الدرس في شرح الفرائد البهية 19، القاعدة الخامسة:العادة محكمة . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ الدرس بشرح القاعدة الخامسة من القواعد الكلية في الشريعة الإسلامية، وهي "العادة محكمة". تم استعراض أصلها من الحديث النبوي وأهمية العرف في مسائل كثيرة.
يناقش المقطع تعريف العرف والعادة في الشرع، ويوضح أن العرف يشمل المعروف شرعًا وعرفًا. كما تمت مناقشة اختلاف العلماء في التفريق بين العرف والعادة.
يشرح المقطع مفهوم العادة وعلاقتها بالعرف، ويتناول مسائل فقهية مثل الاستصناع وبيع المعاطاة. تم بيان صحة التعامل بالعادة في بعض الأحكام الشرعية.
يتم ختام الدرس بنهاية المقطع مع الإشارة إلى تأجيل شرح الأبيات الآتية إلى درس لاحق، مع الدعاء بالتوفيق والسداد.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الناظم رحمه الله تعالى: القاعدة الخامسة: العادة محكمة. قال: وأصلها من الحديث: «ركنا زكنا، فما رآه المسلمون حسنًا». واعتبرت كالعرف في مسائل كثيرة لم تنحصر لقائلي. هذه القاعدة الخامسة من القواعد الكلية، كما سبقت الإشارة إليه فيما سبق، وهي التي تسمى بقاعدة «العادة محكمة»، وربما عبر عنها بعضهم بقاعدة «العرف والعمل به». ثم قال رحمه الله: وهذه القاعدة سيأتي إن شاء الله الكلام عليها ومسائلها. قال رحمه الله: وأصلها من الحديث «زكنا»، أي: علم. فما رآه المسلمون حسنًا. ومعنى الأصل ها هنا كما تقدم: معنى الدليل، فإن من معاني الأصل الدليل. أي: دليل هذه القاعدة مأخوذ من الحديث الذي قد علم. ومعنى «اشتهر»: ما رآه المسلمون حسنًا. حديث: «ما رآه المسلمون حسنًا فهو حسن»، ما رآه المسلمون حسنًا فهو حسن، وهو حديث قال بعض أهل العلم: موضوع، حتى ذكر في الأحاديث الضعيفة: هو الموضوع. وأشار الكثير من العلماء كما نقل عندكم في التعليق عن العلاء: أنه لا يعرف لهذا الحديث أصلًا لا صحيحًا ولا ضعيفًا، مع طول بحثه ونظره، فكيف بمن دونه؟ وأشار أنه روي عن ابن مسعود من قوله، فيما أخرجه أحمد وغيره، فهو لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم. ثم لو صح عن ابن مسعود، لحمل ليس على أن تحسين المسلمين تشريع، فليس في أدلة الكتاب والسنة ما يأذن لأحد بالتشريع، بل التشريع حق خالص لله سبحانه وتعالى، فلا المسلمون باجتماعهم أو انفرادهم، ولا غيرهم يشرع، بل التشريع حق خالص لله سبحانه وتعالى. ولو قيل: إنما مراد به العرف والعادة، فيقال: هذا المعنى قد جاءت به أدلة صحيحة من الكتاب والسنة تغني عن الاستدلال بمثل هذا الحديث، بما قد ينفتح به معنى غير صحيح. ما أن الحديث فيه ضعف كما تقدم، ولكن الصواب أن نستدل بأدلة أخرى تضبط هذا المعنى وهذه القاعدة. مثل قول الله عز وجل: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾، فالأمر بالعرف، أي: العرف الشرعي، والعرف العرفي الذي لا يخالف الشرع كما سيأتي معنا إن شاء الله. وكما قال الله عز وجل: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، فالمراد بالمعروف: المعروف شرعًا وعرفًا، المعروف شرعًا وعرفًا. وهكذا كذلك ما قال النبي صلى الله عليه وسلم لمرأة بسفيان -كما في الصحيح-: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف». فالمراد بالمعروف ها هنا: الذي تأخذه المعروف شرعًا وعرفًا. فإذا كان يكفي مثلها في العرف عشرة آلاف، تأخذ عشرة آلاف، وإن كان أكثر تأخذ أكثر، بحسب ما جرى به العرف في مثلها وولدها. قال رحمه الله تعالى: واعتبرت كالعرف في مسائل كثيرة لم تنحصر لقائلي. يعني: العادة كالعرف، فإن من أهل العلم من فرق بين العادة والعرف كما سيأتي إن شاء الله، ومن أهل العلم من جعل العرف والعادة بمعنى واحد. والصحيح من أقوال أهل العلم: أن لفظ العرف والعادة لفظان إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا. فإذا أفرد العرف دخل فيه العادة، وإذا أفرد العادة لفظ العادة دخل فيه العرف، وإذا ذكر العرف والعادة معًا فرق بينهما. فما هو التفريق؟ كذلك اختلفوا بهذا التفريق، فمنهم من قال: العرف هو أمر العادة العامة، والعادة أمر العرف الخاص. ومنهم من عكس، وقال: هذا هو هذا، وهذا هو هذا. والذي ينظر في أكثر الأدلة يجد أن العرف أوسع من العادة، العرف أوسع من العادة. ولهذا جاء التعبير به في مواضع تدل على العموم، مثل: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، وهكذا كذلك: «خذ ما يكفيك ولدك بالمعروف». بينما العادة تذكر في أخص من ذلك، فيقولون: «يطعم عشرة مساكين من وسط ما يطعم أهله من عادة مثله»، «من عادة مثله». فعادة مثله أخص من العرف، لأن مثله يستلزم معنى خاص في الوصف من جهة معاني كثيرة: الغنى والفقر، وكذلك كثرة الأكل وقلته، ونوع الأكل واختلافه، وغير ذلك من المعاني الأخرى. ولهذا يقولون: «عادة مثله»، فدل على أن العادة أخص من العرف، والله تعالى أعلم. فالعرف ما يكون بالمعنى العام، والعادة بالمعنى الأخص. وستأتي له مسائل إن شاء الله في موضعه. ثم قال رحمه الله: واعتبرت كالعرف في مسائل كثيرة لم تنحصر لقائلي. وهذا معناه أن العادة تأتي مثل العرف في مسائل كثيرة لا تنحصر لقائل، أي: يقول بالتبادل في هذين اللفظين. وفي هذا إشارة إلى أنه وقع خلاف في المسألة كما سمعنا، وفيه إشارة أن هناك شيء خرج من هذا الكثير. وقد أشار في التعليق إلى بعض ما استثني من ذلك. والصحيح أن كل المسألتين التي أشار إليهما في التعليق الصواب أنهما لا يخرجان ولا يستثنيان من هذا العموم الذي أشار إليه. وقد أشار إلى ذلك رحمه الله: مسألة الاستصناع ومسألة البيع بالمعاطاة. أما مسألة استصناع الصناع الذين جرت عادتهم بأنهم لا يعملون إلا بأجرة، هي مسألة مشهورة في كتب الفقه، فيمن لم يحصل معه اتفاق، فهل يعطى له ما جرت به العادة؟ الصحيح: نعم. واستثنى بعضهم، والصحيح: نعم. وهي من مسائل التي تذكر في باب الجعالة والإجارة، كما هو مشهور في كتب الفقه والحديث. ومن حضر معنا دروس كتاب البيوع ينظر هذه المسألة في موضعها. وأما مسألة بيع المعاطاة -يعني: إتمام البيع بمجرد الأخذ والإعطاء من دون لفظ البيع ولا القبول والإيجاب- هذا يعطيه المال، وهذا يأخذ السلعة، هل يتم البيع بهذا؟ خالف بعضهم، والصحيح أنه يتم. أتيت إلى الدكان بدون أن تتكلم، أو البقالة وضعت قيمة الصابون فوق الطاولة، وأخذ الصابون ومشيت، هل يصح هذا بيع؟ نعم. الصحيح أنه يصح بيعًا. وهذا يسمى بيع المعاطاة، بدون كلام، بدون لفظ البيع ولا معناه، ولا سؤال وجواب، ولا إيجاب ولا قبول، ولا أي شيء من ألفاظ ولا معاني البيع، بل معاطاة: أخذ وعطاء فقط. الصحيح أنه يتم بيعًا. نعم. طيب، نكتفي هذه الليلة بهذا القدر، ونترك إن شاء الله الأبيات الآتية إلى درس لاحق، ونسأل الله عز وجل التوفيق والسداد. وإلى هنا والله تعالى أعلم.