الدرس في التعليق على رسالة مختصر فضائل وأحكام الصيام 2، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول الدرس فضائل الصيام والقيام في رمضان، وأحكام الصوم، ويشير إلى شفاعة الصيام والقرآن يوم القيامة. كما يبرز نِعَم رمضان مثل الجود والإحسان.
يشرح هذا الفصل أركان الصوم وهي النية والإمساك عن المفطرات، وشروط وجوب الصيام وهي الإسلام والعقل والبلوغ والقدرة على الصوم.
يتناول هذا الفصل أحكام الصيام للمسافر والمريض والحائض والنفساء، ويشرح تفاصيل الأحكام الفقهية المتعلقة بهذه الحالات مثل القضاء والإطعام.
يُحذّر هذا الفصل من التفريط في أسباب المغفرة بعد التوفيق لها، ويؤكد على أهمية اغتنام هذه الأسباب لتحقيق المغفرة.
يصر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم التعليق على رسالة مختصر فضائل وأحكام الصيام لفضيلة الشيخ عبد الله بن مرعي العدني، حفظه الله تعالى، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس الثاني. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فقد مر معنا في درسنا الماضي بعض فضائل وحكم الصيام والقيام. ومن هذه الفضائل والحكم، ها من يذكر لنا بعضها؟ نعم، بعض هذه الفضائل والحكم: فضل التقوى، والدليل: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ في الصيام: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. كذلك من الحكم والفضائل: نعم، نعم، فضل الإخلاص، والدليل: حديث أبي هريرة: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غفر له ما تقدم من ذنبه». إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزبه. طيب، كذلك من الحكم: نعم، نعم، فيه ليلة القدر، الذي تضاعف فيه الحسنات وتكفر السيئات. نعم، كذلك: تزكية النفوس، تزكى النفوس، والدليل: مع أن هذا ما مر معنا، سيأتي. لكن طيب، تضييق مجاري الشيطان، والدليل: مجرى الدم، هذا مجرى الشيطان. لكن الدليل على أن الصوم يضيق على الشيطان: «فإنه له وجاء». نعم. قال رحمه الله تعالى: «رمضان شهر الصيام والقيام وقراءة القرآن». قال الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾. وعلى قدر حسن صيامك وقراءتك للقرآن تكون الشفاعة بهما لك. فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة». يقول الصيام: أي رب، منعته الطعام والشهوات بالنهار، فشفعني فيه. ويقول القرآن: منعته النوم بالليل، فشفعني فيه. قال: «فيشفعان». والحديث صحيح كما في التخريج. قال: «وكان جبريل عليه السلام يدارس النبي صلى الله عليه وسلم القرآن في رمضان». كما في حديث ابن عباس في الصحيحين. طيب، فالشاهد أن رمضان فيه من الفضائل والحكم: الصيام والقيام وقراءة القرآن، فيكونان شفعان لصاحبهما يوم القيامة. فمن وفق لهذه الأعمال الصالحة وفق لسبب من أسباب الشفاعة يوم القيامة. قال: «وبصيامه والمواظبة عليه يفوز الصائم بالدخول من باب الريان، ولا يشرك مع الصائمين فيه أحد غيرهم». عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن في الجنة بابًا يقال له الريان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحد غيرهم». يقال: «أين الصائمون؟ فيقومون، لا يدخل منه أحد غيرهم». فإذا دخلوا أغلق، فلم يدخل منه أحد. وهذا الباب خاص بأهل الصيام: صيام الفرض والتطوع. فمن أحسن صيامه فرضًا وأتبعه بحسن الصيام نفلًا وفق بأن يخص بالدخول من هذا الباب. وهل يدخل أحد من جميع الأبواب؟ نعم. وقد سأل هذا السؤال أبو بكر رضي الله عنه، فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم بنعم، لمن وفق بالأعمال التي تدخله منها. ورجى النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون أبو بكر منهم. قال: «رمضان شهر يذكر بالنعم: نعمة الوقت وتنظيمه، وفضل الإطعام والجود والإحسان للمسلمين، وكونهم لحمة كالجسد الواحد: انتظام وتعاون في أوقات الصلوات والصيام، وفعل الخير والبر». عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى». قال ابن رجب: والحديث في الصحيحين. قال ابن رجب: سئل بعض السلف: لما شرع الصيام؟ قال: «ليذوق الغني طعم الجوع، فلا ينسى الجائع». يعني هذا من حكم الصيام، من حكم الصيام، وليس هو الحكمة الوحيدة، ولكن من حكمه: أن يتذكر الغني جوع الفقير، وكذلك نعمة الغنى والشبع الذي رزقه الله عز وجل إياها. قالوا عن ابن عباس رضي الله عنهما: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، حين يلقاه جبريل». وكان يلقاه بكل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن. «فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة». وهو في الصحيحين. والشاهد منه: الجود في رمضان. فإن رمضان شهر الجود، يتذكر الإنسان نعمة الله عليه، ويعرف حاجة المحتاجين، فينفق ويحسن. قالوا عن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من فطر صائما كتب له مثل أجره، لا ينقص من أجره شيء». وهو حديث صحيح، رواه ابن حبان وغيره، وصححه الشيخ الألباني وجماعة من أهل العلم قديمًا وحديثًا في كتب... وهكذا الشيخنا ذكره بالصحيح المسند. والشاهد منه: أن إطعام الصائمين من الأعمال الصالحة، ورمضان يذكروا بذلك ويحث عليه. ولا ينقص من أجري من أطعمت شيئًا، فيكتب لك مثل أجر من أطعمت. فإذا أطعمت عشرة كتب لك أجر صيام هؤلاء العشرة، وهكذا كلما زدت. قال: «أحكام الصوم: تعريفه، والتعبد لله سبحانه وتعالى بالإمساك عن الطعام والشراب والشهوة الجماع والإنزال». يعني الشهوة يدخل فيه الجماع والإنزال على القول الصحيح، وسائر المفطرات من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس. وسائر المفطرات كما تقدم معنا في دروس ماضية مما دل الدليل أنه مفطر. قال: «منزلته وحكمه». قال ابن القاسم رحمه الله: «الصوم هو أحد أركان الإسلام، وفرض من فروض الله المعلوم من الدين بالضرورة وإجماع المسلمين». بل من العلم العام الذي توارثته الأمة خلقًا عن سلف خلفًا عن سلف. وقد دل عليه الكتاب والسنة والإجماع. ومعناه: أنه شيء معلوم من الدين بالضرورة، ما أحد يجهله أن الصوم فريضة. الصغير والكبير، والقارئ وغير القارئ، والمتعلم والعام، والجميع. قال: «وأجمعوا على أن من أنكر وجوبه كفر». لأنه معلوم من الدين بالضرورة. وكل ما هو معلوم من الدين بالضرورة من أنكره وأنكر وجوبه كفر. قال تعالى: ﴿كُتِبَ أي فُرِضَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. فهو وسيلة إلى التقوى، لما فيه من قهر النفس وترك الشهوات. وقال: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْ﴾. والأمر للوجوب، يعني في قوله: ﴿فَلْيَصُمْ﴾. لما فيه من تزكية النفس وطهارتها وتنقيتها من الأخلاق الرذية والأخلاق الرذيلة. وهو كذلك كما تقدم معنا: أن الصوم يزكي ويطهر النفس بحبسها لهذه الأدواء والأخلاق الرذية. قال: «وقال صلى الله عليه وسلم: بني الإسلام على خمس، وذكر منها صوم رمضان». وللحديث كثيرة بالدلالة على فرضيته وفضله. وهذا منقول عن ابن قاسم في حاشية الروم. والشاهد: أن رمضان فرضيته معلومة من الدين بالضرورة، ودلت عليه دلالة الكتاب والسنة والإجماع. قال: «أركان الصوم: الأول النية، ركن في جميع العبادات». قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾. وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الأعمال بالنية». وهو في الصحيحين. قال: «والنية محلها القلب، ولا يتلفظ بها: لا منفردًا ولا مع جماعة المسجد». فهذا من البدع المحدثة. والصحيح: لا يشترط تمرير النية على القلب كل ليلة. وقد تقدم معنا: أن المقصود بالنية هو استحضارها في أول الشهر، ولا يلزم استحضار النية كل ليلة. قال: «الإمساك، أي الركن الثاني: الإمساك عن المفطرات». قال: «وهو الامتناع عن سائر المفطرات من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس». لقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾. فسر معنا الخيط الأبيض والخيط الأسود في سبب نزول الآية بحديث عدي بن حاتم: أنه الليل والنهار، أي ضوء الفجر الصادق. وفي الصحيحين. قال: «وعن عمر رضي الله عنه مرفوعًا: إذا أقبل الليل منها وأدبر النهار منها وغربت الشمس فقد أفطر الصائم». وهو في الصحيحين. ومعناه: حان وقت إفطار الصائم، وليس معناه أنه يفطر ولو لم يفطر. هذا هو الصحيح: أنه حان وقت الإفطار. فلذلك يحتاج أن يفطر بأكل أو شرب شيء. ومما يدل على ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن بالمواصلة إلى السحر. فلو كان يفطر على كل حال لما كان لهذا الإذن فائدة. قال: «ولا بأس بالاعتماد على الجداول والبرامج الحسابية التي ثبت بالتجربة وتزكية علماء السنة الموثوقين أنها معتمدة موثوقة». يعني في معرفة دخول الفجر وغروب الشمس. لأنه ليس كل الناس يستطيع أن يرى رؤية عين. ليس كل الناس يستطيع يرى رؤية عين، فمن الناس من يستطيع ومن الناس من لا يستطيع. فمن لا يستطيع فهل يعتمد هذه الجداول أو البرامج الموجودة في بعض الحواسيب الحاسوب أو الجوالات الحديثة؟ الجواب: نعم، إذا كان هذا البرنامج معتمد وموثوق وزكي من قبل أهل العلم الموثوقين من علماء السنة. قال: «ولا يجوز الاحتياط: لا بتأخير الفطر ولا بتقديم الإمساك». وهذا معلوم. لأن هذه عبادة، ولا يجوز الاحتياط في العبادة. والاحتياط في هذا الباب له مفاسد كثيرة. فمن مفاسده: أنك تحرم شيئًا حله الله، وتحل شيئًا حرمه الله. فهذا الذي يأخذ الاحتياط في الفجر كما يفعل بعض الناس في الفجر في أيام رمضان: يقدمون أذان الفجر قبل الوقت الحقيقي بعدة دقائق. لماذا؟ قالوا: احتياطًا. سبحان الله! فإذا فعلت ذلك وأذن المؤذن للفجر حرمت شيئًا حله الله. إنسان يريد أن يتسحر في هذه اللحظة الأخيرة، منعته من التسحر، وهذا ظلم. وآخر متعب طول الليل في سهر، بمجرد أن يؤذن المؤذن ذهب فصلى قبل الوقت، ظنًا أن الوقت قد دخل. وأنت أذنت احتياطًا، فأحللت شيئًا حرمه الله وحرمت شيئًا أحله الله. وغير ذلك من المفاسد الأخرى. قال: «شروط وجوب الصيام: الأول الإسلام، فلا يجب على الكافر ولا يصح منه». قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾. فالملحد والقبور وتارك الصلاة ونحوهم ليسوا بمسلمين، فلا يصح صيامهم. وهذا ظاهر. بعض الناس يصوم في رمضان مجاراة للمجتمع، وهو ملحد وآخر قبوري وآخر تارك للصلاة، فقط في رمضان ربما يصوم ولا يصلي. فأمثال هؤلاء لا يصح منهم الصيام. لماذا؟ لأن الصيام يقبل من المسلم. قال ابن كثير رحمه الله: «لأنهم كفروا بالله وبرسوله، أي والأعمال إنما تصح بالإيمان». وقال السعدي رحمه الله: «والأعمال كلها شرط قبولها الإيمان». فهؤلاء لا إيمان لهم ولا عمل صالح. وهذا هو حال هؤلاء. والمشرك قال الله عز وجل في حقهم: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. بل قال الله عز وجل لنبيه المنزه عن الشرك، والخطاب لمن دونه من باب أولى: ﴿وَلَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. قال: «الثاني العقل، فلا يجب على المجنون ولا تصح». ومن لا يعقل في غالب حاله كالمعتوه والهرم كذلك. يعني لا يجب عليه ولا يصح منه. المجنون والمعتوه والهرم الذي لا يعقل، ولو كان أحيانًا وأحيانًا، فبما غلب. إذا غلب عليه عدم العقل فيكون حكمه كحكم المجنون. قال: «عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الغلام حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق». وهو حديث صحيح، جاء في السنن، وعند ابن حبان وغيره. وقد صححه جماعة من أهل العلم قديمًا وحديثًا. ذكره الشيخ الألباني رحمه الله في الصحيحة. وهكذا كذلك شيخنا ذكره في الصريح المسند. قال النووي: «المجنون لا يلزمه الصوم في الحال بالإجماع للحديث وللإجماع». فقال ابن القاسم: «ولا تجب عليه ولا يقضي إذا أفاق». إلا أن يفيق في وقتها. يعني إذا أفاق في وقت الصيام. قال الشارح: «لا نعلم فيه خلافًا». والأبله الذي لا يفيق كالمجنون. يعني الأبله الذي له بعض التصرفات يعقلها، ولكنه بالجملة ليس عنده تمييز العاقل، فهذا يغلب عليه عدم العقل، فلا يجب عليه الصوم. قال: «الثالث البلوغ، فلا يجب على الصغير، ولكن يعلم إذا استطاع ليتعود عليه». لحديث عائشة المتقدم. وفي رواية: «وعن الصبي حتى يكبر». وفي رواية: «حتى يحتلم». صحح الألباني رحمه الله في الإرواء. ويحصل البلوغ بتمام خمس عشرة سنة، وإن بات الشعر الخشن حول القبل. والإنزال والحيض للأنثى. يعني أحد هذه العلامات. قال: «رابعًا: القدرة على الصوم، فلا يجب مع العجز أو المشقة لمرض وكبر سن». كصاحب المرض المزمن كمرض الكلى، أو المرض العارض الذي يشق معه الصيام. ومثال المرض العارض: أن يصيبه مثلًا حادث أو عملية طارئة، فلا يستطيع معه الصيام. وقد تقدم معنا في دروس سابقة: أن العلماء قسموا الأمراض إلى ثلاثة أقسام. وضابط المرض الذي يُعذر بالفطر: ما هو؟ الذي يؤخر البرء، وزيادة المرض. وهذا يكون غالبًا في المتوسط والأكبر منه، وليس في الخفيف اليسير. قال ابن قدامة: «أجمع أهل العلم على إباحة الفطر للمريض في الجملة». والأصل فيه قول الله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. وليس من المرض المعدر ألم الأصبع أو السن اليسير. كما تقدم معنا. قال: «والمرض المبيح للفطر هو الشديد الذي يزيد بالصوم أو يخشى تأخر برئه». قيل لأحمد رحمه الله: متى يفطر المريض؟ قال: «إذا لم يستطع». قيل: مثل الحمى؟ قال: «وأي مرض أشد من الحمى؟». قال: «والكبير الذي لا يمكنه الصيام يطعم». في البخاري: «فقد أطعم أنس بعدما كبر عامًا أو عامين كل يوم مسكينًا: خبزًا ولحمًا وأفطر». وفي رواية: «أنه أطعم ثلاثين مسكينًا في يوم واحد». قالوا: «أما الحامل والمرضع، فالصحيح أنهما إن شق عليهما أفطرتا وقضتا متى تيسر لهما». وإن تتاب عليهما الحمل والرضاع وغيرهما، وشق القضاء وتراكمًا أطعمتا. عملًا بمجموع الأدلة وفتاوى السلف. والله أعلم. قال البخاري: «وقال الحسن وإبراهيم في المرضع أو الحامل إذا خافتا على أنفسهما أو ولدهما تفطران ثم تقضيان». وصح عن ابن عمر وابن عباس وغيرهما رضي الله عنهم: «أنهما تطعمان ولا تقضيان». وبهذا يجتمع ما روي عن السلف في هذا الباب. أن الأصل القضاء، فإذا تراكما عليها القضاء فإنها تطعم عن كل يوم مسكينًا، ولا يحتاج أن تقضي. قال: «الخامس الإقامة، فلا يجب الصوم مع السفر». فللمسافر الفطر، عليه القضاء. قال تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. قال ابن كثير: «أي المريض والمسافر لا يصومان في حال المرض والسفر، لما في ذلك من المشقة عليهما». بل يفطران ويقضيان بعدد ذلك من أيام أخر. قال: «السادس: الخلو من الموانع: الحيض والنفاس». فلا يجب عليهما ولا يصح، ويلزمهما القضاء بالنص والإجماع. عن نبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أليس إذا حاضت لم تصلي ولم تصم؟ فذلك نقصان دينها». والحديث في الصحيحين. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «وخروج دم الحيض والنفاس يفطر باتفاق العلماء». وقال شيخنا العثيمين رحمه الله: «فلا يلزمها إجماعًا، ولا يصح منها إجماعًا». يعني الحائض والنفساء. ويلزمها قضاؤه إجماعًا. فهذه ثلاثة إجماعات: يعني الأول لا يجب، الثاني لا يصح، الثالث يلزم القضاء. نقف إلى هنا إن شاء الله، وننظر ما تيسر من الأسئلة. والباقي إن شاء الله في درس لاحق. يقول: هل يدخل الريان من كان يصوم قبل أن يتزوج، وبعد أن تزوج لا يصوم إلا الواجب؟ يرجى، ولكن عليك أن تداوم. النبي عليه الصلاة والسلام داوم على أعماله الصالحة، وكان يحب أن يداوم عليها، وهو متزوج أكثر من زوجة. فجاهد نفسك في الأعمال الصالحة والاستمرار عليها. حب الأعمال إلى الله ما داوم عليه العبد وإن قل. يقول: حديث «من فطر الصائم من كتب له مثل أجري»، هل المقصود ولو حبات تمر وقليل من الماء؟ أم لابد وجبة كاملة؟ الأجر يكمل بكمال الإشباع، فإن لم يكن إلا تمر وماء فلك أجر التمر والماء، وإن زدت زادك الله سبحانه وتعالى. يقول: هل يجوز للإمام أن يعطي المأموم المصحف كي يتابعه إذا أخطأ، وذلك لعدم وجود من يحفظ القرآن من المأمومين؟ يجوز. وقد صح عن عائشة رضي الله عنها وجماعة من السلف: الاستعانة بالمصحف في مراجعة إلقاء الإمام إذا لم يوجد من يحفظ، لا بأس به. يقول: لو تكرمتم بفتنة وتنبيه في خطبة أو كلمة أو موعظة عن أهمية التوحيد لأهميته، فلا نجات لنا بدونه. فإن بعض من حولنا من الأبناء وغيرهم عندهم من الشرك ما الله به عليهم. أسأل الله عز وجل أن يحفظنا والحاضرين والسامعين من الشرك وحبائله. التوحيد أمره عظيم، لا ينحصر بالمسائل المعروفة من مسائل التوحيد، بل مسائل التوحيد كثيرة. وقد بوب العلماء أبوابًا كثيرة فيما يدخل في التوحيد، حتى جعلوا منه ما هو خفي مما قد يقدح بالتوحيد، ولا يظن الظان أنه يقدح بالتوحيد. كقول القائل: «لولا الكلب لما سرق فلان، ولولا كذا لما كان كذا». فهذا من ضعف كمال التوحيد ومن القدح فيه. بل ينبغي أن يرد الأمر لله عز وجل وحده. ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم لحسن توحيده سبحانه وتعالى. يقول: ما حكم من يقول «آمين» بتلحينها في الصلاة؟ «آمين» تقال منفردًا ومع الجماعة ومع الإمام. فأنت تقولها مع الإمام، إن مدها مدت، وإن لم يمد فأنت تفعل بمثله. من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له. تأمين الملائكة تؤمن مع تأمين الإمام. نعم. يقول: عندنا في القرية أكثر الناس يفطرون في البيت في شهر رمضان، فهل الأفضل أن يقرأ بإقصار المفصل عملًا بالسنة؟ أم الأفضل أن نقرأ بصورة طويلة حتى يدرك الناس الركعة الأولى؟ يفعل الأصلح، ولكن الأفضل بل الواجب أن يدرك الناس تكبيرة الإحرام. لأن إدراك تكبيرة الإحرام من الواجبات. ما هو الدليل أن تكبيرة الإحرام من الواجبات؟ إدراك تكبيرة الإحرام من الواجبات يعني في صلاة الجماعة. دليل أن أمر برجل فيصلي بالناس. يقول: عندنا أكثر المساجد تؤذن الفجر على التقويم، وبعض المساجد وهي قليل تؤذن بعد ربع ساعة من توقيت التقويم، ويقولون أنهم يؤذنون في التوقيت الصحيح، فيحصل تشويش للناس. فنرى بعضهم ممسك والبعض الآخر يأكل. فما النصيحة؟ التقويم الذي يوافق مثلًا تقويم الرابطة أو أم القرى، تقويم أم القرى ونحوها من التقاويم المعتمدة، هذه تقاويم صحيحة. فقط في الفجر تزيد ثلاث دقائق، تزيد ثلاث دقائق في الفجر. ومساجد السنة الذين أعلم أنهم الحمد لله يعملون بهذا. فمسجدنا ها هنا يؤذن بزيادة ثلاث دقائق لا أكثر. وهذا الذي ينبغي كذلك لكل المساجد لا أكثر من ذلك. فهؤلاء الذين يؤذنون بعد عشر دقائق أو أكثر على خطأ كما تقدم معنا. ونبهت عليه في الدرس. هذا مذهب شاذ، قال به بعض أهل العلم، وهو خلاف الصواب. يقول: امرأة كما ذكرتم تدرب ابنها على الصيام، فما زالت لهي حتى اقترب المغرب، فظنت أنه سيكمل يومًا، فذهبت للطبخ، فعادت فوجدته ميتًا. فما الحكم لهذه المرأة؟ لا أظن أن الطفل يموت إلا إذا جوعته أيامًا. المهم إذا مات بهذا الفعل لأنه لا يتحمل بسبب صغر سنه أو كذلك بسبب مرض فيه، وهي لا تعلم، فهي معذورة. وإن كانت تعلم فيلزمها الكفارة في هذا؛ لأنه قتلته قتل خطأ. والله المستعان. يقول: رأيته في بعض الكتب: من أركان الصيام ثلاثة، والثالث الزمان. فما هو الصواب؟ الزمان تحصيل حاصل، يعني يدخل فيه؛ لأنه صيام رمضان. يقول: ما معنى الحديث «الجنة تغلق وتفتح أبواب النار»؟ معناها: أسباب دخول الجنة تكثر فيسهل على المرء أن يستكثر هذه الأسباب بدخول الجنة. وأسباب دخول النار تغلق، فيعاني الإنسان على فعل الطاعات والبعد عن المعاصي والسيئات. ولهذا صح عن النبي عليه الصلاة والسلام: «أن من أدركه رمضان ولم يغفر له كان من أعظم المحرومين». فاستحق دعاء النبي عليه الصلاة والسلام وتأمين جبريل. فهو أعظم الحرمان أن توفق لأسباب المغفرة فلا تأخذها. والله تعالى أعلم، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه، والسلام.