الدرس الخامس:من(ويجوز للمرأة المحرمة أن تغطي وجهها بملاصق خلا النقاب والبرقع ...للمحرم لبس مقطوع إلى الكعبين مع وجود النعل واختاره ابن عقيل في المفردات وأبو البركات)
يناقش هذا الفصل مسائل الإحرام الخاصة بالمرأة، مثل حكم تغطية الوجه أثناء الإحرام والفرق بين النقاب والبرقع وغيرهما من أنواع الحجاب. يوضح الفصل ضوابط ستر الوجه للمحرمة.
يتناول هذا الفصل مواقيت الإحرام للحج والعمرة، ويشرح آراء الفقهاء في حالات مختلفة مثل المرور بميقات أثناء التوجه إلى مكة. يبين الفصل الراجح في هذه المسائل الفقهية.
يناقش هذا الفصل حكم لبس الخفين للمحرم، حيث يتناول آراء العلماء المختلفة حول الموضوع. يرجح الفصل أن حكم القطع منسوخ، ويجوز للمحرم لبس الخفين إذا لم يجد نعالاً.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال، ولو أحرم بالحج ثم أدخل عليه العمرة لم يجوز على الصحيح، ويجوز العكس باتفاق. وهذا كذلك سبق، ما هو المراد بهذا؟ ولو أحرم بالحج ثم أدخل عليه العمرة، عندك بالكتاب، ولو أحرم بالحج ثم أدخل عليه العمرة لم يجوز على الصحيح. ما هو الذي لا يجوز؟ يغير النية فقط؟ أم يغير العمل؟ مع النية؟ ما هو العمل الذي يتغير؟ نعم؟ ما هو العمل الذي يتغير؟ أو من إفراد إلى قران، من إفراد إلى قران؟ ولو أحرم بالحج يعني فقط كان مفردًا، ثم أدخل عليه العمرة لم يجوز على الصحيح، يعني يجعل العمرة مع الحج قارنًا، لا يصح لعدم ثبوته أولًا، ولكونه كذلك فيه منافاة لشرط القران، وهو سوق الهدي. ويجوز العكس، وهو أن يخرج العمرة فيتحلل، بدل أن يكون قارنًا يصير متمتعًا، هذا جائز، وقد صح وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بذلك. وهذا لمن لم يسق الهدي، لابد من هذا الشرط والقيد لمن لم يسق الهدي. وأما من ساق الهدي، فإنه لابد أن يبقى على قرانه، يعني القارن يجوز أن يكون متمتعًا إذا لم يسق الهدي، بل لابد من ذلك على الصحيح. قال رحمه الله تعالى: ويجوز للمرأة المحرمة أن تغطي وجهها بملاصق خل النقاب والبرقع، ويجوز عقد الرداء في الإحرام ولا فدية عليه فيه. وهذه من مسائل الإحرام، وهو يشير رحمه الله إلى المسائل أو بعض المسائل التي ناسب المقام أن ينبه عليها أو نقلت عنه. فذكر جامع هذه الاختيارات يقول: يجوز للمرأة المحرمة أن تغطي وجهها بملاصق خل النقاب والبرقع، يعني إلا النقاب والبرقع، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن أن تنتقب المرأة المحرمة، كما جاء في الصحيحين في حديث بن عمر. والبرقع بمعنى النقاب، فكل ما يشد على الوجه من نقاب، وهو الذي يكون في أعلى الأنف وله زيادة في الجبين، ويعرفه الناس إلى يومنا هذا. والبرقع وهو الذي يكون أكثر نزولًا من النقاب، ينزل قليلًا، ويعرفه كذلك النساء اليوم، ربما يكون فيه خيط عند بعض البدويات وهكذا اللثام، وهو الذي يغطي شيء من الأنف والفم، وتلبسه بعض النساء نجد، وهو معروف عندهم إلى يومنا هذا كذلك، لأن الجميع يشد على الوجه ويحلق به. ولهذا نبه العلماء والمحققون منهم إلى تنبيه دقيق لطيف، كما نبه على ذلك الإمام بن القيم رحمه الله، أن النهي عن النقاب والقفازين بالنسبة للمرأة يدل أن وجهها كجسد الرجل، لا كرأسه، يدل أن وجه المرأة كجسد الرجل لا كرأس الرجل. إيش الفرق بين جسد الرجل والرأسه؟ ما هو الفرق؟ ما هو الفرق بين الجسد والرأس؟ نعم، ما هو الفرق بين الجسد والرأس؟ الرأس لا يجوز تغطيته مطلقًا، لا بما يحلق عليه ولا بما يوضع عليه، بخلاف الجسد، الجسد لا يجوز أن يكون عليه ما يحلق، وهو ما يسميه الفقهاء بالمخيط، لكن هل يترك الجسد عريانًا؟ لا، أنت تستره، لا بد تستر الجسد، بماذا تستره؟ تستره بثوب لا يحلق على الجسد، وهو ما يسميه الفقهاء بالمخيط. فلا يلبس المحرم القلانس ولا السراويل ولا القميص، لأنه يحلق، وهكذا لا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين، فوجه المرأة كجسد الرجل لا كرأس الرجل. ومعنى كون أن النبي عليه الصلاة والسلام ينهى عن لبس النقاب، ليس معنى أن تكشف وجهها مثل الرجل يكشف رأسه، ولا يغطيه بشيء أبدًا، لا، لأن وجه المرأة كجسد الرجل لا كرأسه. فإذن لا تنتقب، لكن تغطي الوجه بشيء آخر، تغطي الوجه بشيء آخر. وهذه المسألة أخطأ فيها الكثير من أهل العلم، فظنوا أن المحرمة لا تغطي وجهها كما أن الرجل لا يستر رأسه، فإذن تترك المحرمة وجهها مكشوفًا، وهذا خطأ وليس بالصحيح، لأن رأس الرجل ليس كوجه المرأة، بل وجه المرأة كجسد الرجل. الرجل حين نهي عن لبس القميص والسراويل، ليس معنى أن يمشي عريانًا، لا يستره بشيء آخر، لا يكون محلقًا، وكذلك المرأة، ليس معنى أن تكشف وجهها، بل تستره بشيء آخر. ولهذا قال: ويجوز للمرأة المحرمة أن تغطي وجهها بملاصق خل النقاب والبرقع، يعني إلا النقاب والبرقع، فلا يجوز للمحرمة أن تفعل. أما أن تغطي وجهها فلابد، طيب قد يقول قائل: هل في قوله: ويجوز، معناه أنه لا يجب؟ الجواب: المرأة جنس يدخل تحته الكبيرة والصغيرة، ومن يجب عليها ستر وجهها ومن لا يجب، فالكلام على الجواز لأجل أن يبين هذا فيما يتعلق بمحظورات الحج، وليس هو يتكلم على وجوب وعدم وجوب، وهذه مسألة أخرى. والصحيح أن المرأة يجب عليها أن تستر وجهها إلا امرأة كبيرة، فيجوز لها أن تكشف، والأفضل أن تتعفف، أن يتعففنا خير لهم. فقوله: ويجوز للمرأة أن تغطي وجهها، وهذا الذي فعله كذلك نساء الصحابة، كما جاء معناه في حديث أسماء وعائشة، فكنا إذا مر بهم الركبان أسدلن، وإذا لم يكن هناك الركبان كشفن عن وجوههن. ومعناه أن المحرمة لا تكشف وجهها أمام الرجال الأجانب، بل تستره، لكن بغير النقاب، وما كان بمعناه مما يشد على الوجه. وهنا يأتي سؤال يكثر وروده، وهو أن المرأة التي لا تلبس هذا الحجاب الذي عندنا، نحن عندنا الحجاب في بلاد اليمن، وهو ما يسمى بالشرشف، أو يسميه بعضهم باسم آخر، إيش يسمونه؟ جلباب، يعني بمعنى أوسع، لكن هنا له مسمى خمار. أيضًا بعضهم يقول خمار، مع أن الخمار يكون للرأس فقط، لكن هذا الذي ينزل من أعلى إلى نصف الجسد، من نصف الجسد، يسمى شرشف، ويسميه بعضهم خمارًا، وبرنص، وجلباب، المهم هذا الذي ينزل من أعلى إلى أسفل، لا إشكال فيه، لأنه ليس فيه شد، فهذا سدل، هذا سدل، هذا سدل. لكن يشكل على بعض الناس إذا لبسوا حجابًا آخر، مثل حجاب السعودي، أو بعض أهل المغرب، تعرفون العباءة السعودية، فهذه الأنواع من العباءات، ستر الوجه يكون بشيء يربط في أعلى الرأس، شيء يربط في أعلى الرأس، فيكون مسدلًا من أعلى الرأس إلى أسفل، لكن مشدود في أعلى الرأس، وفوقه يأتي تأتي العباءة الكبيرة التي من فوق الرأس، لأن مكان الوجه مكشوف. فهل هذا الشد يدخل في معنى النقاب؟ الجواب: لا، لا يدخل هذا في معنى النقاب، فإن قال قائل: لماذا؟ وهذا شد. الجواب: هذا الشد على الرأس، وليس على الوجه، وهي تزدله من أعلى الرأس، وليس من الوجه، ولذلك إذا رفعته المرأة إلى أين ترفعه؟ ترفعه إلى أعلى، ترفعه إلى أعلى الرأس، بخلاف النقاب والبرقع واللثام، وما كان واللجام كذلك، وهذه أربعة أشياء كلها تشد على الوجه. فما يشد على الوجه هذا المحظور، وما لا يشد على الوجه، ولو ربط في أعلى الرأس، فهو ليس بمحظور. وهذه هي فتوى مشايخنا، من مشايخنا المعاصرين، كالشيخ عبد العزيز بن باز، رحمه الله، والشيخ محمد بن صالح تيمين، وغيرهم كثير من أهل العلم. وقوله: ويجوز عقد الرداء في الإحرام، ولا فدية عليه فيه، عقد الرداء، الرداء الذي يكون في أعلى الجسد، يلبس المحرم إزارًا، وهو في أسفل الجسد، ويكون مفتوحًا، مثل ما نسميه نحن بالسباعية، أو المعوز، وأما ما يسمى بالفوطة، وهو المحلق، فلا يجوز للمحرم أن يلبسه، إلا إذا شقه، شقه وصار مفتوحًا، يجوز أن يلبسه. وأما ما دام هو محلقًا، فلا يجوز أن يلبسه، ولكن يلبس ما هو مفتوح، فهذا المفتوح إذا عقده لأجل أن لا ينفك عليه، بعض الناس ما يحسن التعامل مع ما يشد به الإزار من حزام أو سيور أو غيرها، لكنه يحسن شد ذلك بعقده، يأخذ الطرف والطرف بعد لفه، ويعقد، وهكذا. كذلك أيضًا بعضهم يحب أن يكون رداءه، وهو ما يكون في أعلى الجسد، معقودًا، يعني يأخذ طرفه وطرفه، ويعقد من أجل لا ينفك عليه بالهواء أو بالحركة أو بغير ذلك، فهل يجوز هذا العقد؟ الصحيح أنه يجوز، لأنه ليس من أصل تحليق الثوب المنهي عنه. فعقد الرداء، وهكذا كذلك الإزار في الإحرام، لا يضر، والذي نهي عنه إنما هو لبس ما هو محلق من أصله، كالسراويل، وكالقميص، وغيره، بل القميص إذا لبس على غير معنى التحليق، جاز، مثلا إنسان صعد على الطائرة، فنسي الإحرام في أسفل العفش، وأراد أن يحرم، إذن كيف؟ بماذا يحرم؟ يقول: ما عندي إلا أن أخلع قميصي وألبسه بالعرب، بدل أن ألبسه بالطول، ألبسه بالعرب، وأجعله إزارًا، هل يجوز؟ الجواب: نعم، يجوز. ويأخذ العمامة، ويجعلها رداءً، إلى أن ينزل إلى المطار، يأخذ عفشه، ويلبس الإحرام، فمثل هذا لا يضر، ولو لبس القميص، لكنه لم يلبسه على هيئته التي يكون بها التحليق على الجسد، وهذا هو المنهي عنه، وقس على ذلك كل ما كان بمعناه من المنهيات التي نهي عنها، والمحظورات المذكورة في كتب الفقه. قال رحمه الله: ومن ميقاته الجحفة، كأهل مصر والشام، إذا مروا على المدينة، فلهم تأخير الإحرام إلى الجحفة، ولا يجب عليهم الإحرام من ذي الحليفة، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك. وهذه مسألة أخرى في مسألة المواقيت، وقد مر في دروس الفقه أن للحج مواقيت زمانية ومكانية. وكما تقدم المؤلف رحمه الله، لا يذكر تفاصيل المسائل، وإنما المقصود التنبيه على الاختيارات في المسائل التي اختلف فيها، على هذه الكتب والأبواب والفصول. فللحج مواقيت زمانية، وهي: شوال، وذي القعدة، وعشر ذي الحجة، ومواقيت مكانية، ما هي؟ ذي الحليفة لمن؟ لأهل المدينة، ومن مر بها، والجحفة لأهل الشام، ومن مر بها، ويا لمن؟ لأهل اليمن، ومن مر بها كذلك، نعم، قرن المنازل لمن؟ لأهل نجد، ومن مر بها. هذه أربعة مواقيت، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «هن لهن، ولمن مر عليهن من غير أهلهن، ممن أراد الحج أو العمرة». وهنا نبه أهل العلم أن من أراد الحج أو العمرة، ومر بهذه المواقيت، فعليه يحرم منها، لكن إذا كان سيمر بأكثر من ميقات، فهل يجب عليه أن يحرم من أول ميقات، أو يجوز أن يحرم من الميقات التالي؟ الصحيح أنه إذا كان سيمر من الميقات التالي، يجوز، والأفضل أن يحرم من الميقات الأول. فمثلًا هذه المسألة التي أشار إليها، وهي في أهل مصر والشام، فأهل مصر والشام إذا مروا بالمدينة، الأصل ميقاتهم الجحفة، لأن الجحفة إلى الساحل أقرب، وأهل مصر والشام، مرورهم بالساحل أقرب من مرورهم في الأعلى. فميقاتهم الجحفة، فإذا مروا بالمدينة، هل يجب عليهم أن يحرموا من ذي الحليفة؟ لأنهم دخلوا المدينة، أشار شيخ الإسلام هنا أنه لا يجب، بل يجوز لهم تأخير الإحرام إلى الجحفة، وفي هذا خلاف، كما أشار، بل هو قول الحنابلة والشافعية، كما هو ظاهر كلامي رحمه الله. ومع ذلك خالف شيخ الإسلام قول الحنابلة، وهو المذهب، حتى به يعلم أن شيخ الإسلام لم يكن حنبليًا متقيدًا بما في المذهب، بل يأخذ بما تبين له أنه الراجح. وهذا هو الصواب، يجوز له أن يأخذ الميقات الثاني، والأفضل لا شك أنه يحرم من الميقات الأول، خصوصًا إذا خشي أن لا يدرك الميقات الثاني. فمثلًا طريق الناس اليوم في الخط السريع بين المدينة ومكة، لا يمر بميقات الجحفة، لكن يمر بمحاذاة الجحفة، فهناك علامات في الخط السريع بين المدينة ومكة، بعد كذا وكذا كيلومتر، محاذاة ميقات الجحفة، حتى تأتي إلى محاذاة ميقات الجحفة، لماذا وضعوا هذا التنبيه؟ لأجل هذه المسألة. فإذا مر الشامي أو المصري أو حتى على الصحيح النجدي أو غيرهم، فلم يحرم من ذي الحليفة، جاز له على الصحيح أن يحرم من الجحفة، أو ما حاذى الجحفة، أو ما حاذى الجحفة، لأن الذي يأخذ هذا الخط لن يمر بالجحفة، لكنه سيمر بماذا؟ بمحاذاة الجحفة. وتأتي هنا مسألة يكثر السؤال عنها، وهي أن بعض إخواننا إذا خرجوا من اليمن برًا أو جوًا، أخذتهم حملات الحج إلى المدينة أولًا، فربما مروا بميقات أهل اليمن، فيسمعون من بعض أهل العلم أنه يجب عليهم أن يحرموا من ميقات أهل اليمن، لأنهم مروا بالميقات، ويريدون الحج والعمرة، فيلزمونهم بذلك. فيبقى محرمًا في المدينة، كم يوم؟ ثمانية، أربعة، خمسة أيام، ثم يرجع إلى مكة، وفي هذا مشقة عليه شديدة، ومضرة. والصحيح أنه لا يجب عليه أن يحرم، أي: إذا مر بالميقات، وهو لا يريد الآن التوجه إلى مكة، ما دام أنه مر بالميقات، وهو يريد المدينة، فلا يحرم إلا من المدينة، ولا حرج عليه في ذلك. وهذه فتوى شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز، رحمه الله، وهكذا الشيخ محمد بن صالح لتيمين، وجماعة من أهل العلم، وإن كان هناك فتاوى لبعض مشايخنا، وبعض علمائنا المعاصرين، خلاف هذا، لكن هذا هو الصواب، وظاهر كلام شيخ الإسلام، كما ترون في هذه المسألة، يدل على عين هذه المسألة التي أشير إليها. وهكذا كذلك تأتي مسألة أخرى، هي قريبة من هذه المسألة التي أشار إليها، وينبع عليها، لأن بعض إخواننا سيذهب إلى الحج، وتمر به وبإخوانه ورفقائه، مثل هذه المسائل، فيحتاج أن يطلع عليها، وعلى كلام أهل العلم فيها، وهي أن بعض الناس يمر بطريق ليس فيه ميقات من المواقيت، فماذا يصنع؟ من أين يحرم؟ هل يجب عليه أن يرجع إلى المكان الذي فيه الإحرام؟ أم يكفيه أن يحاذي؟ الصحيح أنه يكفيه أن يحاذي، ولكن ينبغي أن يكون عنده علم ومعرفة، ويسأل أو يسأل أهل العلم والمعرفة، لأنه ليس كل أحد يحسن معرفة المحاذاة، على أن غالب الطرق التي فيها محاذاة، بفضل الله عز وجل، وتيسيره. وقد وفق الله عز وجل الجهات المسؤولة في برداد الحرمين، إلى وضع إشارات وعلامات تنبه على ذلك، مثل ما قلنا في طريق المدينة، نبها إلى محاذاة الجحفة، وهكذا كذلك، مثلا اليوم الخط الجديد الذي يمر في الخط السريع من جيزان إلى جدة، فإنه لا يمر بميقات أهل اليمن، يلملم، ولكن يمر بمحاذاته. بعض الناس يتكلف، ويسمع فتاوى فيها تشديد في هذا الباب، فيقول له: يجب عليك أن تمر من ذاك الطريق، بعضهم ينزل في الطريق، وبعضهم يصل إلى جدة، ويرجع مرة أخرى إلى يلملم، أو السعدية، أي ميقات أهل اليمن، وغير ذلك، وهذا خطأ، والصواب أنه يجزئه أن يحرم من محاذاة الميقات، ولو لم يمر على الميقات. فمثلًا من يذهب من في طريقه من جيزان إلى جدة، قال: رفقة الحج، والمسؤولون على الباص الذي هو فيه، الباص لن يمر على الميقات، ولكنه سيذهب إلى جدة مباشرة، فهنا آخر محطة يقف فيها الباص قبل الميقات، مثلا في مدينة الليث، وغالبًا ما يقف الباص في هذه المدينة، إذا وافق وقت الصلاة. فإذا وقف في هذه المدينة، تجهز بإحرامه، اغتسل، ولبس ثياب الإحرام، وركب مع الراكبين، فإذا مشى الباص بعد ساعة تقريبًا، أو ساعة وبضع دقائق، سيمر بمحاذاة الميقات، لن يمر على الميقات، لكن سيجد علامات وإشارات تنبه على محاذاة الميقات، فمن ذاك المكان يدخل في الإحرام، يقول: «لبيك اللهم عمرة»، أو «لبيك اللهم حجا وعمرة»، إلى آخره، مما تقدم التنبيه عليه في الدخول في النسك، ويلبي. ولا يلزمه على الصحيح أن يمر بنفس الميقات، ولا يجب عليه الرجوع، وهكذا يقال فيمن مر من طريق الطائف، إذا لم يمر به، وكثيرًا ما يصنع ذلك بعض أرباب السيارات، وقائد الحملات، ربما يتساهلون إذا كانت الرفقة فيها الكثير من العوام، ومن يجهل الحكم، ومن لا يحرص على السنة، يمشون إلى مكة، ثم بعضهم يحرم من جدة، كما يفعل الكثير من العامة، وهذا خطأ. فجدة على الصحيح ليست بموضع من مواضع الإحرام، وليست بميقات، فإذا مر مثلا بمدينة الطائف، ولم يمر بالميقات، وهذا يحصل لمن يأتي من اليمن من الجهات الشمالية، فيمر بمدينة الطائف، ولا يمر بالميقات، فهنا ينظر إلى محاذاة الميقات، وهو ما يسمى بالسيل الكبير. فإذا مر بالمدينة، وخرج منها، سيرى علامات تدل على السيل الكبير، ومكانه، فإذا مرت بهذه العلامات، يحرم من ذلك المكان. فالمهم المقصود التنبيه أن من لم يمر بالميقات، أجزأه أن يحرم بمحاذاة الميقات. قال رحمه الله تعالى: ويجوز للمحرم لبس مقطوع إلى الكعبين، ويجوز للمحرم لبس مقطوع الخف إلى الكعبين، مع وجود النعل. واختاره ابن عقيل في المفردات، وأبو البركات. المحرم نهي أن يلبس الخفين إذا وجد النعلين، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ولا البرانس، ولا الخفاف». يعني: لا يلبس المحرم الخف، والخف هو ما يلبسه الإنسان في أسفل الرجل، ويغطي الكعبين، وبمعناه الشراب، وكل ما ستر الرجل إلى أعلى الكعبين، فهو يدخل في هذا الحكم، لا يجوز للمحرم أن يلبسه، لأنه في معنى السراويل، وفي معنى القميص. ويجوز له أن يلبس النعلين، وما كان بمعناها، حتى ولو كانت ما يسميها الناس بالجزمات، أو الكنادر، لكنها أسفل من الكعبين، أسفل من الكعبين. أما أعلى من الكعبين، لا يجوز، ثم تأتي هنا مسألة، وهي أنه صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «فمن لم يجد نعلين، فليلبس الخفين، وليقطعهما أسفل من الكعبين». وجاء حديث آخر، هذا الحديث هو حديث ابن عمر في الصحيحين، وجاء لفظ آخر من حديث صحابي آخر، وهو ما جاء من حديث ابن عباس، ومعناه كذلك عن غيره. أنه قال عليه الصلاة والسلام: «من لم يجد نعلين، فليلبس الخفين»، ولم يذكر القطع أسفل من الكعبين، وهذا حديث ابن عباس في الصحيحين كذلك، قال عليه الصلاة والسلام: «من لم يجد إزارًا، فليلبس سراويل، ومن لم يجد نعلين، فليلبس خفين». وذكر ابن عباس أنه قال ذلك عليه الصلاة والسلام في خطبة عرفة. وفي حديث، وفي حديث جابر، وفي حديث جابر بن عبد الله في صحيح مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «من لم يجد نعلين، فليلبس خفين، ومن لم يجد إزارًا، فليلبس السراويل». وقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة، هل هذه الأحاديث التي جاءت بعدم ذكر القطع منسوخة بأحاديث القطع، أو مقيدة بها؟ أم العكس؟ أحاديث القطع منسوخة بأحاديث أو بأحاديث عدم القطع؟ اختلف أهل العلم في هذا. فمن أهل العلم من قال بالأول، ومن أهل العلم من قال بالثاني، ومنهم من قال غير ذلك، في تفاصيل كثيرة. والصحيح في هذا أن الأحاديث التي فيها عدم القطع، هي المتأخرة، وهي التي تقدم في هذا الباب، وقد روي عن عمر بن دينار أنه قال: «انظروا أي هذه الأحاديث كان قبل». ومعنى أنه يؤخذ بالقول الأخير. وهذا الذي رجحه الإمام أحمد رحمه الله، وجماعة، فقالوا: أن القطع منسوخ، وأيد ذلك الإمام بن القيم رحمه الله، بأمرين، الأمر الأول: أنه يدخل في هذا القول ما يؤيده من قاعدة عدم البيان وقت الحاجة، ممتنع، فكونه عليه الصلاة والسلام يخطب في عرفة، والناس بحاجة إلى أحكام الحج، فلا يذكر قطع الخفين، هذا يؤيد أن عدم القطع قد نسخ القول بالقطع. ويؤيد ذلك أنه كان في عرفة، أي: متأخر، وحديث ابن عمر إنما هو في المدينة، حديث ابن عمر في المدينة، فلهذا أخذ القول المتأخر، وأيده كذلك بمعنى قاعدة أخرى، أشار إليها بعض الأصوليين، وهي أن المطلق لا يحمل على المقيد في مواضع، وقد استثنى العلماء من حمل المطلق على المقيد استثناءات، وقد ذكر ذلك في بعض المطولات، كتب الأصول. ونبه عليها بعض الشراح، فحمل المطلق على المقيد، ليس على إطلاقه، بل استثنى العلماء منه استثناءات، ومن هذه الاستثناءات: إذا كان قد قيد بأكثر من قيد، فإنه لا يحمل المطلق على المقيد، وله أمثلة، ومن هذه الأمثلة: ما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام في نهي المرأة أن تسافر من دون محرم، قيد بيوم ويوم وليلة، ويومين وثلاثة أيام. ولهذا كان الصحيح أنها لا تسافر من دون محرم في كل ما يسمى سفر، وإنما تلك القيود ليست قيودًا، خرجت مخرج الغالب، خرجت مخرج الغالب. ومنه كذلك هذه المسألة، في استثناء آخر، وهذا الاستثناء هو أن المطلق لا يحمل على المقيد، إذا كان على المعنى المتقدم، وهو يعارضه عدم البيان وقت الحاجة. وهذا الذي أشار إليه إمام بن القيم رحمه الله، فالخلاصة صار حكم القطع الصحيح أنه منسوخ، فإذا اضطر الحاج أن يلبس الخفين، لأنه ليس عنده النعال، فيجوز له أن يلبس الخفين، ولا يجب أن يقطعهما. وأما قوله: ويجوز للمحرم لبس مقطوع إلى الكعبين، مع وجود النعل، هذا من باب أولى. واضح، إذا كان لا يجد النعل، يجوز له أن يلبسها وهي غير مقطوعة على الصحيح، كما تقدم، فمن باب أولى إذا كانت النعل موجودة، والخف مقطوع، يجوز له أن يلبس الخف المقطوع، لأنه يوافق حديث ابن عمر، وهكذا حديث ابن عباس، فلا معارضة. وإلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.