الدرس في كتاب الوصية من الاختيارات الفقهية 12، الدرس الثاني عشر:من( باب الموصى إليه ... ويجوز للوصي صرف الوصية فيما هو أصلح من الجهة التي عينها الموصي ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل أحكام الوصية والولاية على الميت، حيث يشرح الولاية للوصي الخاص والاعتراض للولي العام في حالة وجود محظور شرعي. كما يبين كيفية التعامل مع التبرعات من مال الوصية والادعاءات بالدين على الميت.
يناقش هذا الفصل تنفيذ الوصية وإخراج الدين من رأس المال، مع تقديم الواجبات على التبرعات. يوضح دور الوصي في تنفيذ الوصية وفقًا للقرائن والبينات.
يتناول هذا الفصل التصرف في التركة وتنفيذ قصد الموصي، حيث يشرح كيفية التعامل مع الديون والوصايا في حالة النزاع. كما يبين أهمية اتباع قصد الموصي في تنفيذ الوصية.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله: باب الموصى إليه. ومن أوصى بإخراج حجة، فولاية الدفع والتعيين للوصي الخاص إجماعًا، وإنما للولي العام الاعتراض عليه لعدم أهليته أو فعله محرمًا. ومعنى أنه إذا وقعت وصية في معنى خاص، وكان تحت هذا أو مع هذا الموصى أو الوصي من هو أولى منه من الولي العام، مثلاً أبناء ومع هؤلاء الأبناء أب، فأوصى أحد هؤلاء الأبناء الذي كان في مرض الموت أن يحج عنه أحد إخوته لما يرى من دينه وصلاحه، فهنا يقول: الدفع والتعيين للوصي الخاص؛ لأن الميت لمعنى عين هذا بعينه أن يحج عنه أو أن يتكفل بموضوع الحج، فهنا هو الذي يتولى ذلك. وإنما للولي العام الاعتراض عليه، يعني إذا كان هناك مثلاً أب أو أي معنى من معاني الولاية العامة، سواء عامة فيها شيء من الخصوص أو حتى من هو أرفع من ذلك، حتى ولو وصل إلى القاضي ونحوه، فله أن يعترض إذا كان هناك معنى من معاني عدم الأهلية أو كونه وقع في شيء محرم. كأنه يقول: الأصل هو إمضاء الوصية بمعناها الخاص، ولو وجد من هو أولى منه، ولو وجد من هو أولى منه. وهذا يقع كثيرًا ويحصل به إشكال عند بعض الناس، قد يوصي الرجل مثلاً أحد بناته بوصية خاصة، فقد يعترض على هذه الوصية بعض أولياء الميت ممن لهم كلمة أعظم من البنت، فليس لهم حق أن يعترضوا على هذه الوصية أو يقوموها بتوجيهها أو صرفها، ما دام في أمر يجوز وليس فيه محظور شرعي. أما إذا كان الوصية فيها معنى محظور، سواء مثلاً عدم الأهلية كما أشير إليها هنا، كان يعطى لرجل تارك صلاة، كيف يمكن أن يحج؟ أو كذلك لمن هو غير مميز ولا يحسن أداء هذه الأمانة، أو كذلك كان فيه معنى محرم كوصية في شيء من البدع والخرافات، فيجوز هنا الاعتراض على هذه الوصية، ويجوز كذلك أن تؤخذ الوصية ممن يريد أن ينفذها على وجه لا يوافق الشرع، فيؤمر أن يوجه إلى شيء يوافق الشرع أو تؤخذ منه. خلاصة هذه المسألة أن يقال: الأصل إجراء الوصية الخاصة للوصي الخاص، ومن له ولاية عامة فإنه لا يجوز له أن يتدخل في الوصية الخاصة ما دامت لا تخالف الشرع وليس فيها محظور شرعي، حتى ولو كانت هناك وصية مع وصية مثلاً، أوصى بسدس لأبيه أن يتصرف فيه في أبواب الخير والبر، وسدس آخر بحجة لأخيه، فلا يقول الأب: أنا أولى منك بإنفاذ هذه الوصية، ما دام أنه لا يخالف الشرع، يترك هذا مع الأخ وينفذها. قال: وما أنفقه وصي متبرعًا بالمعروف في شؤون الوصية فمن مال اليتيم. ومعنى إذا حصلت نفقة في باب من أبواب الخير من هذا الوصي وهي تدخل في معنى الوصية، فلا بأس أن يقطع ذلك من هذا المال الموصى به. وما أنفقه وصي متبرعًا بالمعروف في شؤون الوصية فمن مال اليتيم، يعني يؤخذ من الوصية كما يؤخذ من مال اليتيم، يؤكل بالمعروف. قال: ومن ادعى دينًا على الميت، قال: ومن ادعى دينًا على الميت وهو ممن يعامل الناس، نظر الوصي إلى ما يدل على صدقه، ودفع إليه، وإلا فتحريم الإعطاء حتى يثبت عند القاضي مخالف للسنة والإجماع. كذلك إذا ادعى إنسان دينًا على الميت، وهناك قرينة تدل على صدقه، كونه يعامل الناس، فتبين له بهذه القرينة مع دليل يدل على صدقه، كونه مثلاً صادقًا أمينًا، ولم يعهد بكذب، فهذه قرينة مع ظاهر الدلالة أن هذا الرجل صادق في قوله، فهنا يدفع إليه. وقوله: وإلا فتحريم الإعطاء حتى يثبت يعني إذا لم تكن هناك قرينة ولا دليل، كون إنسان يأتي ويقول: لي دين على الميت، وهو لا يعرف بمعاملة الناس، ولا يعرف أن بينه وبين الميت علاقة، وأعظم من ذلك أن لا يعرف بصدق، فمثل هذا يحرم أن يعطى؛ لأنه ليس عنده بيّنة، ومع هذا ليس هناك قرينة، فيعلم بهذا أنه إن كانت بيّنة أو حتى لم تكن بيّنة، ولكن هناك قرينة تدل على صدق هذا الادعاء، فيجب أن يعطى. فإن لم تكن هناك بيّنة ولا قرينة، فيحرم الإعطاء. وقوله: فتحريم الإعطاء حتى يثبت عند القاضي، الظاهر يريد حتى يثبت ذلك، وأن هذا إما أنه يريد إثباته عند القاضي حتى تكون البيّنة، وإما أنه يريد والله أعلم أن قائل ذلك هو القاضي أحد الحنابلة، وأن هذا مخالف للسنة والإجماع، يعني الإعطاء بغير بيّنة ولا قرينة تدل على ذلك. قال: وكذلك ينبغي أن يكون حكم ناظر الوقف ووال بيت المال وكل وال على حق غيره، إذا تبين له صدق الطالب دفع إليه، وذلك واجب عليه إن أمن اتباعه، وإن خاف اتباعه فلا. ثم انتقل رحمه الله إلى هذه الإشارة أن هذا الحكم ليس فقط في الوصية، بل هو كذلك في ناظر الوقف ووال بيت المال وكل وال على حق غيره، يعني كل إنسان مسؤول على مال معين أو حق أو منفعة لغيره، فإذا تبين له صدق الطالب دفع إليه، إذا تبين له صدق الطالب دفع إليه، ما دام أنه موكل بالتصرف في هذا المقام ومأذون له فيه. لأن الوصي مأذون له في هذا الباب، وهو يتصرف، ويدل عليه قصة أبي هريرة رضي الله عنه مع الشيطان حين جاءه بهيئة رجل فقير محتاج سائل، فأعطاه أبو هريرة رضي الله عنه، واستدل العلماء بذلك على جواز تصرف الوصي أو الناظر أو العامل فيما يؤذن له فيه إذا دلت القرينة على موافقة الوصف فيما يؤذن له، فظاهره أنه مستحق، فهو يعطي المستحقين، فكذلك هنا. وقوله: وذلك واجب عليه إن أمن اتباعه، ومعناه أنه مقيد إذا ما يلحقه شيء، وأما إذا كان سيلحقه شيء، فيجوز له أن يمتنع، كأن يكون مثلاً هناك من يسائله من الورثة أو ممن هو فوقه في الولاية ويشدد عليه في ذلك، فله أن يتوقف حتى يشاور أو يستأذن أو يكون ما تزول به التبعة، فأراد بالتبعة ما يكون بعد ذلك مما قد يلحقه، فيجوز له أن يتأخر في مثل هذا الواجب. قال: وَلَوْ وَصَّى بِإِعْطَاءِ مُدَّعٍ عَيْنَهُ بِيَمِينِهِ دَيْنًا نَفَّذَهُ الْوَصِيُّ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ لَا مِنَ الثُلُثِ. يقول: وَلَوْ وَصَّى بِإِعْطَاءِ مُدَّعٍ عَيْنَهُ وَفِي نُسْخَةٍ بِحَذْفِ لَفْظَةِ عَيْنَهُ وَلَوْ وَصَّى بِإِعْطَاءِ مُدَّعٍ بِيَمِينِهِ دَيْنًا، والكلام يستقيم هكذا أو هكذا، فيكون المعنى وَلَوْ وَصَّى بِإِعْطَاءِ مُدَّعٍ بِيَمِينِهِ دَيْنًا. كلام عام من جاءك وقال: والله لي دين عند فلان، فاعطني، وهذا قد يحصل عند إنسان تكثر له معاملات في السوق، وهو يخاف من الحقوق التي قد تلحقه، كإنسان مثلاً يبيع ويشتري في السوق، قد تكون له وعليه ديون في السوق، وهو لا يذكر من الذي له ومن الذي ليس له، فيكتفي بذلك باليمين، فيقول للوصي مثلاً: كل من جاءك وحلف يمين أن له دين عندي، فاعطني، فهنا الوصي عليه أن ينفذ هذه الوصية. قال: نفذه الوصي من رأس المال لا من الثلث، لماذا لا من الثلث؟ لأنه دين، والدين يخرج من أصل المال من بعد وصية يوصى بها أو دين، ففرق بين الوصية والدين، فرق بين الوصية والدين، والأحاديث في هذا الباب كثيرة، فالدين يخرج من أصل المال لا من الثلث. قال: ولو قال: يدفع أو يدفع هذا إلى يتامى فلان، فإقرار بقرينة وإلا فوصية، ويجب على الوصي تقديم الواجب على المتبرع به. قوله: ولو قال: يدفع هذا إلى يتامى فلان، فإقرار بقرينة وإلا فوصية؛ لأن قوله: يدفع ربما سمع الكلام، لكن ما فهم هل يعطى إلى يتامى فلان لكونه شيء خرج من غير الثلث، كأن يكون دين التزمه أو شيء مما لا يدخل في الثلث، أو هو عبارة عن صدقة من الثلث، يعني معنى من معاني الوصية التي لا يجوز أن تتعدى الثلث. يقول: إن كانت هناك قرينة دل وإلا فهو وصية، وإلا فهو وصية، وهذا هو الأصل، ومعناه إذا حصل شك، فالأصل أنه يكون من الوصية إلا أن تدل بينة أو قرينة أنه ليس من الوصية. وقوله: يجب على الوصي تقديم الواجب على المتبرع به، المراد بالواجب الدين وما كان بمعناه من الواجبات، فهو مقدم على المتبرع به، فهو مقدم على المتبرع به، ثم هذا الواجب منه ما قد يدخل في الوصية، ومنه ما لا يدخل في الوصية، فما قد يدخل في الوصية مثل الحجة مثلاً، إذا أوصى أن يحج عنه حج هو في حقه في حال حياته لعدم استطاعته، ليس بواجب، فكونه استطاع بعد ذلك مثلاً، إما لوجود المال أو لغير ذلك، المهم مثل هذا يخرج من الثلث. وقد يكون واجب لا يخرج من الثلث، مثل الدين أو ما كان بمعناه، قال: ولو وصى بتبرعات لمعين أو غير معين، فمنع الورثة بعض التركة أو جحد الدين، قال أبو العباس: أفتيت بأن الوصي يخرج الدين مما قدر عليه مقدما على الوصية، وإن اعتقد الورثة أنه نصيب الوصية، وليس هذا مثل غصب المشاع. إذا حصل مثل هذا، لو وصى إنسان بتبرعات لمعين أو غير معين، فمنع الورثة بعض التركة أو جحد الدين، سواء امتنعوا عن إخراج هذه التبرعات أو حتى لو جحدوا الديون، فماذا يصنع الوصي؟ يقول: بأن الوصي يخرج الدين مما قدر عليه مقدما على الوصية، يعني إذا كان عنده مال غير الوصية، يقدم إخراج الدين من غير الوصية، فإن لم يكن هناك مال غير الوصية، ولم يكن معه إلا ما كان من الوصية، فكذلك يقدم الدين على الوصية؛ لأن الدين كما تقدم من معنى الواجب الذي يقدم على المتبرع به. فالواجب يقدم على المتبرع به مطلقًا، سواء أكان مما يدخل في الوصية أو كان مما لا يدخل في الوصية؛ لأنه حق وجب التبرع منه في الدنيا، وكذلك ينبغي أن يكون بعد الموت، فيلقى الله عز وجل العبد وهو سالم من هذه الحقوق، أعظم من طلبه للأجر من التبرعات والصدقات، فلهذا يقدم الوصي الواجب على المتبرع به. فإذا استطاع أن يقدم ذلك إذا كان هو لا يدخل في الوصية من غير الوصية، فعل، إن لم يمكن، فإنه حتى لو أبطل الوصية وأدى الحقوق، فإنه فعل الأنصح والأصلح لهذا الموصي، أي الميت. وقوله: وإن اعتقد الورثة أنه نصيب الوصية، وليس هذا مثل غصب المشاع، يعني حتى ولو كان الورثة أخطأوا في ذلك، فلا يجعل الإنسان خطأ غيره، أي الوصي لا يجعل خطأ غيره مبيحًا له في عدم تحقيق أداء هذه الحقوق، بل يجب عليه أن يؤدي هذه الحقوق ويتخلص منها؛ لأن هذا من تمام النصح لهذا الموصي. قال رحمه الله: وليس هذا مثل غصب المشاع، المراد بغصب المشاع أي الاعتداء على شيء ليس له مالك، وكأنه يشير رحمه الله أن هذا مما قد يحصل فيه التسامح، أما هذا الباب فلا؛ لأنها حقوق متعلقة بعين، وكذلك بشخص، لا تبرأ ذمته إلا بالتخلص من هذه الحقوق، فلذلك يجب عليه أن يسارع في تأدية والتخلص من هذه الحقوق، فيقدم الواجب. قال: وإذا قال: اصنع في مالي ما شئت، أو هو بحكمك افعل فيه ما شئت، ونحو ذلك من ألفاظ الإباحة للأمر، قال أبو العباس: أفتيت أن هذا الوصي له أن يخرج ثلثًا، وله أن لا يخرجه، فلا يكون الإخراج واجبًا ولا محرمًا، بل هو موقوف على اختيار الوصي. وذلك لأنه قال: اصنع في مالي ما شئت، أو هو بحكمك افعل فيه ما شئت، فالألفاظ تدل على معنى الإباحة للأمر، فهنا يقول: أن أبو العباس، أي شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، يقول عن نفسه أنه أفتى مثل هذا الوصي أن يخرج ثلثًا، لماذا؟ لأنه لا يملك الميت أصلاً التصرف إلا بالثلث، ويجوز له أن لا يخرج الثلث، يعني يخرج أقل من الثلث، السدس، الربع، أو حتى لا يخرج شيء إذا رأى أن الأصلح هو ذلك. فينبغي على الوصي أن يفعل ما هو أصلح في حق الميت وفي حق الورثة. وقوله: فلا يكون الإخراج واجبًا ولا محرمًا، يعني لا واجبًا حتى لا يظن الوصي أن ذلك يعني أنه يجب أن يخرج شيء، ولا محرمًا أي كذلك أنه يأثم بعدم الإخراج أو يأثم بالإخراج، بل الصحيح أن الوصي ينظر إلى ما فيه الأصلح للميت وللورثة. وقوله: بل هو موقوف على اختيار الوصي؛ لأنه خيره، قال: اصنع ما شئت، ومع ذلك فالوصي لا يجعل ذلك بمجرد الهوى والتشهي، ولكن يفعل ذلك بما فيه الأصلح للموصي وللورثة. قال رحمه الله: ويجوز للوصي صرف الوصية فيما هو أصلح من الجهة التي عينها الموصي. أي: قوله: ويجوز صرف الوصية فيما هو أصلح من الجهة التي عينها الموصي، يعني يبتدئ بموافقة نية وقصد الموصي، ويتتبع في هذا الأصلح فالأصلح. فلو عارض مثلاً قول وقصد الموصي الأصلح، فهل يفعل ما هو خلاف الأصلح؟ الجواب: إذا علم أن الموصي أراد باختياره ذلك الوصول إلى الأصلح، فظن أنه الأصلح، فله أن يفعل الأصلح كما تقدم في الفصل الذي قبله. وإن غلب على ظنه أن له قصد خاص فينفذ ذلك، ما دام أنه في الجائز والمباح، ولو كان خلاف الأفضل؛ لأنه قد يكون له قصد، مثاله كونه مثلاً يقول: أعط ثلثي أو اجعل ثلثي في طلبة العلم من قرابتي، فإذا رأى مثلاً طلبة علم أحوج، ولعل إعطاءهم أنفع، وهم ليس من قرابته، هل له أن يقول: هذا الأفضل، فأنا سأفعل الأفضل؟ ظاهر اللفظ أنه له معنى مقصود بذكر ماذا؟ بذكر القرابة، فليس له أن يفعل الأفضل، بل الأفضل والأحوط أن يوافق لفظ الموصي في هذا الباب، وهكذا ما كان بمعناه. طيب، نكتفي إلى هنا، والله تعالى أعلم.