الدرس في شرح الدروس المهمة 13، تابع الدرس الأول من الدروس المهمة . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
سورة قريش سورة مكية تعنى بتعظيم بيت الله الحرام وتذكير أهل قريش بنعم الله عليهم، وهي متعلقة في المعنى بسورة الفيل. السورة تشير إلى نعمة الله على قريش بإيلافهم رحلات الشتاء والصيف وتأمينهم من الخوف.
تحدث النص عن رحلات قريش التجارية إلى الشام واليمن وتيسير الله لهم الأرزاق، مما جعلهم في أمان ومهابة عند الناس. كما أشار إلى أن هذه النعمة ليست محصورة في مكة بل امتدت إلى خارجها، وأنها تستلزم شكر الله عز وجل.
يُفسر المقطع الآية الكريمة ويبين أنها تأمر قريش بعبادة الله وحده لما أنعم به عليهم من حماية البيت الحرام وتأمينهم وإطعامهم. يُظهر أن هذه النعم تستلزم شكر الله بعبادته وحده وطاعته.
المقطع يشرح استلزام توحيد الربوبية لتوحيد الألوهية مستشهدا بالقرآن، ويبين أهمية زيادة الشكر مع زيادة النعم، ويشير إلى فضل مكة وأهلها كما ورد في الأحاديث النبوية.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، نحن اليوم إن شاء الله في سورة قريش، أو تسمى سورة لإلاف قريش، ونقرأها كالعادة، وإن شاء الله كذلك المدرس عندكم يقرأها على الطلاب، وبين الأخوات المدرسة تقرأها على الأخوات. على ما تقدم التنبيه عليه فيما سبق: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، ﴿لإِيلافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾. هذه السورة سورة مكية، وهي كما أشار الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله تعالى أنها من قصار السور، قصار سور المفصل التي ينبغي للمسلم أن يعتني بحفظها وإحسان تلاوتها وتعلم ما يمكن تعلمه من تفسيرها، كغيرها من سور قصار المفصل التي يحتاجها المسلم في صلاته، وفي كذلك سائر عباداته الأخرى. فتقرأ السورة كما تقدم، مع تتبع ما يحتاج لتتبع من النطق والتجويد وتصحيح القراءة والتلقين إن أمكن، ثم بعد ذلك ينظر فيما يتيسر من تفسير ألفاظها. فهذه السورة عند كثير من أهل العلم أنها تتبع في المعنى السورة التي قبلها، وهي سورة الفيل، أو أصحاب الفيل، أو يسميها بعضهم ألم ترى. فلما ذكر الله عز وجل في تلك السورة كيف أهلك الله عز وجل أصحاب الفيل تعظيما لبيته الحرام وحماية له، ذكر في هذه السورة سبحانه وتعالى تمام منته على أهل قريش، كيف أنه آمنهم وحفظ لهم بلدهم بوجود هذا البيت المعظم، وحفظ الله عز وجل وعنايته حتى تيسرت لهم ما لم يتيسر لغيرهم من الرحلة للتجارة في الشتاء وفي الصيف. فإن ذلك كله يقتضي أن يتوجهوا بالعبادة لله عز وجل وحده، الذي وحده من عليهم بذلك، لم يشاركه في ذلك أحد سبحانه وتعالى. هذا المعنى المجمل، وسنأتي على تفسير الآيات إن شاء الله. قوله سبحانه وتعالى في أول السورة لإيلاف قريش، معنى لإيلاف في اللام للتعليل، أي لأجل ائتلاف قريش، وهي القبائل التي سكنت مكة، فأغلبها تنتسب إليها. لإيلاف قريش على التفسير الذي سبق، وعليه أكثر أهل العلم أن هذه السورة تبع في المعنى، وإن كانت منفصلة في اللفظ، وفي كونها سورة منفردة، إلا أنها في المعنى تبع للسورة التي قبلها، وهي سورة الفيل، أو أصحاب الفيل. ومعنى أصاب ما أصاب أصحاب الفيل لأجل ائتلاف قريش واجتماعهم، وهذا تعظيما لبيت الله سبحانه وتعالى. وقوله إيلافهم رحلة الشتاء والصيف، فقوله جل وعلا إيلافهم كما قال العلماء هو تفسير وبدل من الأول، ومعناه أنه يوضح معنى هذا الائتلاف والاجتماع، ويؤكده أن الله عز وجل من عليهم بالأمن، فحفظهم من كل سوء، ومن هذا السوء سوء وشر أصحاب الفيل. وزيادة على ذلك أعانهم على الائتلاف والاجتماع بأن يسر لهم أسباب الأرزاق مع هذا الأمن، فصار الأمن أولا ليس فقط لأهل البيت ومن سكن حوله وهم بجانب البيت، بل حتى إذا خرجوا وسافروا فإن الناس يحترمونهم ويعظمونهم، ليس لشيء إلا تعظيما لبيت الله الحرام، مؤمنهم وكافرهم. فالمؤمن لما في قلبه من تعظيم البيت الحرام، والكافر لما وقع في قلبه من بعض هذا المعنى مما سمعه وتابع فيه من كان مؤمنا، أو كذلك ما سمعه ورآه من آثار حفظ الله عز وجل وانتقامه لمن اعتدى عليه أو على أهله، فصار لأهل هذا البيت وهم قريش مهابة عند الناس، يرحلون رحلة الشتاء ورحلة الصيف، رحلتان يرحلون فيهما للتجارة والارتزاق طلب الرزق، واحدة إلى الشام وأخرى إلى اليمن، وهم في غاية من الأمان. وليس ذلك إلا تعظيما لبيت الله الحرام، وكونهم من أهله، كما قال الله عز وجل: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾. والمعنى أولا يكفيهم عبرة وعظة أن يكون لهم آية فيما يرونه مما خصهم الله عز وجل به من الأمن، بينما حولهم الناس في فتن لا تنقطع، يبغي بعضهم على بعض، كحال الأعراب التي كان عليها حال الناس في ذاك الزمان، القوي يأكل الضعيف. وهكذا كذلك ما يكون من تسلط الأمم الأخرى عليهم. وأما أهل هذا البيت فجعل الله لهم المهابة والأمان، وهم في بلادهم، أو حتى إذا خرجوا من بلادهم. وهذا هو معنى رحلة الشتاء والصيف، فتضمنت هذه الآية تأكيد ما تقدم، وهو حصول معنى الاجتماع والاعتلاف بحفظ الله عز وجل لهم لكونهم أهل البيت. وزيادة أن هذا المعنى ليس فقط في مكة، بل حتى إذا خرجوا من مكة، وثالثا أن الله عز وجل زادهم نعمة ثالثة، وهو تيسير الأرزاق لهم، تيسير الأرزاق لهم غيرهم ما يستطيع يذهب إلى الشام ويرجع وهو آمن. ولهذا كادت التجارة تنحصر في أهل مكة، لأنهم مهابون ومحترمون ومعظمون. فصار سائر العرب الذين يخافون السفر إلى الشام وإلى اليمن، لأنهما بلد أرزاق، الشام فيها خيرات من زروع وتجارات تأتي من بلاد الغرب، وأهل اليمن كذلك أهل أرزاق، فيهم الزروع ما ليس في وسط الجزيرة، وهكذا موضع تجارة يأتيها من الهند والمشرق، وجميع تجارة المشرق تصل إلى اليمن. وليس أحد من العرب يتجرأ أن يصل إلى هذين البلدين بسبب الخوف، ما يستطيعه أهل قريش في هاتين الرحلتين، رحلة الشتاء والصيف. فهذه منا عظيمة تستلزم شكر الله عز وجل عليها، فالعرب كلهم ينتظرونهم حتى يأتون بالتجارات إلى مكة فيشترون منهم ويأخذون منهم. وهذه كما قلنا خصيصة، وانضاف معها ما في الآيات بعدها، كما سيأتي إن شاء الله، أن الناس صاروا يجتمعون في أيام إتيان قوافل رحلة الشتاء وقوافل رحلة الصيف، كذلك بما عندهم من تجارة، فتجتمع تجارة الأبعدين والأقربين كلها في البلد الحرام. وهذه من عظيمة لم تتيسر لأحد، خصوصا في مثل ذاك الزمان، وهو كذلك إلى زماننا هذا، فإن مكة محل اجتماع الناس من بقاع الدنيا، فيجتمع للناس باجتماعهم من الأرزاق وصنوف التجارات وغير ذلك من الثقافات ونحوها ما لا يجتمع لغيرها. فالمنة ليست في الأمر الحسي فحسب، بل حتى في الأمر المعنوي، حتى في الأمر المعنوي، فعلى سبيل المثال قال العلماء: أفصح لغة العرب هي لغة قريش، العرب ألسنة يعني لهجات، لأنها قبائل كثيرة ما لا يجبعون ويدركون مختلف الألسنة ما لا يدركه غيرهم، حتى اجتمع لهم أفصح الكلام، وهذه كذلك منه أخرى. وهكذا لا تسأل عن النعم التي تجتمع بفضل حفظ الله عز وجل لهذا البيت ولأهله. وقوله سبحانه: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾، أي بعد علمكم أو بعد علم أهل قريش بما خصهم الله عز وجل به من نعم، وفيما سبق إشارة إلى غيرها مما لم يذكر ولم يسمى، وذكر في آيات أخرى من سور القرآن ذكرهم الله عز وجل بها. فذلك يقتضي أن يعبد الرب سبحانه وتعالى وحده، الذي حمى هذا البيت، فقوله رب هذا البيت الله رب كل شيء، لكن إضافة الربوبية إلى البيت خاصة هي إضافة تشريف وتفضيل واختصاص، تقتضي أن الذي خص هذا البيت بما علمتم يستلزم منكم أن تعبدوه وحده لا شريك له. فلا اللات ولا العزة ولا منات ولا غيرها من الأصنام التي كان يعبدها قريش صنعت لهم هذا، وهم يعرفون ذلك تمام المعرفة، ويعرفون أن الله وحده هو الذي انفرد جل وعلا بهذه النعم، فسخرها ويسرها لهم، فكان ذلك يستلزم أن يعبد الله جل وعلا وحده لا شريك له. وقوله: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾، تذكير بحالهم قبل ذلك، فأكثر أهل قريش هم ليسوا من مكة، لأن مكة إنما أعمرها إبراهيم عليه الصلاة والسلام وولده إسماعيل، فلما أقام إسماعيل بالبيت اجتمع الناس، وكل واحد من أحد الناس يعرفون تاريخهم السابق والماضي ما كانوا يعيشون فيه من الخوف والجوع. جوع ليس عندهم ما يأكلون إلا ما يغلب من التمر والماء، وربما التمر حتى لا يتيسر فيكون اللبن والماء، فأكثر العرب أهل ماشية، أكثر العرب أهل ماشية، فلا يتيسر لهم أو لأكثرهم إلا الماء واللبن وما يشتق منه، فكانوا في جوع. فمن الله عز وجل عليهم بما لم يكن لأحد، وهم منهم كانوا من أولئك الناس الذين عاشوا الجوع وعرفوا ذلك، وآمنهم من خوف كذلك يعرفون حيات الناس حولهم، كما مر معنا في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾. وكذلك ما كان يعيشه آباؤهم وأجدادهم قبل ذلك من الخوف، لولا أن الله من عليهم بسكنة مكة عند بيت الله الحرام، فصار لهم الأمن داخل مكة، كما قلنا وخارجها، لأنهم أهل هذا البيت المعظم، فالناس يعظمونهم لأجله. وقيل أنه يدخل في معنى قوله وآمنهم من خوف أطعمهم من جوع، يدخل فيه كذلك أن الله يسر لهم ما لم يسر لغيرهم، أولا ما سبب حصول الطعام، وثانيا رخصه حتى الطعام بالنسبة لهم رخيص، فالعرب يأتون إلى مكة وما حولها من أسواق مثل سوق عكاب وغيرها من الأسواق التي كانت حول مكة، فيتكلفون فيأخذون السلع بأكثر مما يأخذه أهل مكة. وهذا من الإطعام من جوع، يعني أن السلع حتى رخيصة لهم، وهكذا من الأمن من الخوف أنهم ليسوا فقط سلموا من القتل ومن السرقة ومن النهب، بل صاروا حكاما على العرب أجمعين، يعني لهم شرف ولهم عظمة ومهابة لأنهم أهل الحرم. وهذا كله في سياق الإمتنان عليهم الذي يستلزم أن يعبد الله وحده لا شريك له، فهو من الاستدلال بالربوبية على الألوهية، لأنه الرب الذي أعطى هذا كله وحده، فإذا هو الذي ينبغي أن يعبد فيكون إله لا إله معه سبحانه وتعالى. فخلصة السورة أفادتنا فوائد كثيرة، نقطصر على ذكر أربع فوائد: شكر الله عز وجل على نعمه، فإنها مقتضية لزيادتها، ومن شكر الله عز وجل على نعمه عبادته وحده، ومن عبادته طاعته فيما أمر واجتناب ما نهى عنه وزجر، وتصديق ما جاء به رسوله. وفيه ثانيا استلزام توحيد الألوهية بتوحيد الربوبية، وهذا كثير في القرآن، يعني أن توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية، كما قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. فأنتم تعلمون أنه لم يخلق إلا الله، فإذا يستلزم ذلك ماذا؟ أن لا يعبد إلا الله. وفيه ثالثا أن زيادة النعم تقتضي زيادة الشكر. وأخيرا فيه كذلك فضل مكة وأهلها، فإذا كان هذا الخطاب لأهل مكة وهم كفار، فكيف إذا أسلموا؟ ولهذا صح عن النبي عليه الصلاة والسلام في قريش أحاديث كثيرة وفضائل عدة. ليس هذا موضع سردها، لكن تكفي الإشارة. طيب لهنا والله تعالى أعلم.