كتاب الإيمان 49

كتاب الإيمان 49

الدرس في كتاب الإيمان 49، تابع : 58-باب الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السماوات وفرض الصوات . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

شرح أحاديث الإسراء والمعراج

المقطع الأول يتناول شرح أحاديث الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث أورد المؤلف رحمه الله أحاديث في كتاب الإيمان تتعلق بالإسراء. تناول مسائل الإيمان بالله والغيب الذي أخبر الله به نبيه.

وصف الأنبياء والدجال في الحديث النبوي

يصف المقطع أوصاف موسى وعيسى عليهما السلام كما وردت في الحديث النبوي، ويتطرق إلى وصف الدجال وإثبات وجوده. يشير إلى دلائل صدق رسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

تفسير رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم

المقطع يتناول تفسير رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم وما رآه من الأنبياء، ويشرح دلالات ما رآه من موسى وعيسى وإبراهيم. يتطرق إلى فضل اللبن وخبث الخمر، ويبين أن اللبن يدل على الفطرة والخمر على الغواية.

ذكر صفات الأنبياء في صحيح البخاري كحجة على أهل الكتاب

المقطع الأخير يشرح كيف بوّب البخاري رحمه الله لذكر بعض صفات الأنبياء، ويبين أن ذلك يعد حجة على أهل الكتاب لإثبات صدق رسالة ونبوة النبي صلى الله عليه وسلم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رأيت ليلة أسري بي موسى رجلا آدم طوالا جعدا كأنه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى رجلا مربوعا مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض سبط الرأس، ورأيت مالكا خازنا النار والدجال في آيات أراهن الله إياه، فلا تكن في مرية من لقائه». قال: أخرجه البخاري في كتاب بدء الخلق، باب إذا قال أحدكم آمين والملائكة في السماء. قال حديث ابن عباس عن مجاهد قال: «كنا عند ابن عباس رضي الله عنهما فذكروا الدجال، فقال: مكتوب بين عينيه كافر». فقال ابن عباس: «لم أسمعه، ولكنه قال: أما موسى كأني أنظر إليه إذا انحدر في الوادي يلبي». قال: أخرجه البخاري بكتاب الحج، باب التلبية إذا انحدر في الوادي. قال حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليلة أسري بي رأيت موسى، وإذا هو رجل ضرب رجل كأنه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى، فإذا رجل ربعة أحمر كأنما خرج من ديماس»، قال: «وأنا أشبه ولد إبراهيم به»، ثم أتيت بين يدي في أحدهما لبن وفي الآخر خمر، فقال: «اشرب أيهما شئت»، فأخذت اللبن فشربته، فقيل: «أخذت الفطرة، أما إنك لو أخذت الخمر غوت أمتك». قال: أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَالْأَتَاكَ حَدِيثَ مُوسَى﴾ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا. أورد المؤلف رحمه الله هذه الأحاديث في كتاب الإيمان، في سياق ذكره لما ذكر من الأحاديث في الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم، مما اتفق عليه الشيخان. وقد مرت معنا في هذا الباب حديث، وهذه تتمة لما في هذا الباب. فحديث ابن عباس أورده البخاري بالباب المشار إليه، وهكذا كذلك حديث ابن عباس الآخر أورده البخاري بالباب المشار إليه، فقال: حدثنا محمد بن المثنى قال: حدثني ابن أبي عدي عن ابن عون عن مجاهد قال: كنا عند ابن عباس فذكره بلفظه. وهكذا حديث أبي هريرة أخرجه البخاري بالباب المشار إليه، فقال: حدثنا إبراهيم بن موسى قال: أخبرنا هشام بن يوسف قال: أخبرنا معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة فذكره بلفظه. وفي هذه الأحاديث الثلاثة شيء مما ذكر في صفة إسراء النبي صلى الله عليه وسلم، كيف أسري به، وما رأى عليه الصلاة والسلام في ليلة الإسراء والمعراج. وقد تناول ما في هذا الباب مما يناسب معنى الإسراء، وهو من مسائل الإيمان، ولهذا ذكره في كتاب الإيمان. وتناول مسائل أخرى من الإيمان بالله مما هو من الغيب الذي أخبر الله عز وجل به نبيه عليه الصلاة والسلام وأراه إياه أو أراه إياه وأخبر أمته صلى الله عليه وسلم، وبعضها سيأتي له إن شاء الله شيء مفرد في أبواب مفردة. فأما الحديث الأول حديث ابن عباس، ففيه أولا ما رأى النبي صلى الله عليه وسلم من الأنبياء، وما ذكر من أوصافهم. وهذا علم من أعلام نبوة وصدق رسالته، فمع ما فيه من أمر الإسراء وما رأى، ففيه الإخبار بوصف الأنبياء والرسل، وما رآهم به مما يكون حجة على أهل الكتاب. فأما وصف موسى عليه الصلاة والسلام، فقوله: «آدم» أي: فيه شيء من الأدمة، أي: السمرة، كلون الجلد، الجلد لونه فيه شيء من السمرة. والطوال أي: الطويل المتطاول، يعني ليس طويلا بل فيه زيادة في الطول. وقوله: «جعدا» أي: شعره فيه شيء من الجعودة، وهو الالتواء والتقبض، فهو ليس بالمسترسل ولا هو كذلك بكامل التجعد، ولكن فيه شيء من الجعودة، ربما يقول بعض الناس بالعامية: «خواتم». وهكذا كذلك قوله: «شنوءة» أي: في طوله وسمرته يشبه قبائل شنوءة، وهي قبيلة من قبائل قحطان كما أشار في التعليق. وقوله: «مربوعا» أي: في العرب عنده شيء من العرض في الكتفين يستوي مع طوله، فهو طويل مع استواء في جسمه بهذا العرض الذي أعطاه الله عز وجل إياه. وأما قوله في التعليق: «لا طويلا ولا قصيرا» ليس هذا المقصود، بل قد وصف بالطول، ولكن معناه أن طوله مع استواء فيما ذا في عرضه، فمن الناس من هو طويل ونحيف، ومن الناس من هو طويل ويملأ طوله بملأ عارضيه فيكون بذلك معتدلا، وهذا هو المقصود: طويل معتدل، ليس بالطويل النحيف ولا الطويل المتين، ولكن طويل معتدل. وقوله: «مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض» هذا في وصف عيسى عليه الصلاة والسلام، أي: أنه معتدل القامة مع كذلك اعتدال في الجسم. وقد جعل الله عز وجل الأنبياء في أحسن صفات الناس، وهم يتفاوتون في الكمال والجمال، فكان أجملهم صورة يوسف عليه الصلاة والسلام، وأكملهم وصفا إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ومثله نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وكلهم فيهم من الكمال والجمال ما هو كمال بني آدم. وقوله: «إلى الحمرة والبياض» معناه: فيه من البياض ما يميل إلى الحمرة، وهذا دليل على شدة البياض. وقوله: «سبط الرأس» أي: أن شعره فيه ليونة حتى أنه يسترسل، حتى أنه يسترسل، وهذا يغلب على شعور بعض أهل الشرق الاسترسال في الشعر. وقوله: «ورأيت مالكا خازنا النار والدجال» هذا كذلك مما أريه نبينا صلى الله عليه وسلم في ليلة الإسراء، فنؤمن بذلك كله كما أخبر به عليه الصلاة والسلام. والدجال سيأتي باب وفصل خاص في ذكر شيء من صفاته. ثم ذكرت الآية: ﴿فَلَا تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾ يعني فيما أريه النبي صلى الله عليه وسلم، وما قد أريه من الآيات، ومنه آيات اليوم الآخر، وما عده الله عز وجل لعباده. وفي هذا الحديث من المسائل: أولا ما ذكر في أمر ليلة الإسراء والمعراج مما هو آية من آيات صدق رسالته ونبوة عليه الصلاة والسلام. وهكذا كذلك هذه الأمور الغيبية التي أخبر بها عليه الصلاة والسلام ولم يستطع أهل الكتاب أن يكذبوه فيها، كلها من دلائل صدق رسالته ونبوة عليه الصلاة والسلام، مع علمهم أنه الرجل الأمي الذي لم يقرأ ولم يكتب ولم يكن له سابق علم بعلم أهل الكتاب. وكذلك فيه من المسائل ما تقدم من إثبات حياة الأنبياء الحياة البرزخية التي هي على الوصف الخاص بالأنبياء، يزيد عن وصف الناس، ولذلك أريهم النبي صلى الله عليه وسلم في السماوات على ما ذكر في الأحاديث السابقة. وهكذا كذلك فيه من المسائل إثبات اسم ملك النار، وكذلك إثبات وجوده، وكذلك الدجال. وأما حديث ابن عباس الآخر، ففيه زيادة ذكر وصف الدجال: «أنه مكتوب بين عينيه كافر». وهذا الكتب كتب بما يكون فيه قراءة للقارئ وغير القارئ، ولا إشكال في ذلك. وسيأتي إن شاء الله الكلام عليه، إذ أن المسلم قد علم أنه كتب بين عيني الدجال كافر، فمن قرأ قرأ، ومن لم يقرأ قد سبقه من العلم ما يكون له معرفة به. وقيل: إنه لا مانع أن يكون من لا معرفة له بالقراءة أن يعرف بعض ما يقرأه القارئ، مثل النبي صلى الله عليه وسلم سماه الله أميا، ومع ذلك قد عرف بعض الكلمات كما دلت عليه الأحاديث وصحت به السنة عنه عليه الصلاة والسلام. وكذلك فيه ذكر موسى وأنه أريه عليه الصلاة والسلام، وكذلك خيل له ما كان عليه من طاعته لربه وتلبيته في حجه عليه الصلاة والسلام، وكل ذلك حق نؤمن به كما أخبر به صلى الله عليه وسلم، والله على كل شيء قدير. وفيه كذلك من المسائل: أي هذا الحديث مشروعية التلبية في الحج، وأنه من سنة الأنبياء، ورفع الصوت به، خصوصا عند الانحدار، ولا ينافيه ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جابر في التكبير إذا صعدوا والتسبيح إذا انخفضوا. وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام كذلك التلبية والتكبير. وأما حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ففيه أولا ذكر ما سبق ذكره في حديث ابن عباس من وصف موسى عليه الصلاة والسلام. وقوله: «كأنه من رجال شنوءة» تقدم، يعني جمعوا بين طول الأجسام مع سمرة الجلود، وهم قبيلة من قبائل القحطان. ورأيت عيسى «فإذا رجل ربعة أحمر» ومعناه: أنه فيه ما تقدم من اعتدال الجسم مع بياض يميل إلى حمرة. وقوله: «كأنما خرج من ديماس» الديماس هو محل الاغتسال كالحمام وغيره مما يكون صاحبه أي الذي يخرج منه زيادة في النظارة والنقاء، معناه: بياضه يميل إلى حمرة كأنما من شدة نظارته خرج من الحمام مغتسلا. وقوله: «وأنا أشبه ولد إبراهيم به» معناه: رأى إبراهيم وأشبه الناس بإبراهيم هو محمد صلى الله عليه وسلم، كأنه يقول: إذا أردتم وصف إبراهيم فأنا هو، فمن نظر إلي فكأنما رأى إبراهيم عليه الصلاة والسلام. وقوله: «ثم أتيت بإناء إلى آخره» فيه كذلك ما وقع للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو أمر قد قدره الله عز وجل، وقد علم الله عز وجل في سابق علمه ما يكون من أمر نبيه صلى الله عليه وسلم وأمته، ولكن فيه كذلك ما يكون من حكمة الله عز وجل في الامتحان، وما فيه كذلك من فضل النبي صلى الله عليه وسلم وفضل هذه الأمة. وكذلك فيه فضل اللبن وخبث الخمر، فهو مع ما علم من خبته بكثرة الأمثال المضروبة الحسنة في اللبن. وقد مر في ذكر اللبن أحاديث في فضله، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه: «ليس شيء يقوم مقام الطعام والشراب إلا اللبن». وسمي اللبن في مواضع بأنه «الفطرة» في الرؤية، وفي هذا الحديث وفي غيره، وكذلك العلم كما في حديث عمر، كل هذا يدل على فضل اللبن. وفيه كذلك موضع من مواضع تفسير الرؤية، فإذا قرن اللبن بالخمر دل ذلك على أن اللبن الفطرة والخمر الغواية، إذا قرن في المنام اللبن والخمر دل على أن اللبن الفطرة والخمر الغواية، فهذا من مواضع تفسير الرؤى. وفيه كذلك تفسير الشرب: أنه الهداية والغواية بحسب ما يوفق له الإنسان. وفيه كذلك ما تقدم خبث الخمر، وأنه مع خبته الشرعي فهو له معنى الخبث الحسي وهو كذلك، فلم يزل العقلاء يذمون الخمر وينهون ويحذرون منه، ولم يثن عليه إلا جاهل أو مكابر، وإلا فقد عرف العقلاء من المسلمين والكفار خبث الخمر فحذروا منه قديما وحديثا. وبه نعرف أن الكثير من الكفار في الحقيقة لم يؤتوا عقولا سليمة بإصرارهم على ما فيه الضر عليهم، فضلا عن طريق الهداية والاستقامة. وفيه كذلك من المسائل ما بوّب به البخاري رحمه الله من ذكر بعض صفات الأنبياء في قول: كتاب الأنبياء، باب قول الله: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾ يعني أنه قد وصف للنبي صلى الله عليه وسلم من أمر الأنبياء شيئا كثيرا مما هو حجة على أهل الكتاب، ولم يستطع أهل الكتاب أن يكذبوا من ذلك بشيء، فدل ذلك على صدق رسالته ونبوته عليه الصلاة والسلام. نكتفي اليوم بهذا القدر، وإلى هنا والله تعالى أعلم.