، وهو من ترتيب أولويات الواجبات. فكلمة التوحيد على سبيل المثال، وهو أصل هذا الدين تخلية وتحلية، نفي العبودية عما سوى الله وإثباتها لمن لله عز وجل وحده، فلا يصح إثبات العبودية لله مع إثباتها لغير الله، لكن لا بد أن تنفيها عما سوى الله أولا وتثبتها لله ثانيا. وكذلك خصال هذا الدين، ليس من الصواب أن تحرص على نوافل الطاعات وأنت واقع في الذنوب والمعاصي والسيئات. فلو سألت نفسك سؤالا علمت بهذه القاعدة أن أولويات الدين تدفعك إلى أن تحرص على ترك الذنوب والمعاصي قبل أن تحرص على النوافل والطاعات، لأن التخلية لها أفضلية على التحلية. وهذا له نظائر كثيرة، ومن تتبع هذا وجده قد دل عليه المنقول والمعقول، حتى إزالة النجاسات مقدمة على ماذا؟ على التحلي بالطهارة. ليس من الصواب أنت تطهر وأنت نجس، ولا أنت تطيب وعليك الخبث، ما في فائدة من هذا الطيب الذي تطيبت به وأنت متلوث بالقاذورات، لكن الأولى في مثل هذا المقام أن تزيل ماذا؟ القذر، ثم تتحلى بالطيب. وهكذا كذلك في سائر أبواب هذا الدين، فبر الوالدين حسن، وأحسن منه ألا تؤذيهم. بعض الناس يؤذي مثلا الوالدين ثم يحسن إليهم ويظن أن الإحسان يكافئ ويمحو ذاك الإثم والقطيعة وذاك العقوق، وهو في الحقيقة لا يمحوه، فلابد من توبة وتحلل في الدنيا قبل الآخرة. ولهذا قد يبقى في النفس شيء حتى ولو كان الأمر فيه جهل بالأمور الشرعية، فإنه يبقى في عرف الناس ما يدل على تصحيح هذا الأصل. فلذلك ينبغي أن يعتني بالمسلم أولا، أول ما يعتني بأن يخلي نفسه من المظالم سواء في حق الله عليه أو حق الناس، ويحرص بعد ذلك على الإحسان إلى نفسه بعبادة ربه، وهكذا إلى الخلق بما أمره الله. نكتب بهذا القدر، والله تعالى أعلم.