الدرس في كتاب الحج 8، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
الجماع في الإحرام قبل التحلل الأول يفسد الحج أو العمرة ويوجب فدية بدنة. الفدية تنقسم إلى قسمين: فدية على التخيير وفدية على الإلزام.
المحرم الذي يصيد يمكنه اختيار دفع فدية من النعم أو إطعام مساكين أو صيام. كما يوضح شروط فدية الأذى ولبس المحرم للثياب المخيطة.
المقطع يتناول تفاصيل أحكام الإحرام والمحظورات التي يتعرض لها المحرم، مثل ستر الوجه واليدين، واستعمال الطيب، وقتل الصيد. كما يشرح الكفارات المترتبة على هذه المحظورات.
يختتم الشيخ درسه مؤقتًا معلنًا عن متابعة الموضوع في درس قادم. ويعبر عن شكره للمتابعين.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. مر معنا في الدرس الماضي ما ذكره المؤلف رحمه الله من محظورات الإحرام، وعلمنا أن من المحظورات أن لا يحلق شعرًا، ولا يقلّم أظافرًا، ولا يلبس مخيطًا، إلى آخر ما ذكره رحمه الله. ثم قال رحمه الله: «وعلى آخر محظورات الإحرام الجماع؛ لأن تحريمه مغلّظ، مفسد للنسك، موجب لفدية بدنه». وهذا إذا جامع قبل التحلُّل الأول، فإذا جامع المحرم قبل التحلُّل الأول فسد حجه، وهكذا المعتمر إذا جامع قبل الطواف والسعي، فإنه تفسد عمرته. كما ذكر رحمه الله، لأن الله عز وجل قال: ﴿لَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾، والرفث هو كل ما يُستفحش، ومنه الجماع في الحج، كما جاء عن السلف. فلا يجوز الجماع في الحج، وهكذا لا يجوز أن يخطب أو يخطب له، كما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث. فمن وقع منه الجماع قبل التحلُّل الأول، فحجه كما ذكر يفسد، وعليه فدية بدنه، وذلك لأن الصحابة أفتوا بذلك، ثلاثة من الصحابة: سهلان بن عمر بن عباس، وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم، ولا مخالف لهم. ومن لم يستطع، أمره سهلان بن عباس أن يصوم ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله، قاسه على الهدي غير المستطيع في الهدي. وأما من جامع بعد التحلُّل الأول، فإنه يُؤمر بفدية كفدية الأذى: شاه، أو إطعام ستة مساكين، أو يصوم ثلاثة أيام. وبه نعلم أن الفدية في الحج تنقسم إلى قسمين: فدية على التخيير، وفدية على الإلزام. فأما فدية التخيير، فهي على قسمين: فدية الأذى، لقول الله عز وجل: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾. خيّر بين الصيام أو الصدقة أو النسك. وفي حديث كعب بن عجرة في الصحيحين، خيّر النبي صلى الله عليه وسلم كعبًا حين رأى هوام رأسه قد آذاه حتى سقط على كتفه، فقال له: «آذاك هوام رأسك؟» فخيّره النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الفدية، كما في الآية. لكن السنة فسّرت القرآن، لم يذكر في القرآن كم يصوم، ولم يذكر كذلك كم يطعم، لكن جاء في السنة تفسير ذلك: إما أن ينسك بشاه، أو يصوم ثلاثة أيام، أو يطعم ستة مساكين. وهكذا النوع الثاني، وهذا النوع الأول ألحق به العلماء أشياء، أخذوا من معنى هذه الفدية. قالوا: هذه الفدية جُعلت لأجل دفع الأذى، وحصول الترفّه، فكل ما كان بمعناه، فإنه يكون له نفس الحكم. فإذا كان هذا في دفع الأذى، ففي غير دفع الأذى من باب أولى. يعني مثلاً رجل باشر امرأته، ويحرم عليه مباشرة امرأته، باشر امرأته، ويحرم عليه مباشرة امرأته، لكن بعد التحلُّ الأول. قالوا: كفارة ذلك أنه فعل شيئًا محظورًا ترفّه به، كفارته كفارة الأذى. ومثله رجل لبس الإحرام، لم يلبس الإحرام، لبس الثياب، ولا يجوز أن يلبس الثياب وهو محرم، فكفارته كفارة الأذى. هذا إذا لم يكن له عذر من جهل أو خطأ أو نسيان. ودليله حديث يعلى بن أمية في البخاري وغيره، لبس جبة وتطيّب طيبًا، فمر بالنبي صلى الله عليه وسلم، وعلم منه أنه محرم، فنهاه عن ذلك، وأخبره أن المحرم لا يجوز له أن يلبس جبة، ولا أن يتطيّب بطيب. فأمره أن ينزع الجبة، وأن يغسل الطيب، ولم يأمره بفدية. فدلّ على أن من وقع في شيء من المحظورات جاهلاً أو ناسيًا، فإنه لا حرج عليه، ولا كفارة عليه. فإن الله عز وجل تجاوز عن هذه الأمة الخطأ والنسيان وما استكره عليه، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم. وأما من فعل ذلك بغير هذا، فإنه فعل محظورًا عليه فدية وكفارة، بفتوى الصحابة، وبالقياس من هذه الآية. فمثلاً رجل يريد أن يحج وهو عسكري، موظف في الجيش، يعمل وظيفة، ويريد أن يحج، ولا يستطيع أن يخلع ثيابه، ويخاف أن لا يستطيع أن يحج، فماذا يصنع؟ أفتى جماعة من المشايخ والعلماء بجواز حجه كذلك، وعليه فدية الأذى، كفدية من حلق رأسه لأجل دفع الأذى. ذاك حلق رأسه من أجل القمل، وهذا لبس الثياب من أجل الوظيفة التي لا يستطيع، يخاف أن لا يستطيع أن يحج. وأما من يستطيع أن يحج، نقول له: أجّل الحج لسنة أخرى. أو إنسان به حكة، لا يستطيع أن يباشر الشمس، يحتاج أن يتحفظ من الشمس بالثياب، فكيف يفعل؟ نقول: حج، والبس الثياب الذي تتحفظ من الشمس، وعليك ماذا؟ فدية، قياسًا على حديث كعب بن عجرة، وفتوى بن عباس في هذا الباب. ولعل هذا التفصيل ينضبط به الأمر. وكما سمعنا، بعض المسائل فيها أقوال، والأمر في هذا من ما يتسع فيه الخلاف؛ لأنه من المسائل الخلافية التي يختلف فيها أقوال العلماء بحسب الدليل فيما يظهر لهم. وليس هناك شيء صحيح صريح، ولهذا وقع الخلاف في مثل هذه المسائل وتفاصيل أخرى. وأما النوع الثاني من التخيير، فالتخيير في جزاء الصيد. فإن الله عز وجل جعل المحرم يحرم عليه صيد البر، ﴿حُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾، وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾. ومن قتله منكم متعمدًا، فجزاء مثل ما قتل من النعم، يحكم به ذو عدل منكم هديا بالغ الكعبة، أو كفارة طعام مساكين، أو عدل ذلك صيامًا. فهذه ثلاثة أنواع من التخيير: إما أن يكون بدل الصيد ما يحكم به ذوو العدل، يعني رجلان أهل عدالة وخبرة ومعرفة، يقيسان ما صاده بغيره من النعم. يعني من بهيمة الأنعام، فالزرافة في مقابل يقابلها ماذا؟ الإبل، والوعل الكبير يقابله البقر، والغزال يقابله المعز، وهكذا، والأرنب يقابله جفرة صغير المعز. وفتاوى جاءت عن الصحابة، قاس عليها العلماء، وأخذوا بها؛ لأنهم من ذوي العدل فيحكم بذلك. أو أن يكون بدل ذلك إطعامًا كما ذكر، وسيأتي إن شاء الله. أو يكون بدل ذلك صيامًا، وسيأتي إن شاء الله. فهو إما أن يطعم، وإما أن يصوم، وإما أن يكون فدية بمثله من النعم، بما يحكم به ذوو العدل. وهناك ما هو ليس على التخيير، وهو الباقي فيما سيأتي معنا إن شاء الله. ومنه الجماع لمن جامع قبل التحلل الأول، فليس فيه تخير، ولكن إذا لم يستطع يصوم ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله. وبعض أهل العلم يقول: ليس كذلك، بل عليه بقيمة البدنة أن يصوم. قال رحمه الله تعالى: «وأما فدية الأذى، فإذا غطى المحرم رأسه، أو لبس المخيط، أو غطت المرأة وجهها». ولكن كما تقدم بغير خطأ، ولا جهل، ولا نسيان. أما إذا كان جهلاً وخطأ ونسيانًا، فلا شيء عليهم في ذلك على الصحيح من أقوال أهل العلم. وقوله: «أو غطت المرأة وجهها أو لبست القفازين»؛ إذا غطت المرأة وجهها بالنقاب، وما كان بمعناه مما يشد على الوجه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينهَ عن تغطية الوجه. فيخطئ الفقهاء حين يذكرون تغطية الوجه، النبي عليه الصلاة والسلام إنما نهى عن ماذا؟ عن النقاب. حديث ابن عمر في الصحيحين: «لا تنتقب المرأة المحرمة، ولا تلبس القفازين». فرق بين النهي عن النقاب، وبين النهي عن تغطية الوجه. ولهذا قال الإمام ابن القيم رحمه الله: «وفي هذا الحديث -أي حديث ابن عمر في النهي عن الانتقاب ولبس القفازين- دليل على أن وجه المرأة كبدن الرجل، لا كرأسه؛ أن وجه المرأة كبدن الرجل لا كرأسه». ثم ذكر رحمه الله معنى ذلك، وفسره. أي أن الرجل لم ينهَ عن ستر جسده، وإنما نهى أن يستر الجسد بالمخيط. فهمنا؟ الرجل هل يترك جسده مكشوفًا؟ لا، ما يترك جسده مكشوفًا، يستره، لكن يستره بماذا؟ يستره بغير المخيط، وهو الذي يسميه فقهاء المخيط. كذلك المرأة، لا يجوز لها أن تشد وجهها بنقاب، ولا تستر يدها بقفاز. وليس معناه أن تكشف الوجه واليدين. وهذه مسألة دقيقة، يخطئ فيها الكثير ممن ينتسب للعلم، بل ومن الفقهاء فضلاً عن طلبة العلم ومن دونهم. فالمرأة لم تنهَ عن ستر الوجه، ليس النهي في ستر الوجه، وإنما في ستره بالنقاب. وليس النهي عن ستر اليدين، ولكن ستره بماذا؟ بالقفاز. فدل على أن وجه المرأة ويدي المرأة كبدن ماذا؟ الرجل، لا كرأسه. أما رأس الرجل، فلا يستر مطلقًا، لا يستر مطلقًا، لا بقلنسوة، ولا ببرنس، ولا بعمامة، فيبقى مكشوفًا. حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بكشف رأس المحرم حين مات محرمًا. إذن ليس وجه المرأة ويد المرأة كوجه الرجل، وإنما كبدنه، فيجوز أن تستر. ويدل على ذلك أن أسماء رضي الله عنها كانت تستر وجهها بستار. وصح عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت ومن معها من النساء يكشفن وجوههن، فإذا مر بهم الركبان، ستروا وجوههن. فدل على أن ستر الوجه لا ينافي الإحرام، بل ليس هو الممنوع، وإنما الممنوع ستره بالنقاب، ستره بالنقاب بما يشد على الوجه. وهكذا الممنوع لليد أن تستر بالقفاز. فإذا ستر تحت الخمار، أو ستر بطرف الستار، فلا شيء في ذلك، بل هذا الواجب أمام الرجال الأجانب. وهكذا كذلك الوجه بالنسبة للمرأة، تستره بغير النقاب، ترخي الستار من أعلى رأسها، فيكون مثل الإزار بالنسبة لجسد الرجل، مثل الإزار بالنسبة لجسد الرجل. طيب، فإذا كان كذلك، فلبسها للستار ليس فيه كفارة، ولا شيء. قال: «أو استعمال الطيب، فيخير بين صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، أو ذبح شاه». كما جاء في حديث كعب بن عجرة في كفارة الأذى بالنسبة للرأس. قاس عليه العلماء هذه المحظورات التي هي بمعنى الترفه واستعمال المباح. فيقولون: هو بمعنى ذاك، ولكن كما قلنا بشرط وقيد مع أثر بن عباس الذي جاء، يقال: ممكن أن يقال بذلك، لكن بشرط أن لا يكون خطأ أو نسيانًا أو جهلاً أو كرهًا. فإن كان أحد هذه الأربعة، فلا. قال: «وإذا قتل الصيد، خير بين ذبح مثله إن كان له مثل من النعم». مثل ما مثلنا في الأمثلة، ذكر العلماء أن لها مثل، ويوجد أشياء ليس لها مثل. فإذا لم يكن لها مثل، فهنا يكون ينتقل إلى الآخر. قال: «وبين تقويم المثل بمحل الإتلاف». فيشتري به طعامًا فيطعمه. ومعناه: يقومه في المكان الذي أتلف. مثلاً النعام في أفريقيا رخيصة، لكن إذا جاء إلى مكة، وقال: أنا في أفريقيا قتلت نعام وأنا محرم -مثلاً مع أن الإحرام يكون من الميقات- لكن نقول: مثلاً لو وجد في مكان بعد الإحرام بين المدينة ومكة، فمكان الصيد ثمنه كم؟ ومكان الحج مكان آخر، فليس هناك، إنه المكان الذي صاد فيه الصيد. وهذا هو قوله: «تقويم المثل بمحل الإتلاف»؛ بمحل الإتلاف رفقًا بهذا المتلف. فإذا أتلفه مثلاً بين مكة والمدينة، فيتلفه بين مكة، فيكون قيمته فيما بين مكة والمدينة، وينظر كم قيمته، فيشتري به طعامًا فيطعم لكل مسكين مد بر، أو نصف صاع من غيره. أو نصف صاع من غيره، قياسًا على ما جاء من الفرق بين البر وغيره في الإطعام. ومعناه: المد الصاع أربعة أمداد، معناه: إذا كان من البر فمد، وإذا كان من غير البر فمدان. أو يصوم عن إطعام كل مسكين يومًا، يصوم عن إطعام كل مسكين يومًا، كما قال الله عز وجل: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾. وبهذا جاءت فتوى الصحابة، والقياس الصحيح. قال رحمه الله: «أما دم المتعة والقران، فيجب فيه ما يجزئ في الأضحية». فإن لم يجد، صام عشرة أيام: ثلاثة في الحج، ويجوز أن يصوم أيام التشريق منها، وسبعة إذا رجع. وكذا حكم من ترك واجبًا، أو وجبت عليه الفدية لمباشرة، أو طيب. يقول أولاً: «دم المتعة والقران، الصحيح أنه دم نسك، لا دم جبران؛ فهو دم نسك لأجل العبادة بهذا الوصف، كان فيها هذا النسك». ويجب ما يجب في الأضحية، قياسًا، قاس عليه العلماء؛ لأنها من معنى الأنساك المتعبد بها. فإن لم يجد، صام عشرة أيام، كما قال الله عز وجل: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾. فمن لم يجد، فصيام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجعتم. وهذه الأيام الثلاثة يجوز أن يصومها من حين دخوله في الإحرام، فهو الآن في الحج ثلاثة أيام في الحج. ويجوز على الصحيح حتى في أيام التشريق، لحديث عائشة وابن عمر: أنه ن، نهى عن صيام أيام التشريق، إلا لمن لم يجد الهدي. والحديث في البخاري وغيره. وهو كما قال رحمه الله تعالى. طيب، نقف إلى هنا، ونترك الباقي إن شاء الله إلى درس لاحق. والله تعالى أعلم. شكرًا.