شرح مختصر السيرة 41

شرح مختصر السيرة 41

الدرس في شرح مختصر السيرة 41، الدرس الحادي والأربعون :فيه : ( ولهذا يقول عقيب كل قصة ... محدقون به في السلاح حتى دخل بيته ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تحذير الله للكفار ووعده للمؤمنين بالنصر

يشرح الشيخ تفسير الآيات التي تتحدث عن عذاب الكفار ونصر المؤمنين، ويبين ارتباط النصر بالإيمان والتقوى. يذكر أمثلة من السيرة النبوية مثل معركة بدر.

رحلة النبي إلى الطائف ودعاؤه عند الخروج والعودة

خرج النبي إلى الطائف رجاء الإيواء والنصرة، وتعرض للإيذاء، فدعا الله بالدعاء المشهور. ذكر دعاؤه عند خروجه وعودته إلى مكة وتحسين العلماء لهذا الدعاء.

دخول النبي في جوار المطعم بن عدي عند عودته إلى مكة

دخل النبي في جوار المطعم بن عدي عند عودته إلى مكة، وروى ابن سعد قصة هذا الدخول مرسلا، لكن أصل القصة ثابت في صحيح البخاري.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال رحمه الله: قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في كتاب مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: قال «ولهذا يقول عقيب كل قصة: فكيف كان عذابي ونذر؟ أي عذابي لمن كذب رسلي، وإنذاري لهم بذلك قبل مجيئه». ثم قال: «أكفاركم خير من أولئكم، أم لكم براءة في الزبر؟ أم يقولون نحن جميع منتصر؟». قال: وذلك أن كونكم تعذبون مثلهم، إما لكونكم لا تستحقون ما استحقوا، أو لكون الله أخبر أنه لا يعذبكم، فهذا بالنظر إلى قوة الرسول صلى الله عليه وسلم وأتباعه، فيقولون: «نحن جميع منتصر»، فإنهم أكثر وأقوى، كما قالوا: «أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا» إلى قوله: «أثاثا ورئيا»، أي أموالا ومنظرا. فقال تعالى: «إن المتقين في جنات ونهر». قال: أخبر رسوله صلى الله عليه وسلم بهزيمتهم، وهم بمكة في قلة من الأتباع، وضعف منهم، ولا يظن أحد قبل أن يهاجر، بالعادة المعروفة، أن أمره يعلو ويقاتلهم؛ لأنهم يرونه عليه الصلاة والسلام في غاية من الضعف، فهم الذين استضعفوا، وقتل من قتل منهم، وعذب من عذب، وطرد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما سيأتي بقصة خروجه إلى الطائف، وغير ذلك. ومع ذلك، فإن نبينا صلى الله عليه وسلم يخبرهم بأن الظفر سيكون لهم بإذن الله تعالى. قال: فكان كما أخبر، وذلك ببدر، وتلك سنة الله، كما قال تعالى: «سنة الله التي قد خلت من قبل» الآية. بل إنه عليه الصلاة والسلام توعد أشخاصا بأعيانهم، كما توعد عقبة بن أبي معيط لما فعل الذي فعل، فإن النبي صلى الله عليه وسلم توعده أنه لا يخرج من مكة إلا وقتله، أي النبي عليه الصلاة والسلام. حتى لما كان يوم بدر، وقيل لعقبة: «أخرج مع من يخرج؟» قال: «أخرج»، وتذكر كلمة النبي صلى الله عليه وسلم إذ قال له: «لا تخرج من مكة إلا قتلتك». فكان ممن أسر في السبعين الذين أخذهم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «أقاتلي؟» قال: «نعم»، فقتله النبي صلى الله عليه وسلم في يوم بدر. قال: وحيث يظهر الكفار ويغلبون، فإنما يكون ذلك لذنوب المؤمنين التي أوجبت نقص إيمانهم، فإذا تابوا نصرهم الله. وقد يكون امتحانا وابتلاء ورفع درجة؛ فإنه قد يكون بسبب ذنوب، وقد يكون امتحانا ورفع درجة، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. قال: كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. ومعنى «متما» كمل الإيمان؛ فإنه ينجو المؤمن بإذن الله تعالى من الهوان والحزن، كما قال سبحانه: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. قال: فإذا كان من تمام الحكمة والرحمة ألا يهلكهم بالاستئصال كالذين من قبلهم، قال تعالى: «أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر؟» كان لا يأتي بموجب ذلك مع إتيانه سبحانه بما يقيم الحجة أكمل بالحكمة والرحمة؛ إذ كان ما أتى به حصل به كمال الهدى والحجة. ومن تنع منه دفع من عذاب الاستئصال ما أوجب بقاء جمهور الأمة. فمن حكمة الله في عدم إهلاك الكافرين هو عدم الاستئصال، وإخراج من يؤمن بالله منهم ومن أصلابهم. وهذا الذي رجاه النبي عليه الصلاة والسلام: «حتى يهتدوا ويؤمنوا». وكان في إرسال خاتم الرسل صلى الله عليه وسلم من الحكمة البالغة والمنن السابغة ما لم يكن برسالة غيره، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين. والمعنى أن هذا الاستطراد الذي خرج به المؤلف رحمه الله عن مقصود ذكر السيرة هو ليبين الحكمة التي لأجلها لم يهلك الله عز وجل هذه الأمة التي بعث فيها النبي عليه الصلاة والسلام، على ما كان منهم من إعراض وإيذاء للنبي عليه الصلاة والسلام وصحابته. وكان من الحكمة أن لم يدعو عليه من نبي عليه الصلاة والسلام، وقد مكن من الدعاء كما مر، وكما سيأتي. كذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم خيرا بين أن يؤتى بعض الآيات التي طلبها المشركون على أنهم إذا لم يؤمنوا أخذهم الله وعاقبهم، فرجى عليه الصلاة والسلام أن يكون في تأخير عذابهم أو عدم وقوعه وعدم إنزال بعض الآيات سبب في إيمان بعضهم وخروج المؤمنين من ذرية بعض. قال: «رجعنا إلى سيرته صلى الله عليه وسلم». قال: «خروجه صلى الله عليه وسلم إلى الطائف». ولما اشتد البلاء من قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موت عمه، خرج إلى الطائف رجاء أن يؤوه وينصروه على قومه، ويمنعوه منهم حتى يبلغ رسالة ربه، ودعاهم إلى الله عز وجل. ومر معنا أنواع من الإيذاء التي أوذي بها النبي عليه الصلاة والسلام وصحابته بعد موت عمه أبي طالب، حتى أنه عليه الصلاة والسلام كاد أن يقتل. قال: فلم ير من يؤوي، ولم ير ناصرا، يعني لم يجد أحدا يؤويه ولا أحد ينصره. قال: وآذوه أشد الأذى، ونالوا منه ما لم ينل منه قومه. وكان معه زيد بن حارثة مولاه، وذلك بأن صلت عليه السفهاء والصغار، كما سيأتي. قال: فأقام بينهم عشرة أيام، كما ذكر ذلك أصحاب السير، وسيأتي إن شاء الله الإشارة إليه. قال: لا يدع أحدا من أشرافهم إلا كلمه. فقال: «أخرج من بلدنا»، وأغروا به سفهاءهم، فوقفوا له سماطين، وجعلوا يرمونه بالحجارة، يعني وقفوا له صفين وفي طريقه يرمونه بالحجارة. قالوا بكلمات من السفه أشد وقعا من الحجارة، حتى دميت قدماه، وزيد بن حارثة يقيه بنفسه حتى أصابه شجاج في رأسه. فانصرف إلى مكة محزونا. وفي مرجعه ذلك دعا بالدعاء المشهور: «اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس، أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني؟ أو إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، غير أن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلاح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن يحل علي غضبك، أو ينزل بي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك». وأصل قصة خروج النبي عليه الصلاة والسلام إلى الطائف ثابتة في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، وستأتي الإشارة إليه؛ فإنه عليه الصلاة والسلام سئل: «أي يوم أشد عليك من يوم أحد؟» فأخبر: «يوم دخل على أهل الطائف، وأتى عبد ياليل بن كلال، فلقي منهم ما لقي، حتى خرج منها هائما على وجهه، وهو بقرن المنازل أو قرن الثعالب». وهذا الدعاء دعاء مشهور، رواه ابن إسحاق مرسلا من طريق محمد بن كعب القرظي بإسناد صحيح مرسل. وروي كذلك كما أشار عندكم، رواه الطبراني من حديث عبد الله بن جعفر بإسناد فيه ضعف. فبعضهم حسنه بمجموع هذين الطريقين، وبعضهم لم يحسنه، إذ رأى أن المخرج واحد. وقد ضعفه الشيخ العلامة الألباني رحمه الله في عدد من كتبه. وذهب جماعة من أهل العلم إلى تحسينه. قال الطبري رحمه الله تعالى: «كان السلف يدعون به»، أي هذا الدعاء، ويسمونه «دعاء الكرب»، يعني كان صحيحا عندهم؛ لأنه روي مرسلا بإسناد صحيح، وروي من طريق عبد الله بن جعفر بإسناد فيه ضعف، فحسنه بعضهم بهاتين الطريقين، وبطريق ثالثة من مرسل الزهري. وبعضهم جعل مرسل الزهري يرجع إلى مرسل محمد بن كعب القرظي. فالشاهد أن الحديث محتمل للتحسين، وقد كان بعض السلف يدعو به؛ لما فيه من دعاء النبي عليه الصلاة والسلام، ولما فيه من المعنى البليغ الذي تضمنته هذه الكلمات. قال: فأرسل ربه تبارك وتعالى إليه ملك الجبال يستأمره، يعني يطلب منه أن يأمره بما شاء، قال: «أن يطبق الأخشبين على أهل مكة»، وهما جبلان، وهما جبلاها اللذان هي بينهما. فقال: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئا». وهذا كما أشار هو حديث عائشة الذي في الصحيحين. قال: فلما نزل بنخلة في مرجعه - ونخلة اسم موضع كما مر معنا - بين الطائف ومكة، قام يصلي من الليل ما شاء الله، فصرف الله إليه نفرا من الجن فاستمعوا قراءته، ولم يشعر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل إليه. ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. وأقام بنخلة أياما. فقال زيد بن حارثة رضي الله عنه: «كيف تدخل عليهم - يعني على أهل مكة - وقد أخرجوك - يعني قريشا؟» فقال: «يا زيد، إن الله جاعل لما ترى فرجا ومخرجا، وإن الله ناصر دينه، ومظهر نبيه». ثم انتهى إلى مكة، فأرسل رجلا من خزاعة إلى المطعم بن عدي: «أدخله في جوارك»، يعني طلب منه أن يدخل في جواري المطعم بن عدي يحميه من كفار قريش، وكان كافرا. فقال: «نعم». فدعا المطعم بنيه وقومه، فقال: «البسوا السلاح، وكونوا عند أركان البيت؛ فإني قد أجرت محمدا، فلا يهجه أحد منكم». فانتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الركن فاستلمه، وصلى ركعتين، وانصرف إلى بيته، والمطعم بن عدي وولده محدقون به في السلاح حتى دخل بيته. وهذا رواه ابن سعد مرسلا، وجاء كذلك عند غيره بأسانيد منقطعة ومرسلة. لكن أصل دخول النبي صلى الله عليه وسلم في جوار المطعم بن عدي ثابت في الصحيح؛ فقد جاء في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو كان المطعم بن عدي حيا ثم كلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له»، يعني الذين قتلوا في يوم بدر. وهذا يدل على ثبوت أصل القصة. وأما هذا التفصيل فقد روي مرسلا كما سمعنا.