الدرس في التعليق على شرح الشيخ العثيمين على حقيقة الصيام لشيخ الإسلام 4، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش حكم الأكل والشرب والجماع ناسياً في الصيام، ويستعرض آراء الفقهاء في هذه المسألة. يرى شيخ الإسلام ابن تيمية أن الصائم إذا أكل أو شرب أو جامع ناسياً فلا قضاء عليه.
يتناول حكم النسيان والخطأ في العبادات، ويفرق بين فعل المحظور وترك المأمور، ويبين أن الإثم يسقط في الحالتين، لكن الحكم يسقط في فعل المحظور ولا يسقط في ترك المأمور إذا كان الوقت باقيا.
تناول عدة مسائل فقهية، منها حكم القلس والنخاعة والنخامة، وتأخير السنة البعدية لصلاة الظهر إلى وقت العصر، وموضع دعاء الاستخارة، حيث رجح أن يكون بعد السلام.
يؤكد على أهمية ذكر الله تعالى في مختلف الأوقات والأحوال، ويحذر من الغفلة عن الله واتباع من أغفلهم الله عن ذكره. يذكر الآيات التي تحث على ذكر الله تعالى بعد الصلاة وفي الأيام المعلومات.
يصرّ إخوانكم بموقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم التعليق على شرح الشيخ محمد بن صالح العثيمين على حقيقة الصيام لشيخ الإسلام ابن تيمية، رحمهم الله تعالى، تعليق فضيلة الشيخ عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس الرابع. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فقد مر معنا في الدرس الماضي ما ذكره المؤلف -رحمه الله، شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله، في رسالته «حقيقة الصيام» من مسائل تتعلق بالصيام، وكان من تلك المسائل ما ذكره رحمه الله تعالى، وقد مرت مجموعة من المسائل، ما لحق في مسألة القيء، وحكمة، وكذا إشارة إلى بعض المسائل، ومنها أمر الحجامة، وكذلك كان آخر ما وقفنا عليه قضية القضاء للمجامع في نهار رمضان، وسبق الكلام على ذلك، وأنه في هذه المسألة خلاف، فمنهم النظر إلى الروايات، ورجح باعتبار الصحة والضعف، ومنهم النظر إلى المعنى، وكما سبق معنا، الصحيح في ذلك التفصيل، جمعا بين الروايات الواردة إثباتا ونفيا، وكذلك بحسب حال الشخص. وذكر كذلك المؤلف -رحمه الله- من المسائل المجامع الناس، وسبق الخلاف في هذه المسألة، وأن الصحيح في ذلك أنه لا يؤاخذ الناس في هذا الباب، مثله مثل الأكل والشرب، إذا دلت القرينة على أنه حقيقة وقع موقع النسيان، فهو يدخل في عموم النسيان الذي ورد العفو عنه. وقد صح عن النبي -عليه الصلاة والسلام- «إن الله تجاوزه في رواية وضع عن أمة الخطأ والنسيان وما استكرهه عليه»، والحديث حسن بمجموع طرقه، كذلك جاء من حديث أبي هريرة، وابن عباس، وجماعة من الصحابة، كذلك الحديث الصحيح الصريح في حديث أبي هريرة في الصحيح، فيمن أكل وشرب ناسيا، قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: «إن مطعمه الله وسقاه». ثم شرع المؤلف -رحمه الله- في الكلام على الكفارة وعدم الكفارة، والنسيان والخطأ، وما الحق بذلك في قضية الحج، استطرادا، وهذه طريقة المؤلف -رحمه الله-، لسعة علمه وغزارة فقهه، أنه يذكر المسألة، ثم يستطرد فيذكر ما يشبهها ونظائرها، ولو كان من الأبواب الأخرى، إتماماً للفائدة وتثبيتاً لطريقة الاستنباط، وكيف أن الشرع لا يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع، فكل شيء يلحق بشبهه ومثله، وإن كان هناك شيء يستثنى فبالدليل. قال -رحمه الله تعالى-: «وطرد هذا أن الحج لا يبطل بفعل شيء من المحظورات، لا ناسياً ولا مخطئاً، لا الجماع ولا غيره، وهو أظهر قولي الشافعي»، يعني للشافعي قولان، وهذا هو الراجح من قوليه. قال: «وأما الكفارة والفدية، فتلك وجبت؛ لأنها بدل المتلف من جنس ما يجب ضمان المتلف بمثله، كما لو أتلفه صبي أو مجنون أو نائم، ضمنه بذلك، وجزاء الصيد إذا وجب على الناس والمخطئ، فهو من هذا الباب، منزلة دية المقتول خطأ، والكفارة الواجب بقتله خطأ بنص القرآن وإجماع المسلمين، وأما سائر المحظورات فليس من هذا الباب، وتقليم الأظفار وقص الشارب والترفه المنافي للتفث كالطيب واللباس، ولهذا كان فديتها من جنس فدية المحظورات، ليست بمنزلة الصيد المضمون بالبدل». فأظهر الأقوال في الناس والمخطئ إذا فعل محظورا، أن لا يضمن من ذلك إلا الصيد، وللناس فيه أقوال، هذا أحدها، وهو قول الظاهر، أي لا يضمن إلا الصيد. قال: «والثاني: يضمن الجميع مع النسيان»، يعني جميع المحظورات، كقول أبي حنيفة، وحد الروايتين عن أحمد، اختاره القاضي وأصحابه. «والثالث: يفرق ما بين ما فيه إتلاف كقتل الصيد والحلق والتقليم، وما ليس فيه إتلاف كالطيب واللباس»، يعني يفرقون بين ما فيه إتلاف، الصيد فيه إتلاف، والحلق فيه إتلاف الشعر، والتقليم إتلاف الأظفار، وما ليس في إتلاف كوضع الطيب واللباس على الجسد، مع أنه محرم. قال: «وهذا قول الشافعي، وأحمد في الرواية الثانية، واختارها طائفة من أصحابه، وهذا القول أجود من غيره»، يعني الثالث. قال: «لكن إزالة الشعر والظفور ملحق باللباس والطيب، لا بقتل الصيد، هذا أجود»، يعني إزالة الشعر والظفور، الأشبه أنه يلحق باللباس والطيب؛ لأنه من معنى الترفه الذي ينبغي أن يجتنبه المحرم، والمسألة فيها خلاف كما سيأتي -إن شاء الله-. قال: «والرابع: أن قتل الصيد خطأ لا يضمنه، وهو رواية عن أحمد، فخرجوا عليه الشعر والظفور بطريق الأولياء». قال: «وكذلك طرد هذا أن الصائم إذا أكل أو شرب أو جامع ناسيا أو مخطئا، فلا قضاء عليه، وهو قول طائفة من السلف والخلف، ومنهم من يفطر الناس والمخطئ، كمالك، وقال أبو حنيفة: هذا هو القياس، لكن خالفه لحديث أبي هريرة في الناس». يعني الآن ذكر لماذا ذكر مسائل الحج؛ لأجل أن يبين، فهو يذكر الأشياء وأشباهها، ولكن المقصود هي مسألة الصيام والنسيان فيه، ومن ذلك الذي يجامع ناسيا. قال: «وقال أبو حنيفة: هذا هو القياس، لكن خالفه لحديث أبي هريرة في الناس، ومنهم من قال: لا يفطر الناس، ويفطر المخطئ، وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد، فأبو حنيفة جعل الناس موضع استحسان، وأما أصحاب الشافعي وأحمد، فقالوا: النسيان لا يفطر؛ لأنه لا يمكن الاحتراز منه، بخلاف الخطأ، فإنه يمكنه ألا يفطر حتى يتيقن وروب الشمس، أو أن يمسك إذا شك في طلوع الفجر». وهذا التفريق ضعيف، يعني التفريق بين النسيان والخطأ، فهو من جهة الدليل، ومن جهة التعليل ضعيف، لماذا؟ لأن الدليل عام، والدليل الخاص لم يفرق، «إن الله تجاوز عن أمة الخطأ والنسيان وما استكره عليه». قالوا: «وهذا التفريق ضعيف، والأمر بالعكس، فإن السنة للصائم أن يعجل الفطر ويؤخر السحور، هذه السنة، فالغلو بما أشار إليه أنه يبالغ حتى يتأكد من غروب الشمس، ويمسك حتى لا يشك من طلوع الفجر، هذا خلاف السنة». قال: «فإن السنة للصائم أن يعجل الفطر ويؤخر السحور، ومع الغيم المطبق لا يمكن اليقين الذي لا يقبل الشك إلا بعد أن يذهب وقت طويل جدا، يفوت المغرب، ويَفوَت معه تعجيل الفطور، والمصلّي أمور بصلاة المغرب وتعجيلها، فإذا غلب على ظنه غروب الشمس، أمر بتأخير المغرب إلى حد اليقين، فربما يؤخره حتى يغيب الشفق، وهو لا يستيقن غروب الشفق». وقد جاء عن إبراهيم النخعي وغيره من السلف، وهو مذهب أبي حنيفة، أنهم كانوا يستحبون في الغيم تأخير المغرب، وتعجيل العشاء، وتأخير الظهر، وتقديم العصر، وقد نص على ذلك أحمد وغيره. وقد علل ذلك بعض أصحابه بالاحتياط لدخول الوقت، وليس كذلك، فإن هذا خلاف الاحتياط في وقت العصر والعشاء، وإنما سُن ذلك؛ لأن هاتين الصلاتين يجمع بينهما للعذر، وحال الغيم حال عذر، فأخرت الأولى من صلاة الجمع، وقدمت الثانية لمصلحتين: إحداهما التخفيف عن الناس حتى يصلوها مرة واحدة؛ لأجل خوف المطر، كالجمع بينهما مع المطر، والثانية أن يتيقن دخول وقت المغرب. وكذلك يجمع بين الظهر والعصر على أظهر القولين، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، ويجمع بينهما للغيم الشديد، والريح الشديدة الباردة، ونحو ذلك، في أظهر قولي العلماء، وهو قول مالك، وأظهر القولين في مذهب أحمد. قال: «والثاني: أن الخطأ في تقديم العصر والعشاء أولى من الخطأ في تقديم الظهر والمغرب؛ فإن فعل هاتين قبل الوقت لا يجوز بحال، بخلاف تينك في وقت الظهر والمغرب؛ لأن ذلك وقت لهما حال العذر، وحال الاشتباه حال عذر، فكان الجمع بين الصلاتين مع الاشتباه أولى من الصلاة مع الشك». وهذا فيه ما ذكره أصحاب المذهب الأول من الاحتياط، لكنه احتياط مع تيقن الصلاة في الوقت المشترك، ألا ترى أن الفجر لم يذكر فيها هذا الاستحباب، ولا في العشاء والعصر، ولو كان لعلم خوف الصلاة قبل الوقت لطرد هذا في الفجر، ثم يضطرد في العصر والعشاء. وقد جاء الحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- بالتبكير بالعصر في يوم الغيم، فقال: «بكروا بالصلاة في يوم الغيم؛ فإنه من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله». فإن قيل: «فإذا كان يستحب أن يؤخر المغرب مع الغيم، فكذلك يؤخر الفطور؟». هذه المسألة نتركها -إن شاء الله-، ذكر مسائل كثيرة. طيب، نبدأ بذكرها شيئا فشيئا. كما تقدم معنا، هو يتكلم الآن على قضية المجامع ناسيا، وعلمنا أن الراجح في هذه المسألة التفصيل، الراجح التفصيل. فأولا مسألة النسيان والخطأ، يفرق بين فعل المحظور وترك المأمور، فمن فعل محظورا، أي شيئا ممنوعا منهيا، ناسيا أو مخطئا، فإنه يسقط عنه الإثم، والحكم الإثم، أي لا يأثم، والحكم، أي ليس عليه شيء. وأما من ترك مأمورا ناسيا أو مخطئا، فإنه يسقط عنه الإثم، ولكن لا يسقط عنه الحكم، ودليل هذا التفريق، ويقيد فيما له وقت أن يكون في وقته، مثل الصلاة، دليل هذا التفريق الأدلة. فالنبي -صلى الله عليه وسلم- لم يأمر الصائم الذي أفطر أو أكل ونسي، ففعل فعل المفطر في الظاهر، وهو لم يفطر حقيقة في الشرع، في الحكم، فالظاهر أنه أكل وشرب، لكنه أكل وشرب ناسيا، أسقط عنه الإثم، وأسقط عنه الحكم، فأمره بإتمام صيامه، فقال: «من أكل أو شرب -أي وهو ناسي- فليتم صومه؛ فإنما أطعمه الله وسقاه»، فقوله: «فليتم صومه» فيه مع إسقاط الإثم إسقاط الحكم. وهكذا كذلك يقال في محظورات الحج، كما أشار المؤلف -رحمه الله-، وهذا هو الصحيح، خلافا لمن خالف في هذه المسائل. وأما المأمور إذا نسيه، مثل الطهارة من المأمورات، نسي فصلى بغير وضوء، نسي فصلى صلاة لم يقم الأركان والواجبات، جاهلا أو ناسيا أو مخطئا، فهنا نقول: قد يعذر لخطأه ونسيانه وجهله إذا لم يكن مفرطا، فلا يأثم، لكن لا يسقط عنه الحكم ما دام وقت الصلاة باقيا. ولهذا جاء في حديث أبي هريرة في الصحيحين، في قصة المسيء في صلاته، قال النبي -عليه الصلاة والسلام- للرجل: «ارجع فصلي؛ فإنك لم تصلي»، لم يقل له: «ما فات، فعلته عن جاهل، فأنت معذور، وعليك من الآن وصاعدا أن تفعل كذا وكذا»، لا، بل أمره بإعادة الصلاة، وهذا يدل على هذه القاعدة التي ذكرها العلماء في كتب القواعد الفقهية، وهكذا كذلك في كتب الفقه. فإن بعض أهل العلم أشار إلى ذلك. ونرجع إلى ما أشار إليه المؤلف -رحمه الله-، فمن المسائل التي أشار إليها -رحمه الله- قضية جزاء الصيد؛ فإنه أشار هنا، قال: «وجزاء الصيد إذا وجب على الناس والمخطئ، فهو من هذا الباب»، قوله: «إذا وجب» يعني كأنه يشير إلى أنه ليس كذلك، وهذا هو الصحيح؛ لأنه في كتبه الأخرى -رحمه الله- لا يقول بالوجوب، فيجعل جزاء الصيد مما يسقط كذلك في الخطأ والنسيان، وهو الذي دل عليه الدليل كذلك. قال الله -عز وجل-: ﴿وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُتَعَمِّدًا فَجَزاءٌ مِثلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعمِ﴾ [المائدة: ٩٥]، فقوله: «متعمدا» خرج بذلك المخطئ والناسي؛ فإنه ليس متعمدا، فإذا ليس عليه الجزاء. وأما قياس بعض أهل العلم أنه بما أتلفه الصبي والمجنون، فيقال: يفرق في إتلاف الصبي والمجنون، إذا أتلف الصبي والمجنون ما كان ملكا لأحد، فإنه يلحقه الضمان؛ لأنه ليس من الأحكام التكليفية، بل انتقل إلى أمر آخر، تعلق الأمر بسببه، فهو المتسبب، ولو كان صبيا أو مجنونا، فإذا عليه الضمان. بخلاف إذا أتلف الصبي أو المجنون صيدا؛ ففيه خلاف، والصحيح أنه ما دام على وجه الخطأ والجهل أو النسيان، وهذا هو الغالب في حال الصبي والمجنون؛ فإنه لا شيء فيه؛ لقوله سبحانه: ﴿وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُتَعَمِّدًا فَجَزاءٌ مِثلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعمِ﴾ [المائدة: ٩٥]، هذا هو الصحيح والراجح في هذه المسألة. ثم أشار -رحمه الله- إلى مسألة خلاف أهل العلم في مسألة الناس والمخطئ، والصحيح أنه لا يفرق بين جميع مسائل المحظورات، لا يفرق بين جميع مسائل المحظورات، لكن يفرق بين المحظورات والمأمورات، على ما تقدم. قد يفرق في المحظورات ما إذا كان قد تعلق به شيء من الأحكام العادية، وما هو متعلق بالأحكام الوضعية التي تتعلق بأسباب الأمور ونحوها؛ فإنه فيه الضمان، مثل ما كان ملكا للآخرين ونحوه؛ فإنه يضمن، ولو فعله صبي أو مجنون، كما تقدم. وقوله -رحمه الله- في قضية تقليم الأظفار وقص الشارب والترفه، والتفريق بين الطيب واللباس، الصحيح في هذا عدم التفريق، أي في أن المخطئ والناسي يُعذر في الجميع، كما تقدم. وشيء آخر، هذه المسائل بعضها فيها خلاف، فليس كل محظور من محظورات الحج يوجب الكفارة أو يوجب الدم، فإن بعض الناس توسع في هذا الباب توسعا كبيرا، والصحيح في ذلك أننا نقف حيث وقف بنا الدليل، نقف حيث وقف بنا الدليل، والكلام على هذا في محله في مسائل الفقه التي تتعلق بالحج. لكن لما أشار -رحمه الله- هنا، كانت هذه الإشارة بما يناسب المقام. ثم ذكر -رحمه الله- الطرد، قال: «وكذلك طرد هذا أن الصائم إذا أكل أو شرب» -يعني كما سبقت الإشارة-؛ لأجل هذا ذكر المسائل في الحج؛ ليصل إلى هذا المقصود، وهو أن الناس والمخطئ، الصحيح مع وجود الخلاف، الصحيح في ذلك أنه ليس عليه شيء، ولو كان الخطأ والنسيان في الجماع، ولو كان في الجماع، فلا قضاء عليه، ولكن بشرط أن لا يكون هناك تفريط، وأن تدل القرينة أنه ليس هناك تحايل أو تفريط، وهذا هو القول الراجح، وكما قال وأشار، هو قول طائفة من السلف والخلف. ثم أشار إلى الخلاف في المسألة، وأن الصحيح في ذلك ما تقدم، أنه لا فرق بين الأكل والشرب والجماع، وأنه يُعذر إذا دلت القرينة على صحة وقوع ذلك على هذا الوصف الصحيح: نسيان وخطأ. ثم أشار -رحمه الله- إلى التفريق بين النسيان أو الخطأ، وأن هذا التفريق ضعيف، وهو كما قال -رحمه الله-. ثم استطرادا ذكر قضية طلب اليقين في قضية الصيام عند وجود الشك في يوم الغيم، وأن طلب اليقين ينبغي أن يكون في حدود ما لا يخالف الشرع، فلا يصلح أن يطلب اليقين بمخالفة الشرع، بأن يخرج وقت الصلاة لطلب اليقين، هذا ليس بصحيح، كأن يجمع بين المغرب والعشاء؛ لأجل يتأكد من دخول المغرب، أو يخرج عن حدود السنة من التبكير بالإفطار والصلاة -صلاة المغرب-. بل ينبغي عليه أن يراعي السنة، يعني وقت الاحتياط يكفي أن يكون يسيرا، والحمد لله اليوم توجد ساعات دقيقة، فإذا وجد بهذه الساعات الدقيقة، فيعرفوا وقت دخول وقت الإفطار أو وقت الإمساك، وإذا احتاط بدقيقة أو دقيقتين، فلا حرج، مع وجود الغيم ونحوه مما لا يمكن معه الرؤية؛ لغياب الشمس في الإفطار، أو ظهور الفجر الصادق في الإمساك. لكن أن يبالغ في ذلك، فهذا ليس بصحيح، وهذا هو الصحيح في هذه المسألة. واستطرد -رحمه الله- فذكر مسائل تتعلق بالجمع، والصحيح في هذا أنه ينبغي إذا احتيج إلى الاحتياط أن لا يدخل ويتعدى السنة، فضلا أن يخرج فيخرج وقت الصلاة إلى وقت الصلاة الأخرى، فيجمع من غير عذر. وكونه يجمع لعذر، يعني عذر ظاهر، ليس عذر وسواس وشك، وأما حديث ابن عباس «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- جمع من غير سفر ولا مطر»، جاء معللا في الحديث، حديث ابن عباس في صحيح مسلم، لما سئل ابن عباس: ماذا أراد بذلك؟ قال: «أراد ألا يحرج أمته»، يعني يرفع الحرج إذا وجد. والشك والوسوسة التي يطلبها بعض الناس بإسم الفقه، ليس من الحرج، بل هو عين الحرج، بل ينبغي التوقف عن الوسوسة والتوسع في الشكوك، فيكفي وقت يسير يتوصل به إلى اليقين، لا يبالغ في ذلك. طيب، وإن شاء الله نقف إلى هنا، ونترك الباقي -إن شاء الله- في درس لاحق. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وجزاكم الله خيرا. وننظر -إن شاء الله- فيما يتيسر من الأسئلة. يقول السائل: ما حكم القلس والنخاعة أو النخامة؟ الجواب: حكم القلس هو حكم القيء، لا ينبغي للإنسان أن يتعمد إدخاله إخراجه، وإذا خرج فلا يجوز إدخاله، لا يجوز إدخاله، والقلس هو القيء اليسير، وقيل: هو ما يخرج ليس من المعدة، ولكن من المريء، أو ما بين المعدة والفم، وسواء هذا أو ذاك، فالمقصود أن الشيء اليسير الذي يخرج من طرف المعدة، أو من فوهة المعدة، أو فوق ذلك، إذا خرج لا يفطر، حكمه حكم القيء، والمسألة فيها خلاف، ولكن لا ينبغي تعمد ذلك، كما قلنا في القيء؛ لثلاثة أمور: الأمر الأول: أنه قد يتعبه، الأمر الثاني: قد يدخل إلى جوفه، الأمر الثالث: خروجا من الخلاف. وأما أمر النخاعة والنخامة، وطبعا القلس إذا خرج، مثله مثل القيء، لا يجوز له أن يدخل شيء منه عمدا، وإذا أدخل ذلك عمدا فإنه يفطر، وإذا دخل خطأ فإنه على الصحيح لا يفطر، «ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا». وأما النخاعة والنخامة، والفرق بين النخاعة والنخامة: النخاعة أغلب، والنخامة أخف، ومثله أو أخف منه الريق، فالريق باتفاق أهل العلم يعفى عنه، ما لم يتعمد الإنسان تجميعه، سواء دخل أو أدخله بغير عمد تجميع؛ فإنه قد يدخل شيء من الريق بغير عمد، وبغير عمد تجميعه، فهذا لا يضر -إن شاء الله-، وهذا مما يبتلى به الناس، والمشقة تجلب التيسير. وأما النخاعة والنخامة، فهو نادر، فإخراجه للمضرة، ودفع المضرة لا بأس، كأن يكون إنسان عنده مرض أو نحوه، ولكن لا يجوز له ابتلاعه، وإذا ابتلعه، هل يفطر؟ في هذا خلاف بين أهل العلم، من أهل العلم من قال: يفطر، ومن أهل العلم من قال: لا يفطر، وهو أمر محل اشتباه، فلذلك ينبغي اجتنابه، وعدم التساهل في بلعه، فإذا وقع فهو من الأمور المشتبهة. والصحيح في هذا أنه من الأمور المشتبهة التي ليس عندنا دليل صحيح صريح يدل على الإفطار به، فهو لا يفطر، ومع ذلك لا يتساهل بإدخاله عمدا، بل هو خبث خبيث، شيء خبيث، ينبغي أن يدفعه، خروجا من الخلاف، بمنديل أو غيره، خصوصا أن بعض أهل العلم، وجماعة ليسوا بقليلين، قالوا: بأنه إذا تعمد إدخاله يفطر، فهذا خلاصة هذا الأمر على وجه الاختصار. السؤال الذي بعده، يقول السائل: ما حكم تأخير السنة البعدية -صلاة الظهر- إلى وقت العصر، تكاسلا؟ وهل تصح إذا صلاها؟ كما تقدم معنا، إذا تركها عمدا، بعض أهل العلم يقول: لا تصح، ولا تقبل منه، لكن الصحيح أن النافلة ليست مثل الفرض، ومع ذلك ليس له الأجر مثل أجر من صلاها في وقتها. أما إذا أخرها لعذر، مثل جاءه ضيوف، كما وقع للنبي -صلى الله عليه وسلم-، فله أن يصليها بعد العصر، مع التنبيه والانتباه أن ما بعد العصر قد كُره، فلا ينبغي التساهل في تأخير الصلاة بدون عذر. السؤال الذي بعده، يقول: أين موضع دعاء الاستخارة؟ هل في السجود أو بعد الصلاة؟ هذا محل خلاف بين أهل العلم، فمن أهل العلم من قال: قبل السلام، ومنهم من قال: بعد السلام، ومنهم من قال: يجوز له في السجود. والراجح -والله أعلم- في دلالة عليه الأدلة أنه بعد السلام، ولا بأس إذا فعل أحيانا أنه دعا قبل السلام؛ لأنه من عموم الدعاء، دعاء الاستخارة من عموم الدعاء، وقد قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: «فليتخير من المسألة ما شاء»، أي قبل السلام، بعد الانتهاء من التشهد والتحيات، وكذلك في السجود إذا فعل ذلك أحيانا لا بأس، ولكن الأكمل والأفضل يكون بعد السلام، وإذا فعله أحيانا في سجوده فلا حرج؛ لعموم مشروعية الدعاء في السجود، «قَالُوا: أَفَلَا نَسْتَجِيبُ لَكَ قَالَ: بَلَى، ادْعُوا اللهَ وَأَبْشِرُوا، وَسَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يَسْتَحِي أَنْ يَمُنَّ بِخَيْرٍ عَلَى عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ إِلَيْهِ يَدَيْهِ، أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا»، «قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ»، «ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ»، «وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ»، «أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ»، «وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ»، «إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ»، «هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ»، «وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ»، «ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ»، «وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا»، «وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ»، «فَاذْكُرُوا اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ»، «فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ»، «وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ»، «وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ»، «وَاذْكُرْهُ كَمَا هَدَاكَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ»، «وَلا تَكُونُوا مِنَ الْغَافِلِينَ»، «وَلا تُطِيعُوا مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا»، الآيات في هذا كثيرة. والله تعالى أعلم، وإلى هنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.