الدرس في مناسك الحج والعمرة 2، الدرس الثاني:من( ثانياً:على كل من أراد الحج ممن لم يسق الهدي أن ينوي حج التمتع ... إلا تفرقاً وضعفاً وخزياً وذلاً والواقع أكبر شاهد على ذلك والله المستعان ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الشيخ أحكام الإحرام بالحج والعمرة، ويبين ضرورة نية حج التمتع لمن لم يسق الهدي. كما يوضح خطوات التحلل بعد أداء العمرة والإحرام بالحج يوم التروية.
يتناول المقطع واجبات المبيت في منى والمزدلفة، ويشير إلى خلاف الفقهاء حول وجوب المبيت يوم الثامن. كما يبين الرخصة للنساء والضعفة في المبيت والمغادرة من المزدلفة.
يناقش المقطع أهمية تعليم الحجاج مناسك الحج وأحكام التوحيد، ويشير إلى ضرورة رجوع المسلمين إلى الكتاب والسنة. كما يؤكد على أن الإصلاح الحقيقي يقوم على أساس التوحيد.
يؤكد على أن الاجتماع على أصل الإسلام العظيم هو السبيل للنجاح والنصر. كما يشير إلى أن دعوات الإصلاح لا تتحقق إلا بالاتفاق على هذا الأصل.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال العلامة الألباني رحمه الله تعالى: ثانيًا، على كل من أراد الحج ممن لم يسق الهدي أن ينوي حج التمتع، لأمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه به آخر الأمر، ولغضبه على أصحابه الذين لم يبادروا إلى امتثال أمره بفسخ الحج إلى العمرة، ولقوله صلى الله عليه وسلم: «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة». ولما قال له بعض الصحابة: رأيت متعتنا هذه لعامنا هذا أم للأبد؟ شبك صلى الله عليه وسلم أصابعه واحدة في أخرى، وقال: «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة، لا بل لأبد أبد، لا بل لأبد أبد». وهذه الأحاديث كلها صحيحة، وأشار إلى تخريجها في الحاشية، بل بعضها أصلها في الصحيح. قال: من أجل ذلك أمر صلى الله عليه وسلم السيدة فاطمة وأزواجه رضي الله عنهن جميعًا بالتحلل بعد عمرة الحج. ولذلك كان ابن عباس يقول: من طاف بالبيت فقد حل سنة نبيكم، وإن رغمتم. فعلى كل من لم يسق الهدي أن يلبي بالعمرة في أشهر الحج الثلاثة. فمن لبى بالحج مفردًا أو قارنًا، ثم بلغه أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، فينبغي أن يبادر إليه ولو بعد قدوم مكة وطوافه بين الصفا والمروة، فيتحلل ثم يلبي بالحج يوم التروية، يوم الثامن. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾. وهذا التنبيه الذي أشار إليه رحمه الله تعالى إشارة إلى مسألة خلافية، الصحيح فيها التفصيل كما تقدم في مسألة حج التمتع. ومر معنا الإشارة إلى أن أهل العلم اختلفوا في حج التمتع: هل هو واجب أو مستحب؟ والصحيح التفصيل، فمن لم يأت بعمرة وهو لم يسق الهدي وجب عليه التمتع، ومن أتى بعمرة أو كان سيأتي بعمرة لكنه ساق الهدي، جاز له القران، ويدل على ذلك أحاديث، وسيأتي الإشارة إليها إن شاء الله في ثنايا هذا الكتاب. من هذه الأحاديث كون النبي صلى الله عليه وسلم حج قارنًا مع أمره للصحابة رضي الله تعالى عنه، لكونه ساق الهدي، دل ذلك أن هذا الحكم ليس لازمًا لجميع الناس، بل من ساق الهدي جاز له أن يحج قارنًا. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام حين سئل: لماذا أنت لم تتمتع؟ أخبرهم عليه الصلاة والسلام أنه ساق الهدي، حتى قال: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة». فدل هذا على أن الأفضل التمتع لا شك، لكن من ساق الهدي فإنه يحج قارنًا. بقي من أراد أن يحج مفردًا، هل يجب عليه أن يحج متمتعًا؟ الجواب: إذا لم يأت بعمرة، الإسلام يجب عليه إما متمتع وإما قارن على أحد الوصفين المذكورين: متمتع إن لم يسق الهدي، وقارن إن ساق الهدي. وإن لم يكن كذلك جاز له أن يأتي بحجة مفردة لها، ويدل عليه ما جاء في بعض روايات حديث جابر، وجاء معنا عن عائشة رضي الله عنها: «أن الصحابة حجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم، فمنهم من أهل بحج، ومنهم من أهل بعمرة، ومنهم من أهل بحج وعمرة». فدل هذا الحديث أنهم أقروا على هذا الإهلال، وهو الأصل، وبقي الصحابة رضي الله تعالى عنهم على ذلك، وسيأتي معنا إن شاء الله زيادة بيان في موضعه. فهذا هو خلاصة ما يذكر في هذه المسألة. قال: ثالثًا، إياك أن تدع البيات في منى ليلة عرفة، فإنه واجب، فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، أمر به في قوله: «خذوا عني مناسككم». والمراد ليلة عرفة، أي يوم الثامن ليلة التاسع. وتنبيهه على ذلك لأن الكثير من الحجاج تساهلوا في مسألة المبيت يوم الثامن في منى، واشتهر عند الكثير من الفقهاء أن الواجب في مبيت ليالي منى إنما هي أيام التشريق، وفي غير أيام التشريق ليس بواجب. وفي هذه المسألة خلاف، وأخذوا الوجوب من الاستثناء والترخيص من النبي صلى الله عليه وسلم لمن يسقي الناس ولمن يرعى، فقالوا: هذا الاستثناء والترخيص دل على الوجوب. ولما كان يوم الثامن لم يثبت فيه شيء من ذلك، قالوا: الأصل هو عدم الوجوب. وقال بعض أهل العلم بالوجوب، كما ذكرها هنا المؤلف رحمه الله، استدلالًا بعموم قول النبي عليه الصلاة والسلام: «خذوا عني مناسككم»، وهو أمر، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم الناس أن يتوجهوا إلى منى يوم الثامن، والأصل في هذا الأمر للوجوب. وهذا هو الصحيح، أن المبيت يوم الثامن ليلة التاسع في منى من واجبات الحج لعموم الأدلة، ولخصوصها في أمر النبي عليه الصلاة والسلام، ولا صارف لهذا الأمر، فدل على وجوبه، وهو الأصل إلا من عذر، إن كان هناك عذر، فأهل العذر معذورون حتى في ليالي أيام التشريق. قال: وعليك البيات أيضًا في المزدلفة حتى تصل الصبح، فإن فاتك البيات فلا يفوتنك أداء الصلاة فيها، فإنه أوجب منه، بل هو ركن من أركان الحج على القول الأرجح عند المحققين من العلماء، إلا للنساء والضعفة، فإنه يجوز لهم الانصراف بعض نصف الليل كما سيأتي. والصحيح أنه يلحق بالنساء والضعفة أهل الرفقة الواحدة، فقد رخص النبي صلى الله عليه وسلم لرفقة النساء أن يمشوا مع النساء. ولأن أهل المركوب الواحد قد يتضررون بتفرقهم، فإذا كان الضعفة يحتاجون إلى الرخصة ولا يمكنهم الانتقال إلا بمن ينقلهم، فمن ينقلهم يرخص له تبعًا. هذا أولًا لما ورد في عموم الأدلة، وثانيًا للقواعد الفقهية العامة في هذا الباب: يثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا. لا يجوز للقوي أن يترخص في موضع لا رخصة له فيه، لكن يجوز إذا كان تبعًا لمن له رخصة. وقد كان شيخنا محمد بن الصالح رحمه الله يفتي أن أهل المركوب الواحد يجوز لهم أن يأخذوا بهذه الرخصة إذا كان في تفرقهم ضرر ومشقة، مثل الغرباء الذين يأتون من بلاد بعيدة ولهم مركوب واحد، مثل حافلة واحدة، وأكثر الحافلة نساء وأطفال وضعفة، وبعض الأقوياء الذين فيها غرباء وهم مرافقون لهؤلاء الذين في الباص من الضعفة، فهنا يرخص للجميع ما دام الأمر كذلك أن يأخذوا بالرخصة. أما من كان قويا وحده أو كان مع مركوب واحد فيه ضعفاء لكنه يستطيع أن ينفصل عنهم، فالصحيح أنه يجب عليه أن ينزل ويترك الرفقة تمشي وهو يبقى ويبيت، ولا ينبغي أن يأخذ بالرخصة وهو ليس له رخصة. وسيأتي إن شاء الله الإشارة إليه في موضعه. قال رابعًا: واحذر ما استطعت أن تمر بين يدي أحد من المصلين في المسجد الحرام، فضلًا عن غيره من المساجد، وغيرها، لقوله صلى الله عليه وسلم: «لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خيرًا له من أن يمر بين يديه». فهذا نص عام يشمل كل مار ومصل، ولم يصح حديث في استثناء المار في المسجد الحرام. وعليك أن تصلي به كغيره إلى سترة، لعموم الأحاديث الواردة في ذلك، وفيه آثار خاصة عن بعض الصحابة مذكورة في الأصل، أي في أصل هذا الكتاب: حجة النبي صلى الله عليه وسلم. أشار بهذا التنبيه الرابع إلى مسألتين: المسألة الأولى: لا يجوز المرور بين أيدي المصلي ولو كنت في أحد الحرمين الشريفين. وما اشتهر بين العامة أن هذا يسقط في الحرمين هذا خطأ وليس بصحيح، وليس فيه شيء يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام. بل الأحاديث الواردة في الأمر بالسترة جاءت في الحرمين، حدث النبي عليه الصلاة والسلام وأمر بالسترة ونهى عن المرور بين يدي المصلي لمن كان في مسجده، وهكذا في حديث أبي سعيد: كذلك كان في المسجد الحرام، وأمر النبي عليه الصلاة والسلام بمدافعة المار ومقاتلته، فإنه الشيطان، وفعل ذلك أبو سعيد رضي الله عنه في مسجد الكعبة، فدل على أن النصوص وفهم السلف لم يكن فيه التفريق بين الحرم وبين غيره على الصحيح. لكن نبه العلماء هاهنا لمسألتين: المسألة الأولى: لمن صلى في طريق الناس ومطافهم وسعيهم، فهذا لا حرمة له لأنه هو المعتدي، فيقال له: لا تصلي هاهنا واذهب وصلي حيث يصلي الناس. بعض الناس يأتي فيصلي في وسط وفي طريق الطائفين، هذا لا حرمة له، وصلاته تبطل بمرور النساء، ولا حرمة له، بل هو معتدي ومؤذي للناس، والواجب إبعاده ونصحه باجتناب الصلاة في هذا المكان، فلا يمنع طائف أن يطوف، صلاة مصل في مكان طواف الناس، هذه مسألة ونحوها ما كان بمعناها مما فيه الإضرار بالناس. الثانية: قد يحتاج الإنسان وقت الاضطرار المرور بين يدي المصلي مع كثرة الزحام، فالضرورات تبيح المحظورات، فمن حبس بوله أو كان عنده ما قد يضره فلم يستطع المرور والخروج إلا أن يمر بين يدي بعض المصلين، فهنا نقول: الضرورات تبيح المحظورات على القاعدة التي دلت عليها نصوص كثيرة من الكتاب والسنة. وأما أن يقال: أنه لا حرمة للمصلي ولا حكم للسترة في الحرمين، فهذا ليس بالصحيح وخطأ. وأما المسألة الثانية فمسألة وجوب أو استحباب اتخاذ السترة على أحد قولين مشهورين لأهل العلم، فهذا الحكم عام في الحرمين وفي سائر المساجد. ومن زعم أن المسجد الحرام لا يلزم ولا يستحب فيه اتخاذ السترة، فهذا خطأ ليس بصحيح، بل الأدلة كلها تدل على خلاف ذلك، وكلها وردت في المسجد النبوي، ومعناه المسجد الحرام، فيستحب في قول جمهور أهل العلم اتخاذ السترة حتى في المسجد الحرام، وفي قول بعض أهل العلم هو الصحيح يجب، لما ورد من أمر النبي صلى الله عليه وسلم باتخاذ السترة، وهذا عام يشمل مسجد الحرام وغيره. قال خامسًا: على أهل العلم والفضل أن يعلموا الحجاج حيثما التقوا بهم مناسك الحج وأحكامه وفق الكتاب والسنة، وأن لا يشغلهم ذلك عن الدعوة إلى التوحيد الذي هو أصل الإسلام ومن أجله بعثة الرسل وأنزلت الكتب. فإن أكثر من لقيناهم حتى بعض من ينتمي إلى العلم وجدناهم في جهل بالغ بحقيقة توحيد الله وصفاته، كما أنهم في غفلة تامة عن ضرورة رجوع المسلمين على اختلاف مذاهبهم وكثرة أحزابهم إلى توحيد كلمتهم وجمع صفوفهم على أساس الكتاب والسنة في العقائد والأحكام والمعاملات والأخلاق والسياسة والاقتصاد وغير ذلك من شؤون الحياة. وأن يتذكروا أن أي صوت يرتفع وأي إصلاح يقوم على غير هذا الأصل القويم والصراط المستقيم، سوف لا يجني المسلمون منه إلا تفرقة وضعفًا وخزيًا وذلًا، والواقع أكبر شاهد على ذلك، والله المستعان. وهذا التنبيه الخامس تنبيه لأهمية الاعتناء ببث العلم في الناس، ومن أهم ما ينبغي بثه في الناس من العلم علم التوحيد، فإنه من أول ما يؤمر به، وهكذا مناسك الحج وأحكامه، فإن الكثير من الناس يجهلون أحكام الحج ومناسك الحج، وهكذا ما يلحق بذلك من الأصل الثالث الذي أشار إليه وهو ضرورة رجوع المسلمين إلى الكتاب والسنة في سائر شؤون حياتهم، سواء في العقائد أو الأحكام المعاملات والأخلاق أو غير ذلك. فإذا حصل ذلك حصل لهم الاجتماع والقوة، وإذا لم يفعلوا ذلك حصل لهم التفرق والنزاع، والنزاع سبب الفرقة والضعف: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾. وأشار رحمه الله بهذه الكلمات إلى أن أكثر من يحضر الحج هم من يفتقد ويفتقر إلى هذه المعاني والأسس العظيمة التي ينبغي أن يعتني بها طلبة العلم وأهل العلم. وأن كل من نادى بنداءات مجملة فيها الإصلاح وفيها الأمر بالاجتماع والأمر كذلك بمعاداة الأعداء، أنه لن يفلح في دعواه إلا إذا اجتمع المسلمون على هذا الأصل العظيم، لأنه هو الإسلام الحق الذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام، وما سوى ذلك فباطل لا يكون به النصر. نقف هاهنا ونكمل إن شاء الله في درس لاحق، والله تعالى أعلم.