الدرس في كتاب الحج 15، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
شرح أحكام طواف الوداع في الحج وبيان واجبه عند الجمهور واستثناء المرأة الحائض، وأنه لا يشرع في العمرة. يوضح المقطع الأول أحكام طواف الوداع.
يشرح أحكام الهدي في الحج، وأنواعه، واختلافه باختلاف النسك، وعدد المشاركين فيه، وشروطه.
يتناول شروط الهدي والأضحية، مثل السن المعتبرة وعدم وجود العيوب، وعدد المشاركين في الأضحية.
يتناول أحكام الحج، مثل الترخص بالزحام، والحلق بعد الرمي، ودليل الاستحباب للرمي بعد الزوال.
يشرح تفصيل الترخص بالزحام حسب الحالة، مثل الرمي بعد المغرب والحلق بعد الرمي.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، مر معنا بالدرس الماضي ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى من مسائل تتعلق بأحكام وصفية الحج، ومن ذلك ما ذكره رحمه الله تعالى من أحكام طوافي الإفاضة، وعلمنا أن طواف الإفاضة يستحب أن يكون يوم العاشر. وهل يجوز أن يؤخر؟ نعم، يجوز إلى متى؟ قبل أن ينتهي شهر ذي الحجة. نعم، وهل يجوز أن يجمع مع طواف الوداع؟ يجوز، الصحيح يجوز أن يجمع مع طواف الوداع، ولكن كما تقدم الأفضل والأكمل أن يكون في يوم العاشر. ومتى طافه النبي صلى الله عليه وسلم؟ في الخلف، متى طافه عليه الصلاة والسلام؟ نعم، لعند السارية؟ نعم، لكن متى يوم العاشر؟ قبل صلاة الظهر. أحسن، صلى الظهر في مِنى، صلى الظهر في مِنى، يعني طاف طواف الحج قبل صلاة الظهر. وفي هذا الزمان مع الزحام كما قلنا، ماذا يفعل الحاج في أعمال يوم العاشر؟ ما هو الأفضل في حقه؟ الأفضل الرمي والنحر والحلق والطواف، هذه هي سنة النبي صلى الله عليه وسلم بالترتيب، ولكن مع الزحام يقدم على الآخر بشرط ألا يقدم الحلق قبل الرمي. طيب، ويستعين بذلك بالوسائل الحديثة كما قلنا، فالمقصود هو أن يؤديها على وجه لا يضر نفسه ولا يضر غيره، فيبتعد عن مواضع الزحام. فإن وجد أن الزحام في الرمي قدم النحر أو الطواف. طيب، وإن وجد الزحام في الطواف قدم الرمي، وهكذا. ومر معنا من المسائل كذلك أن طواف الحج حكمه، واجب أو مستحب؟ ركن، الصحيح أنه ركن، فعدم فعله يبطل الحج، عدم فعله يبطل الحج. فمن لم يفعل طواف الإفاضة، فحجه باطل لأنه لم يفعل ركنًا من أركان الحج. نعم، وهكذا كذلك مر معنا من المسائل أن بطواف الإفاضة يتحلل التحلل الأصغر من الأكبر، الخلف، أحد من الذين بالخلف عندك، الأكبر يعني يحله كل شيء حتى النساء. نعم، طيب. طواف الوداع، لما أخبرنا اليوم، وأما أنه إذا فرغ من أعمال الحج طاف طوافًا للوداع، فلحديث ابن عباس عند مسلم رحمه الله وغيره، قال: كان الناس ينصرفون في كل وجه -يعني بعد الحج- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا ينفر أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت» -يعني أمرهم أن يكون آخر عهدهم بالبيت- أي الطواف. وإذا ذكر الطواف، الطواف المشروع هو سبعة أشواط مع ركعتين خلف المقام، لابد من هذا الطواف الكامل، وبغير هذه الصفة الطواف غير مقبول، لقوله عليه الصلاة والسلام: «خذوا عني مناسككم»، وقوله عليه الصلاة والسلام: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد». ولم يعرف لا في الكتاب ولا في السنة أن الطواف يجزئ بغير هذا الوصف الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته رضي الله عنهم أرضاهم. قال: وفي لفظ للبخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن المرأة الحائض. واستدل العلماء بلفظة «أمر الناس» على أن هذا الأمر للوجوب، وأكد هذا بقوله: «إلا أنه خفف عن المرأة الحائض»، والتخفيف لا يكون إلا من واجب، فالمرأة الحائض يسقط عنها هذا الواجب. ومر معنا أنه يجوز إدخال حجة طواف الوداع في الحج على طواف الإفاضة، فيكونان معًا عملًا واحدًا بنيتين، لأن المقصود أن يكون آخر عهده بالبيت، إيش؟ الطواف، فإذا طاف طواف الإفاضة ثم مشى، فقد تم المقصود. وفي هذا خلاف، وهذا هو الصحيح. وقاس العلماء على المرأة الحائض كل أهل الأعذار كالمريض أو الكبير الذي يشق عليه الطواف ونحو هؤلاء، فإنه يسقط عنهم طواف الوداع. وهل يلزم الإنابة في طواف الوداع؟ الصحيح لا توجد إنابة في طواف الوداع، ليس بطواف الوداع إنابة. وهكذا كذلك تأتي مسألة: هل طواف الوداع خاص بالحج؟ أم أن العمرة كذلك؟ بعض العلماء قاس العمرة على الحج، وأكثر أهل العلم أن العمرة ليس فيها طواف وداع، وهذا هو الصحيح، لثلاثة أمور هي من أهم ما أجيب في هذا الباب. أولها: أنه ليس هناك شيء صحيح صريح يدل على الوجوب لا من الكتاب ولا من السنة، والأصل براءة ذمة الناس من الوجوب، فإن الأصل هو براءة من التكليف، براءة من التكليف والإلزام، ولا دليل على هذا الإلزام. الأمر الثاني: أن قياس العمرة على الحج قياس مع الفارق، فإن الحج أعماله كثيرة ووصفه كذلك، والعمرة أعماله قليلة وأدلته ظاهرة وواضحة، وقد تكررت ولم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بها. فلذلك صار القياس قياسًا ضعيفًا، ويؤيده ويؤكده أن الحج أكبر من العمرة، فلا يقاس الأكبر على الأصغر، فما أحكامه أكبر وأكثر لا يقاس عليه ما أحكامه أصغر، لأن ما أحكامه أصغر يناسبه الاختصار والزيادة، الاختصار. فكونه جاء في الحج حكم زائد لا يعني أن نقيس عليه العمرة. ففي الحج أعمال كثيرة ليست موجودة في العمرة، هل نقيسها على العمرة وندخلها في العمرة؟ الجواب لا. فإذا كان كذلك، فكذلك يقال على الصحيح في طواف الوداع. والله أعلم. والأمر الأخير: أن سببه موجود، أي أنهم اعتمروا عمرات كثيرة ولم يأمر به النبي صلى الله عليه وسلم ولا في مرة واحدة، ولم يثبت أنه فعله عليه الصلاة والسلام ولا مرة واحدة، بل ولم ينقل حتى عن الصحابة على الصحيح. فإذا كان كذلك، علم أن الراجح في هذه المسألة أنه لا يشرع ذلك، فضلًا أن نقول أنه يجب على الناس. نقول: لا يشرع، فضلًا أن نقول أنه يجب على الناس. فهو لا يجب، بل ولا يشرع. لو قال إنسان: أنا سأفعله من عند نفسي، يقال: لا تفعل، لماذا؟ لأنه شيء يحتاج إلى دليل، فلا تتعبد الله عز وجل إلا بشيء صحت به الأدلة، وليس هناك شيء يدل على مشروعية طواف الوداع للعمرة. والله تعالى أعلم. قال رحمه الله: «وفي الباب أحاديث». وإلى وجوب طواف الوداع ذهب الجمهور، وقال مالك وداود وابن المنذر: هو سنة، لا شيء في تركه. بل نقل ابن المنذر أنه واجب. فالقول بالوجوب أقرب. والله أعلم. ويبقى كذلك من الأعمال: السعي، فإن السعي سعي الحج مما لا بد منه. وقد تقدم معنا في دروس ماضية أن من لم يحج، فمن لم يسعَ من قارن أو مفرد، فعليه أن يسعى. ها هنا، ومن سعى أغناه السعي. وأما المتمتع فإنه يسعى سعيين، لأنه يعمل عملين، لأنه يعمل عملين، كما تقدم معنا في ذلك. وذلك لأن عمله منفصل، وهو عمرة كاملة يتحلل منها يحتاج لهذه العمرة سعي، وحج كامل منفصل عن تلك العمرة يحتاج له كذلك سعي. فلذلك كان الصحيح أن المتمتع عليه أن يأتي بسعيين. وأما القارن والمفرد، فإذا أتى بالسعي في أول الأمر أغناه ذلك عن السعي في آخره. والسعي ركن من أركان الحج. ما هي أركان الحج الأربعة؟ من يأتي بها؟ أركان الحج أربعة، الإحرام بالنسك، الوقوف بعرفة قبل السعي، طواف الإفاضة، ثم السعي، سعي الحج. هذه أربعة أركان لا بد منها، من لم يأتي بها فلا حج له. من لم يأتي بها فلا حج له. وكل هذه الثلاثة الأول يأتي بها القارن والمتمتع والمفرد على الأنساق الثلاثة، إلا السعي، فإن السعي إذا أتى به المفرد في أول قدومه أغناه ذلك عن السعي سعي الحج. وكذلك القارن إذا أتى به في أول قدومه، الصحيح أنه أغناه ذلك عن كذلك سعي الحج. ويدل عليه ما صح عن عدد من الصحابة، وجاء معناه كذلك في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا تفعلي ما يفعل الحاج»، لما حاضت، وأمرها أن تدخل عمرتها على حجها، قال: «افعلي ما يفعل الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت». وهذا يدل على أنه يجوز لها أن تسعى إذا أرادت، فإذا سعت أغناها ذلك عن سعي الحج على الصحيح. وأما ما جاء في رواية بعض الأحاديث أنه قال: «غير أن لا تطوفي بالبيت ولا بين الصفا والمروة حتى تطهري»، هذه الزيادة ضعيفة شاذة لم تصح، يعني «ولا بين الصفا والمروة». بل الصحيح أن النهي خاص فقط بالطواف. وصح عن ابن عمر عند ابن أبي شيبة بإسناد صحيح أنه قال: «إذا طافت المرأة بالبيت قبل أن تسعى بين الصفا والمروة فليسعى بين الصفا والمروة»، يعني حصل لها الحيض، طافت وهي طاهر، وقبل أن تسعى جاءها الحيض، فماذا تصنع؟ السعي لا يشترط له الطهارة على الصحيح، معناه موجود في حديث عائشة وأثر ابن عمر هذا الصحيح يدل عليه. فإنه يقول: «إذا طافت المرأة بالبيت قبل أن تسعى بين الصفا والمروة فليسعى بين الصفا والمروة»، وهو يدل على أن السعي لا يشترط له الطهارة، ويدل ثانيًا أن المرأة الحائض إذا احتاجت أن تقدم السعي وهي قارنة جاز لها أن تقدم السعي. وإذا قدمت السعي على الصحيح يجزئها عن سعي الحج، يجزئها عن سعي الحج. ويدل عليه حديث جابر رضي الله عنه وأرضاه الذي قد تقدم معنا بصحيح مسلم، وفيه أنه أجزأهم طواف واحد. والصحيح أن هذا الطواف كُسر ببعض الروايات بأنه ماذا؟ السعي، بأنه السعي، أي أجزأهم سعي واحد، لأنه جاء في بعض الروايات: «فأجزأنا أو قال فكفانا طواف واحد بين الصفا والمروة». فطواف بين الصفا والمروة يدل على أن المقصود بالطواف الذي أجزأهم ليس طواف الحج، وإنما المقصود السعي بين الصفا والمروة، فيسمى كذلك طوافًا. يسمى كذلك طوافًا. قال رحمه الله تعالى: «والهدي أفضله البذنة، ثم البقرة، ثم الشاة. وتجزئ البقرة والبذنة عن سبعة. ويجوز للمهدي أن يأكل من لحم هديه ويركب عليه. ويندب إشعاره وتقليده. ومن بعث بهدي لم يحرم عليه شيء مما يحرم على المحرم». قال: أقول هذا المتن، والآن الشرح. قال: «أما كون البدن أفضل فلأنه صلى الله عليه وسلم كان يهدي البدن، ولأنها أنفع للفقراء، وكذا البقرة بالنسبة إلى الشاة. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل: أي الأضاحي أفضل؟ فقال: «أثمنها وأغلاها عند أهلها». والبدن أغلى. ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم أهدى بالبدن». قال: «وهذا إذا كان الذي سيهدي البدن والبقرة واحدًا. أما إذا كانوا جماعة بعدد ما تجزي عنه البدن والبقرة، فقد وقع الخلاف: هل الأفضل لسبعة البدن أو البقرة أو الشاة الواحد؟ والظاهر أن الاعتبار بما هو أنفع للفقراء، ويختلف هذه المنفعة من بلد إلى بلد». فمثلًا في بعض البلاد الناس ما تحب لحم الإبل، فيكون الغنم أو الضأن أنفع للناس من لحم الإبل. وفي بعض البلاد لحم الإبل أنفع للناس، وخصوصًا إذا كان كبيرًا ويعطي لحمًا كثيرًا والناس بحاجة، فيكون هذا أنفع للناس وهو أفضل. وكذلك البقر، في بعض البلاد البقر عندهم أحب إلى بعض الناس من الغنم، فيكون البقر أفضل ولو كان سبعة في بقرة واحدة. وكذلك بالنسبة للمعز والضأن، أيهما أفضل؟ المعز والضأن يقال: أنفعه للناس. فما كان أنفع فهو أفضل، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتقدم. قال رحمه الله تعالى: «وأما كون البدنة عن سبعة كالبقرة فلحديث جابر في الصحيحين وغيرهما. والصواب أنه في صحيح مسلم». قال: «أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشترك في الإبل والبقر، كل سبعة منا في بدنة». وفي لفظ لمسلم رحمه الله: «فقيل لجابر: أيشترك في البقرة ما يشترك في الجزور؟ فقال: ما هي إلا من البدن»، يعني أن الحكم فيها سواء. ولا ينافي ما جاء أن البدن جُعلت عن عشرة في بعض الأحاديث. والصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم جعلها كذلك في الغنائم، وليست في الهدي والأضاحي، جعل البدن عن عشرة في تقسيم الغنائم، وهذا باب آخر، وهذا باب آخر. وليس هناك شيء صحيح صريح يدل أن الإبل تجزي عن عشرة في الأضاحي أو الهدي، بل الصحيح أنها عن سبعة، هكذا جاءت في أكثر الأحداث. قال: «واخرج أحمد بن ماجة عن بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه رجل فقال: أنا على بدنة. قال: وأنا موسر ولا أجدها، فأشتريها». أو قال: «أنا علي بدنة وأنا موسر ولا أجدها فأشتريها. فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يبتاع سبعة شيئًا فيذبحهن». ورجاله رجال الصحيح، والحديث فيه ضعف، لكن له طرق يرتقي بها إلى الحسن، حسنها به بعض أهل العلم. ومعناه صحيح، حتى لو ضعف إسناده فمعناه صحيح. فجاء من حديث ابن عباس من طريق عطاء من أبي مسلم خرساني، ولم يسمع من ابن عباس، لكنه معناه صحيح، أي أن سبع الأشياء تغني عن البدنة الواحدة. وينبغي أن نعلم هنا أن للهدي أحكامًا، من هذه الأحكام أن نعلم أن الهدي على أقسام وأصناف. أولها: هدي النسك، وهو ما يكون للمتمتع والقارن، هدي النسك ما يكون للمتمتع والقارن، وهذا يذبح في مكة كما أمر الله عز وجل أن يكون هديا بالغ الكعبة. والثاني: الفدية، وهذه الفدية كذلك تشبه معنى الهدي، وهي تذبح حيثما احتيج إلى الترخص بها، كما أمر الله عز وجل ذلك فيما تقدم معنى في فدية من احتاج أن يحلق رأسه، فإنه في المكان الذي يحتاج أن يترخص بالرخص من المحظور يفدي، سواء أكان في مكة أو كان خارج مكة. وهذا على الصحيح لا يشترط له أن يكون في مكة. وسيأتي زيادة تفصيل في هذا. الثالث: كفارة الصيد، وهذا كذلك لا يشترط أن يكون في مكة، فحيثما وقع موجب الكفارة كفر، إن كان داخل مكة ففي مكة، وإن كان خارج مكة فخارج مكة. والرابع: والإحصار، فإن احصرتم فمستيسر من الهدي، وهذا كذلك يكون في المكان الذي وقع به الإحصار، أو يرسل به إلى مكة. والخامس: كفارة الوطئ، فمن وطئ أيام قبل التحلل الأول فسد حجه، ولزمه على القول الصحيح من أهل العلم بدن، لأنه جامع قبل التحلل الأول، وهذا من مفسدات الحج، ويلزمه إكمال حجه وهو فاسد. في أمر الله عز وجل بإتمام الحج والعمرة، فيجب امتثال هذا الأمر فيكمل الحج، وعليه أن يأتي بحج آخر إن كان هذا الحج حج فريضة، وإن كان نافلة. ويستحب في حقه كذلك أن يأتي مكانها بحجة أخرى، وإن كان بعد التحلل الأول -يعني بين التحلل الأول وقبل طواف الحج- فهنا وقع في معصية وإثم، ولكن الصحيح أن حجه لم يفسد، لأنه قد تحلل، ولكن تحلل التحلل الأصغر. واختلف أهل العلم في مثل هذا، فمن أهل العلم من قال: عليه بدنة كذلك. ومن أهل العلم من قال: عليه شاة. وأكثر أهل العلم على أنه شاة، وهذا قول جماعة من الصحابة والتابعين، ولأمة. والأول قول أكثر الصحابة والتابعين ولأمة، بالنسبة لما قبل التحلل الأول. أما بعد التحلل الأول ففيه خلاف: هل بدنة أو شاة؟ قال بهذا بعضهم، قال بهذا بعضهم. والصحيح أنها شاة تجزئه. ويلزمه لأجل أن يتم ما بقي عليه. وفي هذا كذلك خلاف: أن يخرج لأدنى الحل، لأنه أفسد ما بقي من إحرامه، لأنه تحلل التحلل الأصغر، بقي عليه التحلل الأكبر. فمن أهل العلم من يقول: يلزمه أن يخرج لأدنى الحل ويحرم من هناك، لأنه أفسد إحرامه بالجمع، ثم يذهب ويكمل طواف الحج. ومن أهل العلم من يقول: لا يلزمه الخروج، وهذا مما يسع فيه الخلاف. والأحوط أن يخرج إلى أدنى الحل. والشاهد أن ما يذبحه -سواء قبل التحلل الأول أي البدنة، أو بعد التحلل الأول على خلاف الشاة أو ماذا أو بدنة- فهذا يدخل كذلك فيما يهدى في الحج، وهو كفارة، ويكون في مكة. طيب، بقيت مسألة: فإذا جامع بعد التحلل الأول والثاني، فماذا عليه؟ ما عليه شيء. أحسن، إذن عندنا ثلاثة أوجه: قبل التحلل الأول ماذا عليه؟ يفسد حجه وعليه بدنة. وبعد التحلل الأول، هل نقول: قبل التحلل الأول؟ بعد التحلل الأول لا يفسد حجه، وعليه شاة أو بدنة، فيه خلاف. وكذلك يكمل أو يخرج لأدنى الحل، فيه خلاف. نعم، وأما بعد التحلل الثاني، فقد تم حجه. السادس مما يهدى: النذر، من نذر أن يهدي شيئًا إلى البيت، فعليه الوفاء بنذره، امتثالًا لنصوص الكتاب والسنة في الوفاء بالنذر. السابع: من تطوع بهدي، أرسل هديا إلى المسجد الحرام لفقراء مكة، فهذا نوع آخر. سابع من أنواع الهدي. إذن أنواع ما يهدى إلى البيت سبعة. من يعيدها؟ أنواع ما يهدى إلى البيت سبعة. الأول: هدي النسك، وهو ما يكون للمتمتع والقارن، وهذا لا يكون إلا في مكة. الثاني: ما يوجب الفدية، وهذا يكون في المكان الذي هو فيه، وإذا أرسل به إلى مكة فأفضل. الثالث: كفارة الصيد، يفعله حيث وقع المحظور ومخالفة في صيده، إرساله إلى مكة أفضل. الرابع: الإحصار، يفعله في مكانه، وإرساله إلى مكة أفضل. الخامس: الوطئ، وهذا لا يكون إلا في مكة. السادس: النذر، وهذا بحسب ما نذر، النذر إلى مكة يجب الوفاء به في مكة. والسابع والأخير: التطوع، وهو أن يتطوع إنسان بأن يرسل هديا لفقراء مكة والمسجد الحرام، فإنه يكون كذلك. طيب. كذلك من المسائل ينبغي في هذا الهدي الذي يهدى إلى البيت أن تتوفر فيه شروط الأضحية. وشروط الأضاحي ثلاثة: أولها أن تكون من بهيمة الأنعام، لا تكون من غيرها. فلو أراد أن يهدي بغزال -الغزال أغلى من الغنم والبقر- بعض الغزلان أغلى من البقر، كم الغزال اليوم يباع بخمسة آلاف سعودي تقريبًا، حولها أو أكثر، والبقرة حول ألفين، ألفين وخمس، حولها. فإذن هي أغلى، ومع ذلك لا تجزئ، مع ذلك لا تجزئ. إنما لابد أن تكون من بهيمة الأنعام. الثاني: أن يكون في السن المعتبرة، والسن المعتبرة ما جاء بصحيح مسلم، حديث جابر عبد الله: «لا تذبحوا إلا مسنة، إلا إن تعسر عليكم فاذبحوا الجذع من الضأن». فقوله: «لا تذبحوا إلا مسنة»، أي الثني الذي ظهرت أسنانه، وهو ما يسمى بالثني. والثني من الإبل ما بلغ خمس سنوات، غالبًا يكون ثنيًا في خمس سنوات، وليس الشرط بلوغ خمس سنوات، ولكن الشرط هو وجود وصف ماذا؟ أن يكون ثنيًا، مسن. والثني من البقر ما بلغ سنتين، ومن الغنم سنة، وهذا يشمل المعز والضأن. فإن تعسر بالنسبة لمن لم يجد، فينسبة للغنم يجزئ الجذع من الضأن خاصة، ليس من المعز، والجذع من الضأن هو ما بلغ ستة أشهر. فإن قال قائل: كيف نعرف الجدع إذا شككنا في السن؟ لأن ما ولد عندي أنا اشتريته من السوق، وصاحب السوق قال أنه جدع ولا أدري. قال بعض أهل العلم: الجدع يعرف بصفات كثيرة، من هذه الصفات الصوف الذي يكون فيه، لأنه لا يكون إلا من الضأن الذي يجزئ من الضأن. قالوا: صوفه يبدأ بأن يختلف عن صوف الصغير. وبعضهم يقول: ينام بعد أن يكون قائمًا، أن الصوف ينزل. الصغير يكون صوفه منفوشًا ولماعًا، وإذا بدأ يكبر صوفه ينزل ويتغير لونه، هذه من علامات الجدع. وهكذا يعرفونه كذلك بتصرفاته وحركاته، غالبًا دون الجدع يكون فيه كما يقولون عندنا هفة، الصغار قفز يروح، لكن إذا بدأ وصل سن الجدع يعقل، يهدأ. جويًا يكون أهدأ. وهكذا كذلك يعرفه بعضهم بوصفه في رأسه. فالمهم له علامات يعرفها أهل الخبرة، ذكرها بعض أهل العلم، ويسأل في هذا أهل الخبرة. الشرط الثالث: أن لا يكون فيها شيء من العيوب التي تمنع من الإجزاء. وقسم العلماء العيوب إلى ثلاثة أقسام: قسم يمنع من الإجزاء، وقسم ينافي الكمال، وقسم لا يضر. أما الذي يمنع الإجزاء فهي أربعة: وما كان بمعناها. وأول منها وهو ما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «أربع لا تجزئ في الأضاحي: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ضلعها، والكبيرة التي لا تنقي». هذه أربع، فما كان مثلها أو أولى منها فحكمه كحكمها. قال: «العوراء البين عورها»، يعني واضح، فالعمياء ما حكمها؟ من باب أولى، إذا كان العوراء البين عورها، فالعمياء من باب أولى. فإذا كان العور ليس بين -مثل أن تكون حولاء- فهل يضر؟ لا يضر، هذا من القسم الثاني الذي ينافي الكمال ولكنه يجزئ، والأفضل الابتعاد عن هذا العيب. والقسم الثالث: الذي لا يضر ولا ينبغي أن يمنع من التضحية، مثل أن ينكسر قرن هذه البهيمة، ما ينكسر، لكن يقال: ينقشر، يأتي فوق القرن خشاء صلب أسود أو له لون، أحيانًا بسبب أو بآخر ينقشر، هذا لا يضر، ولا ينبغي أن يمنع من التضحية به أو من الإهداء به. أما المكسور فهو خلاف الأفضل. طيب، وإذا وصل الكسر إلى العظم، هذا يدخل في المرحلة الثانية، وقد يدخل في الثالثة إذا صار جرحًا. إذا صار جرح في الرأس فهو من العيب الذي يضر بالشاه. وبعض أهل العلم يقول: لا يجزئ، لأنها تدخل في معنى ماذا؟ المريضة، الذي إن كسر قرنها فصار جرحًا هذه مريضة، وبين مرضها وبين مرضها. قال رحمه الله: «ولا يعارض هذا الحديث حديث بن عباس عند أحمد والنسائي وابن ماجة والتلمذي وحسنه، قال: كنا في سفر فحضر الأضحى، فذبحنا البقرة عن سبعة والبعير عن عشرة». وهذا الصحيح أنه حديث فيه علة، فقد حكم عليه بالإعلال غير واحد من أهل العلم. وجاء في لفظ أصح أنهم كانوا في سفر فغنمهم النبي صلى الله عليه وسلم -ليست فحضر الأضحى- فحضرت الغنائم هكذا جاء في لفظ، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم العشرة في البعير، العشرة في البعير، وهذا أصح، وهذا الحديث ذكره شيخنا في الصحيح المسند. لكن الصحيح أنه معل، فإنه ليس فيه ذكر الأضحى، الصحيح أنه كان في الغنائم. قال: «وكذلك لا يعارضه ما في الصحيحين من حديث رافع بن خديج، أنه صلى الله عليه وسلم قسم، فعدل عشر من الغنم ببعير، لأن تعديل البدن بسبع شياه هو في الهدي، وتعديلها بعشر هو في الأضحية والقسمة». والصحيح أنه حتى في الأضحية لا يكون بعشر، وإنما الرواية الصحيحة أنها كانت في الغنائم. وأما في الأضحي فهي عن سبع، عن سبعة، كما صح بذلك الأحاديث المتقدمة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهي أكثر وأصح، وهي أكثر وأصح. وهذا بعضه ضعيف، وبعضه أعلم. قال: «وقد ذهب الجمهور إلى أن عدل البدن في الهدي سبع شياه، وادعى الطحاوي وابن الرشد أنه إجماع، ولا تصح هذه الدعوة، فالخلاف مشهور». الصحيح أن الخلاف متأخر، وأما عن الصحابة والتابعين فلا يعلم في هذا فتوى عن الصحابة بأنها تجزئ عن عشرة، لا يعلم عن الصحابة. وينبغي أن نفهم النصوص بفهم السلف الصالح من الصحابة والتابعين، ثم من تابعيهم بإحسان. طيب، نقف إلى هنا ونكمل الباق إن شاء الله في درس لاحق. والله تعالى أعلم. قال: «إذا خرج الحاج إلى جدة، يجوز جدة، وجدة، وجدة، ثلاث لغات في اسم هذه البلدة، يجوز الثلاثة». والغالب أن الثلاث الذي يكون على وزنه يكون فيه اللغات الثلاث، يكون فيه اللغات الثلاث. قال: «إذا خرج الحاج إلى جدة بعد الحج، هل يطوف طواف الوداع؟ حتى لو عاد إلى مكة ويؤخر إلى قبل السفر؟ الصحيح من أقوال أهل العلم، وهذا فيه خلاف، الذي في هذه المسألة: الصحيح أنه لا يخرج من مكة إلا وطاف طواف الوداع، امتثالًا لحديث النبي صلى الله عليه وسلم، حتى ولو كان سيرجع». وإذا رجع، هل يلزمه طواف وداع مرة أخرى؟ لا، ما يلزمه طواف وداع مرة أخرى، إلا للضرورة. فالضرورات تبيح المحظورات، مثلا عندهم إنسان مريض احتاج أن يصعّف إلى جدة، خلاص هذه ضرورة، مثل المرأة الحاج، مثل المريض، وهذا مرافق المريض، فلا حرج أن يخرج بدون طواف الوداع، بل لا حرج لو خرج ولم يطف طواف الحج، لو لم يطف طواف الإفاضة، مثلا أسعف مريضًا، احتاج أن يصعّف إلى جدة، وبعضهم لم يطف طواف الإفاضة، هل يجوز أن يخرج من مكة؟ الجواب: يخرج، فقط بقدر الضرورة، ما يخرج الكل، يحتاج المريض إلى مرافقة اثنين، يكفي أن يخرج اثنان، لا يخرج أكثر. وهكذا يقال كذلك بمعناه في طواف الوداع. والله أعلم. قال: «رجل يريد الحج عن شخص آخر، وساعده بأخذ مبلغ أقل من تكاليف المكتب، هل له أن يعتمر عن نفسه ويحج عن هذا الشخص؟ المسلمون على شروطهم، إذا اشترط عليه أن يحج حج تمتع أو قران أو إفراد، فيوفي بما شرط عليه، في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «المسلمون على شروطهم». وكذلك ينتبه أن هذا الذي يحج عنه إذا لم يأت بعمرة الإسلام، فعلي أن أتي بعمرة الإسلام له، لأن أهله قد يكون عندهم جهل، ما يفهمون هذه الأحكام، فأنت تعينهم على أداء الصواب في هذا. وما زاد عن ذلك -كما قلنا- على الوجه المشروع المأذون، لا بأس، مثل أن يأتي بعمرة من المدينة، مثلا أتى بحج تمتع لهذا الذي وكله، ثم ذهب إلى المدينة وقعد عشرة أيام أو أكثر، وأراد أن يأتي بعمرة من المدينة لنفسه، فلا حرج، لا بأس إن شاء الله. وأما إذا ما كفى الوقت، فلا يأخذ من عمرة الحج لنفسه، إذا كان هناك شرط، أو لم يأت هذا الموكل بعمرة الإسلام». قال: «ما هو دليل الاستحباب للرمي أن يكون بعد الزوال وقبل صلاة الظهر؟ ما قلنا قبل صلاة في الأيام الثلاثة، أيام التشريق الثلاثة، بعد الزوال إلى قبل غروب الشمس، مغرب، قبل المغرب، يعني». دليله القرآن والسنة، قال الله عز وجل: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ يومين، اليوم يكون للليل ولا للنهار، لي النهار، لي النهار. فعلم أن منتهى الرمي هو آخر النهار قبل المغرب. وهكذا كذلك معناه في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، وأجمع الصحابة على ذلك. فمن أراد أن يتعجل فيخرج قبل غروب الشمس، نعم، فما بعد الغروب فهو لأهل الأعذار، هو لأهل الأعذار. طيب، هل الزحام عذر في هذا؟ خلاف، والصحيح أنه يفصل في هذا، الزحام وهناك زحام تحصل فيه محاذير شرعية أو عرفية، فمثل هذا يرخص أن يؤخر حتى الرمي إلى هذا الوقت بعد المغرب، مثل الزحام الذي يقع في يوم الثالث عشر، عفوا يوم الثاني عشر، يوم التعجل، يوم التعجل، حتى القوي إذا دخل يرمي قبل غروب الشمس سيكون فيه مشقة ومضرة وأذية له ولغيره، ما دام هو ليس بمتعجل، هو ليس متعجل، لماذا يرمي نفسه بالزحام؟ واضح. الناس الذين يأتون الآن يريدون كل منهم أن يرمي قبل غروب الشمس، يريدون يتعجلون، فالضغط يتعجل يتعجل من متى؟ من بعد الزوال إلى قبل غروب الشمس. وأنت يا أيها الحاج الذي لست بمتعجل، ما تحتاج تزيد الضغط، الضغط، أنت ستجلس إلى يوم الثالث عشر، إذن اعطي للناس فسحة، فلا يرمي في هذا الوقت من بعد الزوال إلى المغرب، لا يرمي من يريد عدم التعجل، يرمي متى؟ بعد المغرب، هذا فيه مصلحة للناس وتخفيف، وكذلك تخفيف لنفسك أنت يا أيها الحاج الذي أنت لست بمتعجل. وإذا كانت امرأة فهو كذلك من باب أولى، والزحام بالنسبة للمرأة ليس مثل الزحام بالنسبة للرجل، والزحام الكبير في السن ليس مثل الزحام للرجل القوي، فلذلك قد يرخص لأناس لا يرخص لأناس آخرين، هذا المقصود، الصحيح التفصيل في الترخص بالزحام، الصحيح التفصيل في ذلك. فإذا وجد الزحام يرمي بعد المغرب ولا حرج، حتى ولو كان رجلًا. طيب، تقول: الذي معه أضحية هل يحلق بعد الرمي؟ نعم، الحاج يعمل أعمال الحاج، والحلق يكون بعد الرمي. طيب، بعد أن يذبح يحلق، وهل يجوز أن يقدم؟ الصحيح أنه يجوز أن يقدم، لكن الأفضل