الدرس في شرح مختصر السيرة 52، الدرس الثاني والخمسون :فيه :( قالت:ولما خرج أبو بكر احتمل معه ماله ...وجاء أسعد بن زراره فاخذ بخطام ناقته فكانت عنده ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يروي خروج النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر من مكة وانتظار الأنصار وصوله، ونزوله في قباء حيث أقام أربعة عشر ليلة وأسس مسجد قباء.
يتحدث عن توجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بعد قباء وأدائه صلاة الجمعة في بني سالم بن عوف.
يشرح نزول النبي صلى الله عليه وسلم في بني النجار أخواله وبركت ناقته في موضع مسجده، ثم نزوله في دار أبي أيوب لكونها أقرب الدور إلى موضع الناقة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، في كتابه مفسر سيرة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: قالت أسماء: ولما خرج أبو بكر احتمل معه ماله، فدخل علينا جدي أبو قحافة وقد ذهب بصره، فقال: إني والله لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه -يعني لم يترك لكم شيء وترككم في ضياع- قالت: قلت كلا والله قد ترك لنا خيرا. قالت: أخذت حجارة فوضعتها في كوة البيت، والكوة الموضع الذي يوضع فيه المصباح أو الذي يوضع فيه شيء كالرف المخفي اليوم. قال: وقلت ضع يدك على المال، فوضعها، وقال: لا بأس -يعني على الحجارة ضنه شيء من المال- وقال: لا بأس إن كان قد ترك لكم هذا. وليس معناه أنه مس الحجارة بنفسها، لكن ربما بشيء من الثوب عليه فرأه شيئا متجسما كأنه مال. قال: وقال: لا بأس إن كان قد ترك لكم هذا فقد أحسن. قالت: والله ما تركنا لنا شيئا، وإنما أردت أن نسكت الشيخ. وهذه القصة رواه الإمام أحمد في مسنده، والطبراني. وكما قال الهيثم، رحمه الله، في المجمع: رجاله رجال الصحيح غير ابن إسحاق وقد صرح بالسماع، فإسناده صحيح إن شاء الله. قال: ولما بلغ الأنصار مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة، وهذا فصل في دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة. قال: ولما بلغ الأنصار مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة كانوا يخرجون كل يوم إلى الحرة ينتظرونه أول النهار. والحرة هي في طريق القادم من مكة إلى المدينة لمن سلك الجادة -يعني من سلك الطريق المختصرة- ولكن النبي عليه الصلاة والسلام سلك البحر كما صحت بذلك الأحاديث. ففي مستدرك الحاكم بإسناد حسن، وهكذا رواه ابن هشام بشيء من التفصيل: أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر دخلا المدينة من جهة ثنية الوداع، ونزلا إلى قباء في بني عمرو بن عوف، وقعد عندهم أربعة عشر يوما، وأسس مسجد قباء. وأصله كذلك كما قلنا في البخاري، وتفصيله عند ابن هشام بإسناد حسن، وهكذا عند الحاكم. قال: ولما بلغ الأنصار مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة كانوا يخرجون كل يوم إلى الحرة ينتظرونه أول النهار، فإذا اشتد حر الشمس رجعوا إلى منازلهم. فلما كان يوم الاثنين ثاني عشر ربيع الأول على رأس ثلاثة عشر سنة من نبوته، خرجوا على عادتهم، فلما حميت الشمس رجعوا. وهذا التحديد والتقدير الله أعلم به، لكن دخوله في ربيع صحيح، وكانت ولادته في ربيع كذلك. قال: فلما حميت الشمس، فصعد رجل من اليهود على أطم من أطام المدينة لبعض شأنه. واليهود يسكنون في جهة قباء ولهم مزارع النخيل المعروفة هناك. قال: فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مبيضين يزول بهم السراب -يعني يلبسون البياض- فصاح بأعلى صوته: يا بني قيلة -وبني قيلة يريد بهم الأنصار أو العرب- قال: هذا صاحبكم قد جاء، هذا جدكم الذي تنتظرون. فثار الأنصار إلى السلاح ليتلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت هذه عادة العرب تلقي الضيف الكبير الذي يراد إكرامه بالسلاح. قال: وسمعت الوجبة والتكبير في بني عمرو بن عوف. والوجبة الصوت الساقط -يعني الصوت الذي يدل على حركة شديدة- كما قال الله عز وجل: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا﴾ يعني إذا سقط البعير وسمع صوت سقوطه، فابدأوا بتوزيعه بما يكون به أكل هؤلاء المحتاجين. قال: وكبر المسلمون فرحا بقدومه، وخرجوا للقائه، فتلقوا وحيوه بتحية النبوة، وأحدقوا به مطيفين حوله. ليس مطيفين يعني يطوفون كطواف بالبيت، ومعنى مطيفين أي محلقين، حلقوا به من الفرحة والبهجة بنجاتهم من أيدي المشركين بعدما بلغهم تعني المشركين في إيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وإرجاعه إلى مكة. قال: فلما أتى المدينة عادل ذات اليمين حتى نزل بقباء في بني عمرو بن عوف، ونزل على كلثوم بن الهدم أو على سعد بن خيثمة، فأقام في بني عمرو بن عوف أربعة عشر ليلة، وأسس مسجد قباء، وهو أول مسجد أسس بعد النبوة. وهذا كما مر معنا أصله في البخاري، وعند ابن هشام والحاكم. قال: فلما كان يوم الجمعة ركبوا، فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف، فجمع بهم في المسجد الذي في بطن الوادي. ثم ركبوا، فأخذوا بخطام راحلته، يقولون: هلم إلى القوة والمنعة والسلاح. فيقولون: خلوا سبيلها فإنها مأمورة. فلم تزل ناقته سائرة، لا يمر بدار من دور الأنصار إلا رغب إليه في النزول عليهم، فيقول: دعوها فإنها مأمورة. فسارت حتى وصلت إلى موضع مسجده اليوم، فبركت، ولم ينزل عنها حتى نهضت وسارت قليلا، ثم رجعت وبركت في موضعها الأول، فنزل عنها. وذلك في بني النجار أخواله صلى الله عليه وسلم. وفي هذا الحدث، والذي أصله كما قلنا في الصحيح، آية عظيمة وحكمة من الله سبحانه وتعالى في تدبير أحوال رسوله عليه الصلاة والسلام، إذ أنه لو نزل في دار من دور الأنصار دون غيرهم لوجد غيرهم في أنفسهم، وكلهم يظن أن له فضل أو أن له مزية أو أنه أحق برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وربما بعضهم كانت لهم سابقة إسلام، وربما بعضهم كان لهم شأن من علو منزلة في قومه، وربما بعضهم كان له شيء من بذل أو غير ذلك. فكان في هذا حكمة من الله أن لا يقع في نفوس الأنصار شيء. وفي هذا درس عظيم لمن يبتلى بمثل هذا الموقف أن يراعي ما يأتي الفساد من جهة الخير يكون أول الأمر فرحة وبهجة، ثم ينقلب ذلك إلى عداوات وشحناء وبغضاء بسبب أشياء يسيرة ما يظنها الإنسان أنها تؤثر، لكنها عند نفوس أناس تؤثر. فكان من حكمة الله أن سارت هذه الناقة فنزلت. وانظر أين ألهمها الله أن تنزل، نزلت عند أخواله عليه الصلاة والسلام لأن أمه من بني النجار. فكان في هذا زيادة إجلال وإكبار للموقف بأن وفيه كذلك تنزيل الإسلام منازل الناس ومنازل أو المواقف على منازلها ومواقفها العادلة، إذ أن أولى الناس بالرجل هم قرابته، هذا هو الحق. أولى الناس بالرجل هم قرابته، خصوصا إذا كانوا على إسلام وإيمان. وكذلك كان بنو النجار. فانظر كيف ألهم الله هذه الناقة فنزلت في موضع أخواله بني النجار. قال: وكان من توفيق الله لها، فإنه أحب أن ينزل على أخواله يكرمهم، فجعل الناس يكلمونه في النزول عليهم -يعني هو في نفسه هذا- ولكن كل يلح عليه أن ينزل عنده، فماذا يصنع؟ فأتاه الأمر من الله سبحانه وتعالى والفرج، فكان الحكم للناقة، فألهم الله الناقة فنزلت في بني النجار. انظر تمشي من قباء إلى بيوت الأنصار حتى نزلت في بني النجار، وهو موضع المسجد اليوم الذي بجانب البقيع. قال: وبادر أبو أيوب خالد بن زيد إلى رحله فأدخله بيته، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «المرء مع رحله». وجاء سعد بن الزرارة فأخذ بخطام ناقته، فكانت عنده. وذلك لأن دار أبي أيوب كانت أقرب الدار، أقرب الدور إلى موضع نزول الناقة. نقف إلى هنا ونكمل الباقي إن شاء الله بدرس اللاحق، والله تعالى أعلم.