الدرس في تلخيص صفة صلاة النبي 11، الدرس الحادي عشر:(جلسة الاستراحة ... 128-ويجعلها أقصر من الركعة الأولى ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
جلسة الاستراحة سنة في الصلاة التي يكون القيام فيها من غير تشهد، ويُستحب الجلوس معتدلا حتى يرجع كل عظم إلى موضعه. يُشرع رفع اليدين عند القيام تكبيرا عند الارتفاع إلى الأعلى.
الركعة الثانية تكون مشابهة للأولى مع عدم قراءة دعاء الاستفتاح وتقصير القراءة مقارنة بالأولى. يجوز جعل الركعتين متساويتين أحيانا، ولكن لا يجوز جعل الثانية أطول من الأولى.
يتم التمهيد لدرس قادم حول أحكام التشهد، مع الإشارة إلى أن التشهد سيتم تناوله بشكل كامل في الدرس التالي. يعد هذا تمهيدا لموضوع هام في الصلاة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. يرجع كل عظم إلى موضعه، هذا الموضع جعله رحمه الله في أحكام جلسة الاستراحة، مما يتعلق بصدق صلاة النبي صلى الله عليه وسلم. وسميت الجلسة جلسة استراحة؛ لأن المصلي يستريح فيها ليقوم إلى القيامة، وكذلك لتسمية بعض أهل العلم بها بذلك. وقد اختلف أهل العلم في هذه الجلسة، فمن أهل العلم من لم يثبتها لعدم ثبوت الدليل عنده فيها، ومن أهل العلم من أثبتها مطلقا لثبوت الدليل فيها، ومن أهل العلم من فصل، جمعا بين الأحاديث التي ورد فيها ذكر هذه الجلسة أو الجلسة والأحاديث التي ليس فيها ذكر لها. والصواب والله أعلم لمن تأمل الأدلة أنها سنة ثابتة مطلقا لكل صلاة يكون القيام فيها من غير تشهد، يستحب فيها أن يجلس المصلي جلسة الاستراحة. وقد ورد في حديث المسيء في صلاته، في بعض ألفاظ الإمام البخاري حديث أبي هريرة المشهور، أن النبي صلى الله عليه وسلم علم المسيء هذه الصفة وهذه الجلسة، فثبت ذلك من قوله وفعله. ولهذا قال من قال من أهل العلم، كما روي عن إسحاق بن راهويه رحمه الله: «إنه كان يقول: أنها عامة للشيخ الكبير وللشاب الصغير، لا يفرق فيها بين صغير وكبير». معنى كلامه رحمه الله، وهو الصحيح والله تعالى أعلم. ومن ذهب من أهل العلم أنه يفرق لمن كان ثقيلا وكبيرا يحتاج أن يستعين بهذه الجلسة على القيام، ومن لا يحتاج فلا يشرع في حقه، جمعا بين الأدلة. فيقال: ليس هناك دليل صحيح صريح على هذا التفصيل. ولو وجد شيء صحيح صريح يدل على هذا التفصيل لعمل به. وأما ما دام أنه قد صح من قوله عليه الصلاة والسلام ومن فعله، فالأصل هو العموم، إذ لو كان فيه تفصيل لفصله عليه الصلاة والسلام. وأما الاستدلال بفعله عليه الصلاة والسلام وأنه كان كبيرا يحتاج إليها، فالجواب أن هذا مردود بكونه علم المسيء في صلاته من قوله عليه الصلاة والسلام، إذ لو كان هذا خاصا بالكبير لما كان يترك من دون تخصيص. فكان هذا هو الراجح في هذه المسألة. وقد أشار في الأصل إلى عدة أدلة استدل بها من قال بهذا على هذه المسألة، وهو كما قلنا قول من قال من أهل العلم بعدم التفصيل مطلقا، وهو الصحيح والله تعالى أعلم. وقوله رحمه الله: «ويرفع يديه أولا قبل ذلك». قوله: «كبر وجوبا» يعني التكبير بالصوت في حق الإمام، وفي المنفرد والمأموم في مسألة الوجوب خلاف كما تقدم. وأما رفع الأيدي فقد تقدم تفصيله في الفصول السابقة. وقوله: «ويرفع يديه أحيانا» يعني في هذا القيام، وهل يرفع يديه في جلسة الاستراحة وهو في الأرض، أم إذا ارتفع إلى الأعلى، أم في أثناء ارتفاعه من الأسفل إلى الأعلى؟ في هذا أقوال. والأمر في هذا واسع؛ فليس هناك شيء صحيح صريح يقتضي الجزم في هذا. ولهذا اختلفت الأقوال في المسألة. فالأمر في هذا واسع، فمن رأى الأول فعل به، ومن رأى الثاني أو غيره فعل به. وإن كان والله أعلم أكثر الأدلة لمن تأملها وتدبرها وجمع معها ما هو بمعناها من أحوال التكبير مع رفع الأيدي، وجد أن الأقرب والله أعلم أن تكون حال القيام، يعني إذا رفع كبر، إذا رفع وصعد إلى الأعلى كبر. لأنه لو كبر في الأسفل ورفع يديه إذا رفع يديه في الأسفل من دون تكبير لم يوافق رفع اليد التكبير. وإذا جعل تكبيره في الأسفل مع يديه، فإن هذا يقتضي مسابقة المأموم له، خصوصا إذا كان إماما. فالمطلوب أن يعين الإمام المأموم على المتابعة لا المسابقة. فكونه يكبر في الأسفل، فيقوم المأموم، وربما يكون المأموم شابا والإمام كبيرا، فيقوم المأموم قبل الإمام، وهذا ليس في يعانى على موافقة السنة. ولهذا كان الأكمل والأحوط أن يكبر إذا ارتفع، إذا ارتفع إلى الأعلى رفع يديه وقال: الله أكبر. ولا بأس أن يكبر في وسط ارتفاعه، المهم لا يكون سببا في مسابقة المأموم للإمام، بل يعينه على المتابعة. وقوله: «ويستوي قبل أن ينهض قاعدا على رجله اليسرى معتدلا حتى يرجع كل عظم إلى موضعه». معناه: ويستوي المراد بالاستواء ها هنا استواء القعود في جلسة الاستراحة الآن عندنا. أعمال يكبر إذا رفع رأسه من السجود، ولكن كما قلنا إذا كان فيها جلسة استراحة، فالأولى ألا يكون تكبيره قبل ارتفاعه للقيام. يعني مثلا أضرب لكم مثالا هكذا، هذا الإمام ساجد وهو من الركعة الأولى. فإذا رفع من الركعة الأولى وكبر قال: الله أكبر، ثم أراد أن يقوم، هذا سيجعل المأموم ماذا يسبقه؟ خصوصا إذا كان المأموم شابا، فسيسبق المأموم الإمام؛ لأنه بمجرد أن يقول: الله أكبر، الكثير من المأمومين لا يواضبون على جلسة الاستراحة، فبمجرد أن يسمع الله أكبر ماذا يصنع؟ يقوم مباشرة. فليس في هذا إعانة. بقي الآن التكبير بالصوت واجب في حق الإمام، وفي غيره في خلاف. والصحيح أنه الأحوط يكبر. ورفع اليدين بالتكبير الأولى لا يكون في الأسفل، ولكن إذا صعد يعني إذا قال: الله أكبر، يرفع مع التكبير، فهو يرفع ويقول: الله أكبر. وهل من شرطه أن يمد التكبير؟ الجواب: لا، لا يمد التكبير. ومد التكبير نص عدد من أهل العلم أنه خلاف السنة، بل بعضهم قال: إنه قد يصل للبدعة، خصوصا ما يفعله بعض العامة والمتصوفة من المبالغة في المد. وأما استواء كل عظم في موضعه في جلسة الاستراحة، المقصود بها أن يجلس جلسة فيها طمئنان، حتى يستوي ظهره وأعضاؤه على هيئة الجلوس. وقوله: «قاعدا على رجله اليسرى» يعني يصنع كما يصنع في جلسة التشهد الأول، وهو الافتراش بنصب الرجل اليمنى والاتكاء على الرجل اليسرى. التشهد الأول نعلّم مثل هذا، هذه منصوبة والرجل اليسرى مفترشة تحت مقعدة المصلي، يجلس على اليسرى معتدلا حتى يرجع كل عظم إلى موضعه، يعني يطمئن ثم يرفع كما تقدم. وفي مسألة رفع اليدين خلاف كما سبق، وكذلك التكبير في موضعه. قال رحمه الله: «الركعة الثانية ثم ينهض معتمدا على الأرض بيديه المقبوضتين» يعني إذا أراد أن يقوم إلى الركعة الثانية يقبضهما كالعاجن. عندي العاجن الظاهر الصواب كالعاجن، كالذي عجن. إلى الركعة الثانية وهي ركن، أي القيام إلى الركعة الثانية ركن، الركعة الثانية كلها ركن، والقيام فيها من الواجبات. قال: «ويصنع فيها ما صنع في الأولى إلا أنه لا يقرأ فيها دعاء الاستفتاح». ويجعلها أكثر من الركعة الأولى. طيب، هذه أربع مباحث في مسائل الركعة الثانية. أولها كيف يقوم إذا أراد أن يقوم إلى الركعة الثانية؟ وكما قلنا يجلس جلسة الاستراحة، وإذا لم يجلس على القول الآخر فلا حرج، لكن السنة والصحيح استحباب الجلوس. فإذا جلس أو لم يجلس فأراد أن يقوم يعتمد على يديه. ومن قال بعدم الجلوس يقول: لا يعتمد على يديه، إنه لا يحتاج إلى الاعتماد على يديه ما دام سيقوم مباشرة. والاعتماد على اليدين في القيام للركعة الثانية أو غيرها كذلك مما سيأتي في خلاف بين أهل العلم. فمن أهل العلم من قال: يعتمد مطلقا. ومن أهل العلم من قال: لا يعتمد. ومن أهل العلم من قال: بل إذا احتاج إلى الاعتماد اعتمد، وإذا لم يحتاج إلى الاعتماد لم يعتمد. لكن من تأمل الأحاديث الواردة في الباب وهي كثيرة، وجد أن السنة الاعتماد على الأرض في القيام، يعتمد بيديه على الأرض إذا أراد أن يقوم. ثم ها هنا مسألة أخرى وهي كيفية هذا الاعتماد الآن. أولا الاعتماد على الأرض، الصحيح أنه يعتمد المصلي في قيامه على الأرض قبل أن يقوم، يعني هكذا إذا أراد أن يقوم يعتمد، سواء هكذا أو هكذا. ومن قال: لا يعتمد، معناه أنه يقوم هكذا بدون أن يضع يديه على الأرض. بقي الآن خلاف أهل العلم في كيفية هذا الاعتماد، وهذا من دقة أهل السنة وشدة حرصهم على المتابعة، وهو يدل على كمال هذا الدين وتمام حفظه، إذ هذه التفاصيل ثبوتها بمثل هذه الأدلة وتدقيق العلماء فيها يزيد في ماذا؟ في التأكيد على حفظ هذا الدين. أن دين الإسلام محفوظ حتى في مثل هذه التفاصيل الدقيقة من صفة الصلاة، بخلاف دين من ضل من أهل الكتاب. لو سألت يهوديا أو نصرانيا ما هي صفة الصلاة حتى على وجه الإجمال؟ ما درى. وأعظم من ذلك لو سألته على دليل فيها؟ هل له حجة في ذلك؟ ليس له حجة. إذا كان ما أنزل على أنبيائهم ورسلهم ليس فيه شيء من كلام الرب سبحانه وتعالى مباشرة، إنما هي قصص وأخبار: السفر الأول، السفر الثاني، السفر الثالث، قصة فلان وفلان، وإنجيل متى، وإنجيل يوحنا، وكله أشياء بالمعنى ينقلونها وهم لا يدرون ما هو أصل الكلام الذي تكلم به الرب سبحانه وتعالى، فكيف بمثل هذه التفاصيل؟ الشاهد اختلف أهل العلم في هذه الكيفية لأمرين: الأمر الأول لاختلاف الأحاديث الواردة في الباب. ففي بعض الأحاديث ذكر العجن، وفي بعضها ليس فيه ذكر العجن. يعني الاعتماد على الأرض من دون ذكر العجن. ورواية ذكر العجن رواية في صحتها خلاف بين أهل العلم. فمن أهل العلم من حسنها، ومن أهل العلم من رأى أنها لا ترتقي لدرجة الحسن. فلهذا قال من قال: لا يعجن، يكفي أن يعتمد على بطن كفه، يعني هكذا، ليس هكذا هكذا على الأصابع وبطن الكف. ومن رأى صحة حديث العجن قال: يعتمد هكذا اليدان مقبوضتان، فيعتمد بالكفين مقبوضتين كهيئة العاجن. وكذلك بعض من صحح حديث العجن قال: ولو صححنا حديث العجن فلا يلزم أن يكون العجن بقبض الكفين، قد يكون العجن هكذا، وقد يكون العجن هكذا. وهذا معروف لمن يعرف عجن الخبز، فمن الناس من يعجن هكذا، ومن الناس من يعجن هكذا. فلهذا نقول: الأمر واسع، من قام من قام فاعتمد على يديه عاجنا بيديه قابضا لهما، فقد قال به بعض أهل العلم وجاء به الحديث. ومن قام فبسط أصابع كفيه فاعتمد على بطن أصابع كفيه، فالأمر في هذا واسع، ولا ينبغي مثل هذا أن يكون سببا للشقاق والنزاع، بل هذا من الخلاف الذي يسع فيه الخلاف والأمر فيه واسع والحمد لله. المسألة الثانية التي أشار إليها قوله: «وهي ركن» أي هذه الركعة بقيامها وما يلحق بها من أركان الصلاة. ويصنع فيها ما صنع في الأولى، يعني مما ذكر في الكلام على الركعة الأولى من قراءة الفاتحة ومن كذلك قراءة ما تيسر من القرآن بعدها وإلى آخره حتى يصل إلى السجود. وهل يستحب في حقه أن يقرأ دعاء الاستفتاح بعد قيامه؟ الجواب: لا؛ لأن الاستفتاح إنما يكون في أول الصلاة. وعلى هذا فسر ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أنه إذا قام في الركعة الثانية قرأ بالحمد لله رب العالمين ولم يسكت». قالوا: معنى ولم يسكت أي كالركعة الأولى؛ لأن الركعة الأولى كان ماذا يفعل فيها؟ قبل بعد تكبيرة الإحرام يسكت سكت يسير ثم يقرأ بالحمد لله رب العالمين. فمعنى لا يسكت أو لم يسكت يعني لم يكن له وقت ليقرأ دعاء الاستفتاح أو غيره. وهل من عدم السكوت كذلك ألا يتعود إذا كبر وارتفع قائما للركعة الثانية؟ هل يقرأ الحمد لله رب العالمين بدون تعوذ وبدون بسملة؟ أما البسملة فالصحيح من أقوال أهل العلم أنه يقرأها، وهذا هو الأحوط. وقد اختلف أهل العلم كما تقدم معنى هل هي آية من الفاتحة أم لا؟ فلابد أن يقرأها لعموم ما ورد في هذا الباب. أما التعوذ ففيه خلاف، وليس هناك شيء صحيح صريح يقتضي الجزم بالقراءة أو عدمها، فالأمر في هذا واسع، إن شاء تعوذ في كل ركعة، وإن شاء اكتفى بالتعوذ في أول القراءة في الركعة الأولى. واضح، فإذا عندنا قبل قراءة الإمام المصلي للحمد لله رب العالمين ثلاثة أشياء: دعاء الاستفتاح لا يقال إلا في الركعة الأولى، التعوذ الأمر فيه واسع، البسملة تقال في كل ركعة كما أن الفاتحة تقرأ في كل ركعة كما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام في تعليم المسيء في صلاته، قال: «فقرأ بها في كل ركعة» يعني الفاتحة. أما ما بعد الفاتحة من قرآن فكما تقدم معنى في الركعة الأولى والثانية يقرأها. بل قال بعض أهل العلم بالوجوب. وفي غير الركعة الثانية الأولى والثانية لو قرأ أحيانا فقد صحت به السنة، خصوصا في الصلوات ماذا؟ النهارية الرباعية: الظهر والعصر. الظهر والعصر كما جاء معنا في الأحاديث التي سبقت معنا. قال رحمه الله: «ويصنع فيها ما صنع في الأولى» تقدم قال: «إلا أنه لا يقرأ فيها دعاء الاستفتاح» كما سمعتم؛ لأنه جاء في الحديث: «أنه كان يستفتح في الثانية بالحمد لله ولا يسكت». وفسر لا يسكت بما سمعنا من تفصيل. وقوله: «ويجعلها أكثر في الركعة الأولى» يعني القيام والقراءة. السنة أن الركعة الثانية لا تكون مثل الأولى، تكون أقل منها. وإذا جعلها مثلها فلا بأس أحيانا، لكن لا يجعلها أطول منها، لا تكون الركعة الثانية أطول من الركعة الأولى، فالقراءة فاذا في قيامها تكون أقصر من القراءة في الركعة الأولى، يعني في قيامها. ومن تأمل سنة النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك وجد هذا. فمثلا كان يقرأ في الأولى بسبح اسم ربك الأعلى يوم الجمعة، وفي الثانية بماذا؟ هل أتى على الإنسان؟ وهي أقصر. وهي أقصر. وهكذا كذلك أحاديث كثيرة لمن تأملها. ولا بأس أحيانا أن يكون متقاربا إذا كان هناك معنى في موافقة السنة في الجمع بين النظائر كما تقدم معنا في حديث أبي مسعود. فمثلا من جمع بين النظائر يقرأ ب: سأل سائل مع النازعات، ويقرأ ب: كذلك المرسلات مع عم، هذا من الجمع بين النظائر. ونرى أن هذه الصور بينهما تقارب أو في بعضها، فلا بأس في هذا. طيب، قال رحمه الله تعالى: طيب، نترك التشهد إن شاء الله في الدرس اللاحق، نأخذ أحكام التشهد إن شاء الله كاملا في الدرس اللاحق. إلى هنا إن شاء الله.