شرح مختصر السيرة 87

شرح مختصر السيرة 87

الدرس في شرح مختصر السيرة 87، الدرس السابع والثمانيون:من( المن على سبي هوازن ... ونريد أن نمنَّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجلعهم أئمة ونجلعهم الوارثين ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

وفد هوازن وطلب رد السبايا

قدم وفد هوازن للنبي صلى الله عليه وسلم وطلبوا رد سباياهم، فوافق بعد استشارة أصحابه. يظهر فقه النبي في التعامل مع الناس.

حكم النبي في غنائم هوازن وتأليف القلوب

قسم النبي صلى الله عليه وسلم غنائم هوازن وخيرهم بين الرد أو التعويض، وأجاز نزع الأموال إذا اقتضت المصلحة ذلك مع التعويض. طبق ذلك تأليفا لقلوب المسلمين.

دروس وعبر من غزوة حنين والتواضع لله

بين المقطع دروسا من غزوة حنين، حيث هزم المسلمون في البداية ثم نصرهم الله بعد تواضعهم. يبين أهمية التواضع والانكسار في النصر.

أحكام إقامة الحدود الشرعية

لا يلزم أن يذهب إلى بلاد أخرى ليقام عليه الحد، وقد تمت الإشارة إلى هذا الحكم الشرعي في الإسلام.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، في كتابه «مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم»: «قال المن على سبيه هوازن، وهذا المعنى أصله في الصحيحين، جاء من حديث مروان والمسور بن مخرمة، كل منهما يرويه عن النبي عليه الصلاة والسلام. وما وقع من أمر سبيه هوازن، وقد ذكره البخاري في أبواب متعددة من صحيحه، وأشار المعلق إلى بعض ذلك. قال: وقدم وفد هوازن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم أربعة عشر رجلا، فسألوا أن يمن عليهم بالسبي والأموال. فقال: إن معي من ترون، وإن أحب الحديث إلي أصدقه. يعني: ترون أن معي أناسا متفرقين من جهات كثيرة، فمنهم من مكة، ومنهم من المدينة، ومنهم من قبائل دون ذلك. والمعنى: من الصعب أن يؤخذ من أيدي هؤلاء كل شيء، هذا شيء صعب. قال: فأبناؤكم ونساؤكم أحب إليكم أم أموالكم؟ فقالوا: ما كنا نعدل بالأحساب شيئا، يعني: النساء والأبناء، ونترك الأموال. فقال: إذا صليت الغداة، فقوموا فقولوا: إنا نستشفع برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المؤمنين، وبالمؤمنين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرد إلينا سبينا. ومعنى نستشفع: يعني نطلب شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام لنا، وهي شفاعة حسية في أمر مقدور عليه حاضر، من رجل حاضر، في أمر رد أبنائنا ونسائنا، يعني مما كان في غزوة هوازن. ونستشفع بالمؤمنين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني العكس، يستشفعون بالناس إلى النبي عليه الصلاة والسلام. والحديث رواه الإمام أحمد من طريق عمر بن شعيب، عن أبيه، عن جده، بهذا اللفظ، وصححه العلامة الألباني في «الصحيحة» حديث 1973. وهذا الحديث أصله كما مر معنا في الصحيحين، من حديث المسور ومروان، لكن هذا السياق هو سياق الإمام أحمد، وعبد بن حميد في «المنتخب»، كما أشار الألباني، رحمه الله. قال: فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الغداة، قاموا فقالوا ذلك. وفيه فقه النبي عليه الصلاة والسلام، وحسن سياسته في تدبير أحوال الناس وأمورهم. النبي عليه الصلاة والسلام يستطيع أن يفعل ذلك، ولكن أراد أن يبين للناس أولا ظهور توبتهم، لأنه جاء في الصحيحين أنهم جاءوا تائبين. جاءوا تائبين حتى قام النبي عليه الصلاة والسلام بعد أن قالوا ما قالوا، فقال: إن إخوانكم جاءوا إليكم تائبين. قال: فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الغداة، قاموا فقالوا ذلك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما ما كان لي ولبني عبد المطلب، فهو لكم، وسأسأل لكم الناس. يعني: أجابهم أمام الناس، وهذا له أثر، وفيه أن التأثير بالفعل أقوى من التأثير بالقول، حين يبادر النبي عليه الصلاة والسلام أمام الناس بأن يقول: وهبت ما عندي، ووهبت ما عند قومي، هذا له أثر أكثر من أن يأتي خبر أن النبي عليه الصلاة والسلام يطلب منكم كذا وكذا، فإن الناس قد يترددون، لكن كان في هذا مع ما يظهر من استعطاف هؤلاء لأبنائهم ونسائهم، له أثره في التأثير على القلوب. قال: فقال المهاجرون والأنصار: ما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني: ما يقول نحن معه. وقال الأقرع بن حابس: أما أنا وابن تميم - وهو من أهل نجد - فلا، يعني: ما نتبرع ولا نتسامح بشيء. وقال عيينة بن حصن: أما أنا وبنو فزارة فلا. وقال العباس بن مرداس: أما أنا وبنو سليم فلا. فقالت بنو سليم: ما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال العباس - يعني ابن مرداس - وهنتموني، يعني: أسقطتم قولي. وجاء في رواية: أنهم قالوا: كذبت، بل وهبنا ما عندنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي رواية: أنه وافقهم كذلك حي آخر. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن هؤلاء القوم قد جاءوا مسلمين. هذا جاء في بعض ألفاظ الصحيحين. وفي رواية: جاءوكم تائبين مسلمين. قال: وقد استأنيت بسبيهم، وقد خيرتهم، فلم يعدلوا بالأبناء والنساء - يعني: وهبتهم نساءهم وذريتهم - فمن كان عنده شيء فطابت نفسه بأن يرده، فسبيل ذلك - يعني: بتطييب نفسه - ومن أحب أن يستمسك بحقه، فليرده عليهم، وله بكل فريضة ست فرائض من أول ما يفيء الله علينا - ما يفيء الله علينا - وفيه جواز الحكم بأموال الغير إذا اقتضت المصلحة ذلك، على أن يعوض، ولو بالمضاعفة. فالنبي عليه الصلاة والسلام خيرهم بين اثنين، لا ثالث لهما، من أحب أن يتصدق، فهي صدقة يرد، ومن لم يحب، ليس معناه أنه سيأخذ السبي أبدا، ما سيأخذ السبي، لابد أن يرد السبي، لكن سنعوضه من عندنا، يعني: بذلك ستة أضعاف. وهذا فيه أن ما يملكه الناس مما يأتيهم من طريق السلطان، ولو امتلكوه، إذا شاء السلطان، جاز له أن ينزعه، على أن يعوضهم ما هو ضعف، يعني: ما هو زيادة عن حقهم. ويجوز هذا، وهذا دليل له، فإن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك. ومثله كل ما يعطى للناس من طريق السلطان، من قتال أو من غيره، يجوز أن يكون فيه نحو ذلك. وهل هذا خاص بالسلطان أو بكل ولاية؟ في هذا قولان للعلماء. وبعض أهل العلم يرى أنه في كل ولاية له ذلك، لأن هذا مما تقوم مصالح تلك الولاية، والقائم على تلك الولاية له أن يجتهد بما يرى من السياسة الشرعية التي تكون بها ترجيح المصالح، ما يبقى كيان تلك الولاية. وهذا أظهر؛ لأن المسائل الشرعية تدور بعللها، والشرع لا يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع. فإذن هذا يصلح في الولايات الكبيرة والصغيرة، وفي الأموال الكثيرة والقليلة، وفي الأشياء التي تتعلق بالجهاد، والأشياء التي تتعلق بغير الجهاد، ولو كان تعليما أو غيره، فإنه إذا احتيج إلى ذلك لما فيه مصلحة أعظم، فإنه يصلح إنفاذ مثل ذلك بهذا المعنى. فقال الناس: قد طيبنا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: إنا لا نعرف من رضي منكم ممن لم يرض، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاءكم أمركم. ومعناه: أنه ما يعلم من الذي سامح بصدق، ومن الذي أكره أو أحرج. ولكن أمر أن يرفع العرفاء - والعرفاء هم كبراء القوم، مثل ما نقول: مشايخ القبائل، أو من كان بمعنى هؤلاء - فهم يرفعون أسماء الموافقين وأسماء غير الموافقين. فمن كان غير موافق، يعوض كما وعد النبي عليه الصلاة والسلام، ومن كان موافقا، فإنه يكون ليس له شيء. قال: فرد عليهم أبناءهم ونساءهم. وكسا النبي صلى الله عليه وسلم السبيا قبطية قبطية، يعني: زاد فأكرمهم النبي عليه الصلاة والسلام من عنده بهذه الثياب البيض الرقاق. وأصل الحديث في الصحيحين. قال: فصل: لما أتم رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمون معه فتح مكة، اقتضت حكمة الله أن أمسك قلوب هوازن عن الإسلام - يعني: لم يسلموا كما أسلم أهل مكة، بل قاتلوا - قال: لتكون غنائمهم شكرانا لأهل الفتح - يعني: تكون أموالهم يعطى لأهل الفتح، تأليفا لقلوبهم - قال: وليظهر حزبه على الشوكة التي لم يلق المسلمون مثلها - يعني: إذا سمع العرب في جميع الجزيرة بأن أهل مكة استسلموا، وأن هوازن - وهم من أشد قبائل العرب وأكثرها عددا وعدة - إن هزمت أمام جيش النبي عليه الصلاة والسلام، يكون هذا كالتخويف لجميع الناس في الجزيرة وغيرها - قال: وليظهر حزبه على الشوكة التي لم يلق المسلمون مثلها، فلا يقاومهم أحد بعد من العرب. وأذاق المسلمين أولا مرارة الكسرة مع قوة شوكتهم. ومعنى مرارة الكسرة: يعني ما أصابهم في أول يوم حنين، حين اغتروا بكثرتهم. أراد ربنا جل وعلا بحكمته أن يبين لهم أن النصر ليس بالكثرة، بل بفضل الله عز وجل، فابتلوا في هذا القتال في أوله. ويوم حنين: إذا عجبتكم كثرتكم، فلم تغن عنكم شيئا، وضاقت عليكم الأرض بما رحبت. الآيات في ذلك. قال: وأذاق المسلمين أولا مرارة الكسرة مع قوة شوكتهم، قال: ليطامن رؤوسا رفعت بالفتح. قال: الطمن بالفتح الساكن. ومعناه: لأجل أن يتبين للجميع أن النصر بيد الله، ولا يغتر أحد بنفسه، لا بقبيلته، ولا بشخصه، ولا كذلك بالكثرة. قال: ولم تدخل حرمه كما دخلها رسول الله صلى الله عليه وسلم، واضعا رأسه منحنيا على فرسه - يعني: أن بعض من خرج معه يوم بعد الفتح، خرجوا فيهم الكبر - فأراد ربنا جل وعلا أن يكسر ذلك. بينما نبينا عليه الصلاة والسلام دخل عام الفتح، وهو في غاية الانكسار والتواضع. وهذا من الأدب الذي ينبغي أن يتأدب به عند النصر، ليس ما يفعله الناس اليوم عند النصر من شرب الخمور والزعيق والنهيق وضرب الطبول والرقص والغناء، ويسمون ذلك بهجة النصر. بينما الذي تعلمناه من أدب نبينا عليه الصلاة والسلام: الانكسار في النصر، الانكسار في النصر. قال: واضع الرأس منحنيا على ثناياه، حتى إن دقنه ليكاد يمس سرجه، تواضعا لربه، وليبين سبحانه لمن قال: لن نغلب اليوم عن قلة، أن النصر إنما هو من عنده سبحانه، وأن من يخذل له، فلا ناصر له غيره، وأنه سبحانه الذي تولى نصر دينه، لا كثرتكم. فلما انكسرت قلوبهم، أرسل إليهم خلع النصر مع بريد النصر. ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين. وانظر في قوله: على رسوله وعلى المؤمنين، ليس مع أولئك الذين قال الله عز وجل عنهم: ﴿قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾، فهم مسلمون، ليسوا بمؤمنين. قال: وأنزل جنودا لم تروها. وقد اقتضت حكمته أن خلع النصر إنما تفيض على أهل الانكسار. ومعنى خلع: يعني علامات وبشارات النصر، تأتي لأهل الانكسار، يعني: أهل السكينة والتواضع، وأهل الإيمان الصحيح. قال: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾، فالمن بالنصر هو للمستضعفين الذين جمعوا بين الإيمان والضعف. طيب، ووجه إيراد هذا الفصل ظاهر، يريد أن يبين - رحمه الله - أن هذا فيه عبر ودروس عظيمة، منها هذه المعاني التي ينبغي أن يلحظها المسلم، وطالب العلم على وجه الخصوص. طيب، لهنا والله تعالى أعلم، يقول: كيف توبة الزان الذي سكن في البلاد لا تقام فيها شريعة الإسلام؟ فهل عليه السفر إلى بلاد التي تقام فيها شريعة الإسلام لإقامة عليه الحد الصحيح؟ أن من تاب من الزنا، فلم يقبض عليه، ولم يشهد عليه، فتوبته تكون بينه وبين ربه سبحانه، يعني: ما دام أن الله ستر عليه، فليستر على نفسه، لا يلزم أن يذهب ليقيم على نفسه الحد. ويدل على ذلك ما جاء في الصحيحين في قصة ماعز، رضي الله تعالى عنه. وهذا لا يعني أن من أتى لإقامة الحد، وقد وصل أمره إلى السلطان، أنه يترك، لا يقام عليه الحد، لكن من ستر الله عز وجل عليه، وتاب وصدق في توبته، يتوب الله على من تاب، فيصدق ويجتهد في تصحيح توبته، حتى يتقبل الله عز وجل توبته، ويعينه على طاعته سبحانه. فإن الإنسان متى ما صدق، وعين من الله عز وجل بأنواع العون. وعلى هذا فلا يلزم أن يذهب إلى أي بلاد أخرى ليقام عليه الحد. طيب، لهنا والله أعلم.