مجالس شهر رمضان للعلامة العثيمين 16

مجالس شهر رمضان للعلامة العثيمين 16

الدرس في مجالس شهر رمضان للعلامة العثيمين 16، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في أهمية الزكاة

الزكاة ركن أساسي من أركان الإسلام، وتؤثر في تنمية المال وتطهير النفس. فرضيتها واجبة على كل مسلم.

أحكام الزكاة في مختلف الأموال

تجب الزكاة في الخارج من الأرض، بهيمة الأنعام، الذهب والفضة، وعروض التجارة، ولكل نوع أحكام ونصاب محدد. يجب إخراج الزكاة إذا بلغ المال النصاب.

تفاصيل زكاة الذهب والفضة والتجارة

تجب الزكاة في الذهب والفضة إذا بلغت النصاب وحال عليها الحول، وتجب في الأوراق النقدية وعروض التجارة المعدة للكسب. لكل منها أحكام محددة.

زكاة الممتلكات الشخصية والإيجارية

لا زكاة في الأشياء المعدة للاستخدام الشخصي، ولكن تجب الزكاة في حلي الذهب والفضة. أما الأجرة فتجب فيها الزكاة إذا بلغت النصاب.

التفريغ النصي الكامل

يصرّ إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم إراءة وتعليقًا على كتاب مجالس شهر رمضان للعلامة المثيمين رحمه الله تعالى، إراءة وتعليق فضيلة الشيخ عبد الله بن مرعي العدني حفظه الله تعالى، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس السادس عشر. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا محمد بن صالح عثيمين رحمه الله تعالى في كتابه "مجالس شهر رمضان": قال المجلس السادس عشر في الزكاة. الحمد لله الذي يمحو الزلل، ويصفح ويغفر الخطأ، ويسمح لكل من لاذ به أفلح، وكل من عامله يربح. رفع السماء بغير عمد فتأمل، وأنزل القطر، فإذا الزرع في الماء يسبح، والمواشي بعد الجذب في الخصب تسرح. وقام الورق على الورقة تسبح، لعله الورقة ننظر ما معنى هذا؟ انظر، قال: وقام الورق على الورقة تسبح، أغنى وأفقر، وربما كان الفقر أصلح، وكم من غني طرحه الأشر والبطر أقبح مطرح، هذا قارون ملك الكثير، لكنه بالقليل لم يسمح، نبّه فلم يستيقظ، ولومًا فلم ينفعه اللوم، إذ قال له قومه: لا تفرح. أحمده ما أمسى النهار وما أصبح، وأشهد أن لا إله إلا الله الغني الجواد، من بالعطاء الواسع وأفسح. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، الذي جاد لله بنفسه وماله، وأبان الحق وأوضح، صلى الله عليه وعلى صاحبه أبي بكر، الذي لازمه حضرًا وسفرًا ولم يبرح، وعلى عمر الذي لم يزل في إعزاز الدين يكدح، وعلى عثمان الذي أنفق الكثير في سبيل الله وأصلح، وعلى علي بن عمه وأبرأ ممن يغلو فيه أو يقدح، وعلى بقية الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وسلم تسليمًا. قال إخواني: قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾. والآيات في وجوب الزكاة وفرضيتها كثيرة. وأما الأحاديث فمنها ما في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بُني الإسلام على خمسة: على أن يُوَحَّدَ الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، والحج». فقال رجل: الحج وصيام رمضان؟ قال: «لا، صيام رمضان والحج». هكذا سمعتم من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي رواية: «شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله». أورد رحمه الله هذه الأدلة من الكتاب والسنة في وجوب الزكاة، فجعل رحمه الله هذا المجلس في الكلام على فرضية الزكاة. فالزكاة ركن من أركان الإسلام، فرض من فروضه، وهي قرينة الصلاة، قرنها الله عز وجل كما رأينا في الآيات بالصلاة. والصلاة حق الله عز وجل في عبادته، والزكاة حق المال، حقه سبحانه في المال. والله سبحانه إن فرض هذه الفرائض فرضها وغني عنها، ولكن لحكم عظيمة. ومن حكم الزكاة كما ذكر في بعض هذه الآيات: هي سبب لطهرة. فالزكاة من اسمها تزكي المال، وهي كذلك من اسمها تزكي النفس. ولذلك من زكى بارك الله له في ماله. فما نقصت صدقة من مال. ومن لم يزكِ كان سببًا في محق ماله. يمحق الله الربا ويربي الصدقات. فالصدقة تكثر المال، ولو ظهر بالعيان أنه ينقص، لكن هذا النقص سبب لزيادته. كما قال بعض العلماء: كالماء في البئر الذي لا يسحب منه الماء تبور، يعني بئر مهجورة، ما أحد يسحب منها الماء، ماذا يكون نهاية هذا البئر؟ أنها تنشف وتجف. والبئر الذي ينزح منها الماء، نزح الماء منها سبب في عذوبة الماء ونقاوته وزيادته وبركته. وهكذا كذلك المال، إخراج الصدقة من المال سبب في تنمية المال وزيادته. قد لا تراه سببًا حسيًّا، لكن كما تقدم معنا: الله سبحانه وتعالى العليم الحكيم جعل هذا سببًا، وإن لم تره أنت بعينك سببًا. فما أراده الله وما اختاره الله خير مما أنت تريده وأنت تختاره. ولذلك تجد في الغالب أن من يفتح الله عز وجل عليه بأداء الزكاة وإكثار الصدقات يبارك الله عز وجل له في ماله. والعكس بالعكس، البخيل يمحق الله عز وجل ماله، حتى ولو وجد، تكثر عليه المصائب، ولا يجد الانتفاع من هذا المال، لا في دينه ولا في دنياه، ولا في آخرته. وهذا من أعظم الحرمان. وهب أنك كذلك ادخرت المال ولم تزكي أو لم تتصدق، مع أن المال في الغالب لا تجب فيه الزكاة إلا إذا كان كثيرًا، ولا يجب إلا شيء يسير، ربع العشر. ربع العشر ماذا عسى أن يكون؟ شيء يسير. وهب أنك لم تخرج هذا الشيء اليسير، كم ستعيش في هذه الدنيا؟ عشت ما عشت، ستموت وتترك المال لمن؟ لمن بعدك، لم تنتفع به. فأنت أتعبت نفسك لغيرك، وبخلت لغيرك، وفي النهاية لم تنتفع بشيء. وفي حديث عائشة: لما تصدق النبي صلى الله عليه وسلم بالشاة للكلب، قال: «ما بقي منها؟» قالت: كتفها. قال عليه الصلاة والسلام: «بل بقيت كلها إلا كتفها». فما أنفق الإنسان هو الذي يبقى له، تقدمه لنفسك بين يدي الله عز وجل. وما أبقيته فهو مما تحاسب عليه ويسألك الله سبحانه وتعالى عنه. ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يلطف بنا، وأن يوفقنا. قال رحمه الله: «فالزكاة أحد أركان الإسلام بمبانيه العظام، وهي قرينة الصلاة في مواضع كثيرة من كتاب الله عز وجل. وقد أجمع المسلمون على فرضيتها إجماعًا قطعيا. فمن أنكر وجوبها مع علمه فهو كافر خارج عن الإسلام. ومن بخل بها أو انتقص منها شيئًا فهو من الظالمين المتعرضين للعقوبة والنكال». وفيه دليل هذا الكلام: أنه يفصل في مبيوع الزكاة. وهذا هو قول أهل العلم من أهل السنة سلفًا وخلفًا، ليس أحد منهم يكفر بترك الزكاة أبدًا. ومن زعم ذلك فقد أخطأ. ويوجد طائفة ممن فيهم لوثة تكفيرية يكفرون بترك الزكاة، وهم يريدون بهذا تكفير المجتمعات وتكفير كذلك الحكومات. مدخل من مداخل هؤلاء، ومن مداخلهم التكفير بالمجاهرة بالكبيرة. وكل هذا خطأ، بل هي لوثة تكفيرية. أبو بكر رضي الله عنه لما قاتل مانعي الزكاة لم يكن كلهم كفارًا، وإنما من أنكر فرضيتها كما ذكر الشيخ هنا، فهم الذين كفروا وارتدوا. وسميت حروب الردة؛ لأن الكثير منهم ارتد عن الإسلام، ليس لأجل الزكاة. فليس كل من منع الزكاة صار مرتدًا، ولكن من منعها منكرًا لفرضيتها فهذا هو الكافر؛ لأنه شيء معلوم من الدين بالضرورة، فهو ركن من أركان الإسلام معلوم من الدين بالضرورة. وكل من أنكر شيئًا معلومًا من الدين بالضرورة صار كافرًا مرتدًا. وأما من منعها بخلًا فهو عاصٍ ظالم، فاعل لكبيرة، ولكنه ليس بكافر. وهذا هو العدل. قال رحمه الله: «وتجب الزكاة في أربعة أشياء: الأول الخارج من الأرض من الحبوب والثمار، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾، وقوله سبحانه: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. وأعظم حقوق المال الزكاة. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فيما سقت السماء أو كان عثريًا العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر». رواه البخاري. ولا تجب الزكاة فيه حتى يبلغ نصابًا هو خمسة أوسق، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس في حب ولا ثمر صدقة حتى يبلغ خمسة أوسق». رواه مسلم. والوسق ستون صاعًا بصاع النبي صلى الله عليه وسلم، فيكون النصاب ثلاثمائة صاع بصاع النبي صلى الله عليه وسلم، يعني ستين في خمسة ثلاثمائة». الذي تبلغ زينته بالبر الجيد ألفين وأربعمائة جرام، أي كيلو وربع وخمسة عشر كيلو. فتكون زينة النصاب بالبر الجيد ستمائة واثني عشر كيلو. هذا إذا كان برًّا. وإذا كان تمرًا فالوزن يختلف، لكن يقولون: البر الجيد أثقل من التمر. فالحاصل: السنة وردت بالصاع، يعني يكال كيلًا الخارج. فإذا بلغ خمسة أوسق وكان كذلك فيه على حسب السقي، فما سقت السماء وكان عثريًا ففيه العشر، وما سقي بالنضح يعني بكلفة نصف العشر. فإذا بلغ خمسة أوسق فكان سقيه بغير كلفة ففيه العشر، وإذا كان سقيه بكلفة ومشقة ففيه نصف العشر. وهذا شيء يسير. قال رحمه الله: «ولا زكاة فيما دونها، ومقدار الزكاة فيها العشر كاملًا فيما سقي بدون كلفة، ونصفه فيما سقي بكلفة. ولا تجب الزكاة في الفواكه والخضروات والبطيخ ونحوها، لقول عمر: «ليس في الخضروات صدقة»، وقول علي: «ليس في التفاح وما أشبه صدقة». ولأنه لم يفرض في زمن النبي صلى الله عليه وسلم مع وجوده. قالوا: لأنها ليست بحب ولا ثمر. لكن إذا باعها بدراهم وحال الحول على ثمنها ففيه الزكاة؛ لأنها تكون عروض تجارة. فإذا بقيت هذه للتجارة مثل الذي يتاجر بالتمر، يبيع ويشتري فيها، فيخزنها ويبيعها ويشتري غيرها ويبيع هذه وهكذا، فتجب الزكاة بعروض التجارة مثلها مثل غيرها من السلع». قال: «الثاني بهيمة الأنعام، وهي الإبل والبقر والغنم، ضأنا كانت أم معزاء، إذا كانت سائمة وعدت للدر والنسل وبلغت نصابًا. وقل النصاب في الإبل خمس، وفي البقر ثلاثون، وفي الغنم أربعون. والسائمة هي التي ترعى الكلأ النابت بدون بدر آدمي كل السنة أو أكثرها. فإن لم تكن سائمة فلا زكاة فيها، إلا أن تكون للتجارة، فيكون فيها عروض تجارة بأثمانها. وإن عدت للتكسب بالبيع والشراء والمناقلة فيها فهي عروض تجارة تزكى زكاة التجارة، سواء كانت سائمة أو معلقة أو معلفة، إذا بلغت نصاب التجارة بنفسها أو بضمها إلى تجارته». فالخلاصة: بهيمة الأنعام هي ثلاثة أصناف: الإبل والبقر والغنم. لا زكاة في غير هذا، ولو كانت كثيرة. لو عنده غزلان فجعلها للتربية، هذه ليس فيها الزكاة. وأما إذا كانت عروض تجارة ففيها الزكاة، لكن زكاة عروض التجارة. فإذا كانت ليست عروض تجارة، إنما للدر والنسل، فكل صنف فيه نصاب. فإذا بلغ النصاب وحال عليه الحول، أي دارت عليه السنة، ففيها الزكاة. لا فرق بين صغير ولا كبير، أي في العدد. وكما ذكر رحمه الله: وهناك تفاصيل كثيرة مذكورة في كتب الفقه. أقل نصاب الإبل خمس، وفي البقر ثلاثون، وفي الغنم أربعون. فأربعون في الغنم، وثلاثون في البقر، وخمس في الإبل هذا هو الأقل. وبشرط أنها ترعى، يعني لا يتكلف في إطعامها. فأما إن تكلف في إطعامها فليس فيها الزكاة. وإن كان أحيانًا وأحيانًا فكما ذكر الشيخ رحمه الله: بما كان أغلب. فإن كان أغلب العام يعلفها فليس فيها شيء، وإذا كان أكثر العام ترعى ففيها الزكاة. وأما إذا لم تكن للدر والنسل، وإنما للتجارة، ففيها عروض تجارة، يعني زكاة مال، فهي مال من الأموال، وسلعة من السلع. قال رحمه الله: «الثالث الذهب والفضة على أي حال كانت، لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾. والمراد بكنزها عدم إنفاقها في سبيل الله، وأعظم الإنفاق بسبيل الله إنفاقها بالزكاة. وقوله سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ عام يشمل الملبوس وغير الملبوس. فكل ذهب وفضة إذا بلغ النصاب وحال عليه الحول فيه الزكاة كما سيأتي». وقد فصلت وضحت السنة ذلك. قال رحمه الله: «وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، فأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهوره، كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد». وهذا الحديث تفسير يفسر الآية، ويبين أن الذهب إذا بلغ النصاب وحال عليه الحول كما جاءت في الأحاديث الأخرى ففيه الزكاة». والمراد بحقها زكاتها، كما تفسر الرواية الثانية: «ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاته». وهي رواية أخرى كما أشار في صحيح مسلم. فحقها المراد زكاتها. وجاء في رواية: «من حقها أن يعطي من رُبِّ لبنها، ومن المركوب مركوبة». فلذلك قال العلماء: الزكاة زكاتان: زكاة مقدرة بما ورد في الشرع، وهو الذي جعلت فيه هذه المقادير في الزروع، وفي بهيمة الأنعام، وفي الذهب والفضة والمال. وزكاة أخرى كذلك هي واجبة ليست مستحبة، في دفع الضرورات عن الغير. فمن ملك مالًا وجب في ماله الصنف الأول والصنف الثاني. الصنف الأول في الزكاة المقدرة بالمقادير. والثاني بدفع الضرورات عن الناس، كما قال الله عز وجل: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾. هذا من علامات الإيمان، لا إيمان لمن لم ينفق، أي لا إيمان كامل لمن لم ينفق مما أتاه الله. ومنهما هو واجب، ومنهما هو مستحب. فمن الواجب كما تقدم: دفع الضرورات، الإعطاء من الضرع، والحمل على المركوب، وكذلك ما كان بمعناه من ضرورات. قال: «وتجب الزكاة بالذهب والفضة، سواء كانت نقودًا أو تبرًا أو حليًّا يلبس أو يعار أو غير ذلك». يعني: أي شيء من الذهب ملبوس، غير ملبوس، مصوغ أو سبائك، أو حتى مخلوط بحجارة، ما زال يخرج جديدًا، إذا بلغ النصاب وحال عليه الحول ففيه الزكاة. قال: «لعموم الأحاديث الدالة على وجوب الزكاة فيهما بدون تفصيل». فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم ومع ابنة لها، وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب، أي سواران غليظان. فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «أتعطينا زكاة هذا؟» قالت: لا. قال: «أيسرك أن يسورك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار؟» قال: «فخلعتهما فألقتهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقالت: هما لله ورسوله». رواه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي. وقال في "بلوغ المرام": إسناده قوي، وهو كما قال: إسناده صحيح أو حسن. والشاهد: أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الملبوس فيه زكاة. وهذا هو الصحيح. قال: «وعن عائشة رضي الله عنها قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى في يدي فتخات من ورق، تعني من فضة. والفتخات: الخواتم الضخمة الكبيرة التي ليس فيها فصوص، تكون خالصة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما هذا؟» فقلت: صنعتهن أتزين لك يا رسول الله. قال: «أتؤدين زكاتهن؟» قلت: لا. أو ما شاء الله. قال: «هو حسبك من النار». أخرجه أبو داود والبيهقي والحاكم وصححه، وقال: على شرط الشيخين. قال ابن حجر في "التلخيص": على شرط الصحيح. وقال ابن دقيق: على شرط مسلم. وهو كذلك صحيح. ويدل على أن الملبوس فيه زكاة، ذهبًا كان أو فضة، إذا بلغ النصاب وحال عليه الحول». قال: «ولا تجب الزكاة في الذهب حتى يبلغ نصابًا، وهو عشرون دينارًا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الذهب: «ليس عليك شيء حتى يكون لك عشرون دينارًا». رواه أبو داود، وهو كذلك حديث صحيح، روي مرفوعًا وموقوفًا. والصحيح أنه صح مرفوعًا وموقوفًا. وإن كان بعض الحفاظ رجح الموقوف، لكنه صح كذلك مرفوعًا. وقد نقل عن البخاري وغيره تصحيح الحديث مرفوعًا وموقوفًا. والشاهد أنه جعل النصاب كما ذكر: هو عشرون، وهو عشرون دينارًا. والدينار كما سيأتي توضيحه: العشرون دينارًا عشرون دينارًا تساوي بزماننا هذا ما يعادل خمسة وثمانين جرامًا من الذهب». قال: «والمراد الدينار الإسلامي الذي يبلغ وزنه مثقالًا. وزن المثقال أربعة غرامات وربع. فيكون نصاب الذهب خمسة وثمانين غرامًا، يعادل أحد عشر جنيهًا سعوديًا وثلاثة أسباع جنيه». يعني: كانوا يتعاملون بهذه العملات من قبل. وأما الآن فالمشهور هو الجرام. فالوزن بالجرام صار أسهل وأضبط، ويتعامل به الناس بكل مكان. فما بلغ خمسة وثمانين جرامًا ففيه الزكاة إذا حال عليه الحول، أي دارت السنة، ولو زاد أو نقص خلال السنة لا يضر. قال: «ولا تجب الزكاة بالفضة حتى تبلغ نصابًا وهو خمس أواق، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس فيما دون خمسة أواق صدقة». متفق عليه. والأوقية أربعون درهمًا إسلاميًا. فيكون النصاب مئتي درهم إسلامي. والدرهم سبعة وعشر مثقال. فيبلغ مئة وأربعين مثقالًا. وهي خمسمائة وخمسة وتسعون غرامًا، تعادل ستة وخمسين ريالًا عربيًّا من الفضة». وكما تقدم: هذه عملات كان يتعامل بها من قبل. وأما اليوم فيضبط بالجرامات. فبالجرام خمسمائة وخمسة وتسعون غرامًا. قالوا: «مقدار الزكاة في الذهب والفضة ربع العشر فقط». وتجب الزكاة في الأوراق النقدية؛ لأنها بدل عن الفضة، فتقوم مقامها. فإذا بلغت نصاب الفضة وجبت فيها الزكاة. تجب الزكاة في الذهب والفضة والأوراق النقدية، سواء كانت حاضرة عنده أم في ذمم الناس، يعني في يده أو عند الناس، أي ديون عند الناس. ولكن يفرق في هذه الديون بين الديون المرجو رجوعها على من يستطيع السداد، أو على من لا يرجى رجوعها أو يخشى عدم رجوعها. فالأول يزكي عليها، والثاني لا يزكي عليها إلا إذا رجعت عن سنة واحدة فقط، جمعًا بين الأدلة الواردة في هذا الباب. قالوا: «على هذا فتجب الزكاة في الدين الثابت، سواء كان قرضًا أم ثمن مبيع أم أجرة أم غير ذلك، إذا كان على ملي باذل، فيزكيه مع ماله كل سنة. أو يؤخر زكاة حتى يقبضه، ثم يزكيه لكل ما مضى من السنين». وقوله: «على ملي» أخرج غير الملي، أخرج غير الباذل، متحايل ونحوه. فما كان على ملي باذل تجب الزكاة عن كل سنة. وكما قال: «إن كان عنده مال زك من ماله الذي عنده، أو إذا قبضه أخرج عن كل سنة». وأما إذا كان على غير ملي أو غير باذل، فإنه يزكي إذا قبضه عن سنة واحدة فقط. قال رحمه الله: «فإن كان على معسر أو مماطل يصعب استخراجه منه فلا زكاة فيه حتى أقبضه، فأزكيه سنة واحدة سنة قبضه، ولا زكاة عليه فيما قبلها من السنين». كما قلنا: جمعًا بين الأدلة الواردة في هذا الباب، مفصلة في كتب الفقه. ونحن الآن لسنا في كتاب فقه. وقوله رحمه الله: «أن الأوراق النقدية تلحق بالفضة هذا أحد القولين. والقول الآخر أنه يلحق بالذهب. ولكل قول دليل. والأقرب والله أعلم أنه يلحق بالذهب؛ لأن الأصل في أموال الناس الحرمة، والأوراق النقدية فيها معنى الثمانية. ولما اختلف العلماء بأيهما تلحق؟ هل ثمانية الفضة أو ثمانية الذهب؟ منهم من قال: الفضة. ومنهم من قال: الذهب. بسبب عدم وجود شيء صحيح صريح يستوجب هذا الإلحاق. فلذلك وقع الخلاف. فمن قال بالفضة نظر إلى حظ الفقراء؛ فالقليل سيجب فيه الزكاة سينتفع الفقراء. ومن نظر وقال بالذهب نظر إلى أمر المالك؛ وأن الأصل في أموالهم الحرمة. فكل النظر بوجهة نظر مع أدلة تقرب هذه المعاني. فلذلك والله أعلم: الأحوط القول بالذهب؛ لأن المانع والحاضر مقدم على المبيح. فالأصل في أموال الناس الحرمة، وكوننا نقتحم شيئًا محرمًا بغير دليل واضح بين هذا أشد من كوننا نطلب وصول الخير للفقراء بالاكتحام في أموال الأغنياء بغير حق. فلذلك كان هذا القول أقرب وأحوط، والله تعالى أعلم». قال: «الرابع مما تجب فيه الزكاة عروض التجارة، وهي كل ما عده للتكسب والتجارة من عقار وحيوان وطعام وشراب وسيارات وغيرها، جميع أصناف المال. فيقومها كل سنة بما تساوي عند رأس الحول، ويخرج ربع عشر قيمتها، سواء كان قيمتها بقدر ثمنها الذي اشتراها به أم أقل أم أكثر». يعني: كل سنة ثم منها. وإن كانت ثمنها واحد، فبماذا؟ هل بسعر الشراء أم بسعر البيع؟ الجواب: بسعر الشراء. أما إذا اختلف الثمن فهي كذلك بقيمتها؛ لأن السلع تزيد وتنقص. السلع تزيد وتنقص، وهذا رحمة من الله، فهي لك أو عليك. فبعض السلع تشتريها غالية، ثم تهبط. تشتري العنبر مثلًا أعددت عنبرًا للتجارة، تشتري الكيلو بمئة وخمسة وستين ألف ريال سعودي مثلًا، ثم هبط سعره، تكدس عند الناس، نزل إلى ثمانين ألف. فإذا ما يجب عليك إلا زكاة كم؟ ثمانين ألف. وإذا زاد وصل إلى مئتي ألف، فتجب عليك زكاة مئتي ألف. فإذا بقي في نفس السعر، هل بسعر الشراء أم بسعر البيع؟ بسعر الشراء. يشترى في مئة وخمسة وستين، ويباع في مئة وثمانين مثلًا، إذا تخرج زكاة مئة وخمسة وستين نعم. وهكذا كل شيء معروض للبيع والشراء. قال رحمه الله تعالى: «سوى كان قيمتها بقدر ثمنها الذي اشتراها به أم أكثر. ويجب على أهل البقالات والآلات وقطع الغيارات وغيرها أن يحصوها إحصاء دقيقًا شاملًا للصغير والكبير، ويخرجوا زكاتها. فإن شق عليهم ذلك احتاطوا وأخرجوا ما يكون به براءة ذممهم. ولا زكاة فيما عده الإنسان لحاجته من طعام وشراب وفرش ومسكن وحيوانات وسيارة ولباس، سوى حلي الذهب والفضة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة». متفق عليه». فكل ما ينتفع به الإنسان من سكن، عندك عقار للسكن أو للإيجار، عندك سيارة، عندك لباس للانتفاع أو للإيجار، ليس فيه زكاة. أما موعود للتجارة، عقارًا كان أو بنيانًا أو سيارات أو لباسًا، ففيه الزكاة. والحلي هو المستثنى، الحلي أي الذهب والفضة خاصة، فيه الزكاة ولو كان للاستخدام. قال: «ولا تجب الزكاة فيما أعد للأجرة من عقارات وسيارات ونحوها، وإنما تجب في أجرتها إذا كانت نقودًا وحال عليها الحول وبلغت نصابًا بنفسها أو بضمها لما عنده من جنسها». يعني: كل شيء معدل الإيجار ليس فيه زكاة، ولكن المال الذي يأتيك من هذا الإيجار إن كان كثيرًا يبلغ النصاب ففيه الزكاة؛ لأنه بلغت النصاب، أو يضم إلى غيره، مال الزكاة مال عندك، مال من الإيجارات تضم إلى مالك الخاص أو لعروض تجارة، فيصير بالغًا للنصاب فتزكي. قال إخواني: «أدوا زكاة أموالكم وطيبوا بها نفسًا، فإنها غنم لا غرم، وربح لا خسارة. وأحصوا جميع من يلزمكم زكاته، واسألوا الله القبول لما أنفقتم، والبركة لكم فيما أبقيتم. والحمد لله رب العالمين، صلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم آمين، اللهم آمين».