جواهر البلاغة  127

جواهر البلاغة 127

الدرس في جواهر البلاغة 127، الدرس السابع والعشرون بعد المائة:( تشبيه على غير طرقه الأصلية ... وهذا النوع يؤتى به ليفيد أن الحكم الذي أسند إلى المشبه ممكن ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

التشبيه وأنواعه

يناقش المقطع التشبيه الضمني والمقلوب، حيث يوضح أن التشبيه الضمني يلمح المشبه والمشبه به دون ذكرهما صراحة، بينما التشبيه المقلوب يعكس ترتيب المشبه والمشبه به. يشرح أيضاً أقسام التشبيه وبلاغتها.

أغراض التشبيه وبلاغته

ينقسم التشبيه باعتبار الغرض إلى حسن مقبول وقبيح مردود، حيث يكون الحسن المقبول ما وفى بالأغراض المطلوبة، بينما القبيح المردود هو ما لم يف بالغرض لعدم وجود وجه شبه واضح أو لوجوده لكنه بعيد.

التشبيه التمثيلي وتطبيقاته

التشبيه التمثيلي يبين إمكانية الحكم المسند إلى المشبه، مثل وصف شخص بالعلو في الفضل مثل قمة الجبل، ويفيد إثبات الحكم للمشبه بشكل ممكن وواقعي.

  • 24 جمادى الأولى 1432هـ - 27/04/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم. قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: تشبيه، تشبيه. قال: تشبيه على غير طرقه الأصلية، التشبيه الضمني يعني. ومن أقسام التشبيه نوع يأتي على غير طرقه الأصلية، وهو ما يسمى بالتشبيه الضمني. قال: هو تشبيه لا يوضع فيه المشبه والمشبه به في صورة من صور التشبيه المعروفة، بل يلمح المشبه والمشبه به. ومعنى يلمح يعني يشار إليه على وجه الإلماح. قال: ويفهمان من المعنى. ويكون المشبه به دائمًا برهانًا على إمكان ما أسند إلى المشبه. كقول المتنبي: مَنْ يَهنْ يَسْهُلِ الهَوانُ عَلَيهِ مَا لِجُرحٍ بِميِّتٍ إيلامُ. أي: إن الذي اعتاد الهوان يسهل عليه تحمله، ولا يتألم له. وليس هذا الإدعاء باطلًا؛ لأن الميت إذا جرح لا يتألم. وفي ذلك تلميح بالشبيه في غير صراحة، وليس على صورة من صور التشبيه المعروفة. بل إنه تشابه يقتضي التساوي، وأما التشبيه فيقتضي التفاوت. هذا النوع من أنواع التشبيه -كما أشار -رحمه الله-، التشبيه يختلف عن الأقسام والأنواع السابقة؛ لأنه لا يظهر فيه المشبه والمشبه به، ولا يأتي على صورة من الصور المعروفة للتشبيه. ولهذا سمي ضمنيًا؛ لأنه يفهم ضمن القول وسياق الكلام. فليس له ألفاظ هي تشبيه، ولكنه يفهم من السياق والسباق، كما يقال: فالقول مضمن لمعنى التشبيه دون ألفاظه. لا توجد هناك ألفاظ تستطيع أن تقول: هذا مشبه، وهذا مشبه به. ومثل بهذا المثال من قول المتنبي. وكما نرى: ليس فيه شيء نقول: هذا هو المشبه، وهذا هو المشبه به، وهذا وجه الشبه، وهذه أداة التشبيه. فأركان التشبيه غير موجودة، لكن من تأمل المعنى ونظر في السياق وجد أن المعنى مضمن للتشبيه. فإنه شبه من يرضى لنفسه بالهوان كالميت إذ يجرح، فكما أن الميت إذا جرح لا إيلام له، فكذلك من سهل عليه الهوان فإنه لا يشعر بمذمة هذا الهوان. فهذا نوع من التشبيه، لكنه تشبيه ضمني. وقريبًا مر معنا بيت آخر للمتنبي فيه هذا المعنى كذلك: فَإِنَّ تَنفِقِ الأَنامَ أَنتَ مِنهُم فَإِنَّ المِسكَ بَعضُ دَمِ الغَزالِ. فهذا كذلك من التشبيه الضمني. قال -رحمه الله-: التشبيه المقلوب. قال: قد يعكس التشبيه فيجعل المشبه مشبهًا به، وبالعكس. فتعود فائدة إلى المشبه به؛ للدعاء أن المشبه أتم أظهر من المشبه به في وجه الشبه. ويسمى ذلك بالتشبيه المقلوب أو المعكوس. نحو: كَأَنَّ ضَوءَ النَّهارِ جَبينُهُ. ونحو: كَأَنَّ نَشرَ الرَوضِ حُسنُ سيرَتِهِ. ونحو: كَأَنَّ الماءَ في الصَفاءِ طِباعُهُ. وكقول محمد بن أهيب الحميري: وَبَدا الصَباحُ كَأَنَّ غُرَّتَهُ وَجهُ الخَليفَةِ. حين يمدح. شبه غرة الصباح بوجه الخليفة؛ إيهامًا أنه أتم منها في وجه الشبه. وكقول البحتري في وصف بركة المتوكل: كَأَنَّها حينَ لَجَّت في تَدَفُّقِها يَدُ الخَليفَةِ. لما سالت ودائها. قال: وهذا التشبيه مظهر من مظاهر الافتتان والإبداع. كقوله تعالى حكاية عن الكفار: ﴿إِنَّمَا الْبَيعُ مِثلُ الرِّبا﴾ في مقام أن الربا مثل البيع. عكسوا ذلك لإيهام أن الربا عندهم أحل من البيع؛ لأن الغرض الربح، وهو أثبت وجودًا في الربا منه في البيع، فيكون أحق بالحل عندهم. وهذا كذلك قسم آخر يختلف عن الأقسام السابقة. وكما رأينا في العنوان: التشبيه المقلوب. حصل فيه قلب لقاعدة أركان التشبيه، ولهذا سمي كذلك معكوسًا؛ لأنه جعل المشبه مشبهًا به، والمشبه به مشبهًا عكسًا. وهذا -كما ذكر- يؤتى به مبالغة في المدح، أو مبالغة في الذم، حتى صار كأن المشبه هو الأصل، والمشبه به هو الفرع عكس التشبيه. وكما رأينا في الأمثلة التي ذكرها يظهر ذلك جليًا. فقوله: كَأَنَّ ضَوءَ النَّهارِ جَبينُهُ. الأصل: جبينه كضوء النهار. لكن لما عكس وقلب التشبيه أظهر بهذا أن الجمال الموجود في هذا الموصوف أعظم من الأصل المشبه به، حتى صار كأن المشبه به هو الفرع، وهذا هو الأصل. ومثله: كَأَنَّ نَشرَ الرَوضِ حُسنُ سيرَتِهِ. وكَأَنَّ الماءَ في الصَفاءِ طِباعُهُ. فصار كأن طباع هذا الممدوح أعظم من صفاء الماء، مع أن الماء هو المشبه به، وهو الأصل. لكن مبالغة في المدح جعل هذا المشبه هو الأصل. وهكذا الأبيات التي بعدها: وَبَدا الصَباحُ كَأَنَّ غُرَّتَهُ وَجهُ الخَليفَةِ. حين يمدح. فجعل وجه الخليفة أعظم من الصباح في غرته، كأنه يقول: هو أجمل وأفضل. وإلا في الأصل التشبيه فيه شيء من القلب. ومثله كذلك البيت الذي بعده. فأراد أن يجعل سخاء الخليفة أعظم من هذا المشبه به. يعني: كأن جريان الماء لا يساوي شيء أمام إغداق الخليفة وكرمه. أو بهذا المعنى. وأما الآية التي ذكرها: فكما بينا. لكن هذا بحسب فهم هؤلاء اليهود الكفار. فهم زعموا أن الربا أحل من البيع، ولهذا أظهروه بهذه الصيغة. والآية على لسان حال اليهود، وكلامهم، وقولهم، وزعمهم، وافترائهم. وهذا يدل على شدة كذبهم على الله في هذا التحليل للحرام. وبالنسبة للبيت الذي مر معنا: مَا لِجُرحٍ بِميِّتٍ إيلامُ. قد يقول قائل: كيف هذا معقول؟ النبي -صلى الله عليه وسلم- كسر عظم الميت ككسره حيا. فيقال: هذا فيما يظهر. وإلا من حيث الحكم الشرعي فلا، لا يجوز إدخال الميت. وهذا يشبه قول أسماء لابنها عبد الله بن الزبير حين ذكر لها ما يريد الحجاج. وكذلك ما قالته للحجاج حين رآها قد جاءت تتفقد ابنها وقد قتله -رحمه الله-، رضي الله عنه. قال: المبحث الثامن في تقسيم التشبيه باعتبار الغرض إلى مقبول وإلى مردود. قال: ينقسم التشبيه باعتبار الغرض إلى حسن مقبول، وإلى قبيح مردود. فالحسن المقبول هو ما وفى بالأغراض السابقة. كأن يكون المشبه به أعرف من المشبه في وجه الشبه إذا كان الغرض بيان حال المشبه، أو بيان المقدار. أو أن يكون أتم في وجه الشبه إذا قصد إلحاق الناقص بالكامل. أو أن يكون في بيان الإمكان مسلم الحكم ومعروفًا عند المخاطب إذا كان الغرض بيان إمكان الوجود. وهذا هو الأكثر في التشبيهات؛ إذ هي جارية على الرشاقة، سارية على الدقة والمبالغة. ثم إذا تساوى الطرفان في وجه التشبيه عند بيان المقدار كان التشبيه كاملًا في القبول. وإلا فكلما كان المشبه به أقرب في المقدار إلى المشبه كان الشبه أقرب إلى الكمال والقبول. قال: والقبيح المردود هو ما لم يف بالغرض المطلوب منه؛ لعدم وجود وجه بين المشبه والمشبه به. أو مع وجوده لكنه بعيد. فالأول هو ما حصل فيه استيفاء لأركان التشبيه ومقاصده. سواء ذكرت هذه الأركان جميعًا أو لم تذكر. فإذا حصل ذلك كان من الحسن المقبول. وأما القبيح فهو الذي لا تستوفى فيه أركان هذا التشبيه، ولا يحصل مقصد التشبيه. وهذا كثيرًا ما يقع عندما انقصرت بلاغته وفصاحته. فهي -والله أعلم- أكثر ممن قبلهم من أهل الفصاحة والبلاغة. وكلما ازداد معنى العجمة ازداد قبح التشبيه إن وقع. مثل تراكيب الكلام. تجد الأعجمي يتكلم بكلام فيه تراكيب خاطئة، فيظهر الكلام فيه شيء من الخطأ والقبح. فكذلك في استعمال أركان التشبيه. فإنه إذا لم يؤت بها على وجهها -بغض النظر كون بعضها حذف أو لم يحذف-؛ لأن حذفه قد يزيده جمالًا وبلاغة. لكن المقصود كونها تأتي على الوجه الصحيح. فإذا أتت كذلك كانت حسنة مقبولة. وإذا لم تأت كذلك كانت قبيحة مردودة. فمثلًا كما رأينا في هذا القسم الأخير: التشبيه المقلوب. هذا التشبيه المقلوب عند من يحسن استعماله يكون نوع من معاني التفنن في إظهار زيادة المدح أو زيادة الذم. فهو من إبداع فصاحة المتكلم. ولكن ليس كل أحد يحسنه. فقد يحاكي إنسان ما هذا المعنى فيخطئ، فيكون في ذلك شيء من التشبيه القبيح المردود. ومثله كذلك -مثلًا- التشبيه البليغ الذي يحدث فيه وجه الشبه وأداة التشبيه. فهذا إذا وقع على وجه لم يحسن صاحبه سياقه وقصده وتركيبه حصل الخلل، فكان تشبيهًا قبيحًا مردودًا. قال -رحمه الله-: تنبيهات. الأول: بعض أساليب التشبيه أقوى من بعض في المبالغة ووضوح الدلالة. ولها مراتب ثلاثة. أعلاها وأبلغها ما حذف فيه الوجه والأداة. يعني وجه الشبه. نحو: علي أسد. وذلك أنك ادعيت الاتحاد بينهما بحذف الأداة، وادعيت التشابه بينهما في كل شيء بحذف الوجه. ولذا سمي هذا تشبيهًا بليغًا. وهذا باعتبار ذكر أداة التشبيه. وكذلك أو نقول: ذكر بعض أركان التشبيه. فإنه بهذا أبلغ وأقوى أساليب التشبيه. وإلا باعتبار عموم أنواع التشبيه. بعضهم جعل التشبيه المقلوب أقوى أنواع التشبيه. وبعضهم جعل كذلك التشبيه الضمني من أقوى أساليب التشبيه. لكن باعتبار ذكر الأداة. لا شك: هذا هو أبلغ وأقوى؛ باعتبار أن ذكر بعض أركان التشبيه هذا هو أقوى وأبلغ أساليب التشبيه. قال: المتوسطة ما حذف فيها الأداة وحدها. كما تقول: علي أسد شجاعة. أو يحدف فيه وجه الشبه. فتقول: علي كالأسد. وبيان ذلك: أنك بذكرك الوجه حصرت التشابه، فلم تدع للخيال مجالًا في الظن بأن التشابه في كثير من الصفات. كما أنك بذكر الأداة نصصت على وجود التفاوت بين المشبه والمشبه به، ولم تترك بابًا للمبالغة. إذن هذا النوع الوسط هو ما حذف فيه واحد من أربعة من أركان التشبيه. إما الأداة، وإما وجه الشبه. وهذا -كما ذكر- هو وسط دون الذي قبله. وبعض أهل البلاغ يقول: وضع كل شيء في موضعه يعطيه العدل والبلاغة الكاملة. صحيح أن التشبيه البليغ أبلغ من جهة المعنى وقوته. لكن ليس هو الأفصح إذا كان المقصود ليس هو العموم. وكما ذكر هنا: إذا كان المقصود هو التنصيص على التخصيص. فإذن الأفصح أن يؤتى بهذا القسم -القسم الوسط-. مثلًا تريد أن تلحق مشبهًا بمشبه به في صفة من صفاته. ليس بكل الصفات. فتقول مثلًا: هو كأبيه شجاعة. إذن أنت قيدت. فإذا قلت هذا صار هذا التقييد مقصود. ومثله: هو أسد شجاعة. فهذا التقييد مقصود. فإذا كان الوصف الحقيقة في الواقع محصورًا. فليس من الصواب أن تطلقه. ولهذا يراعى هذا المعنى حتى يوافق الكلام الواقع. فإذا كان ليس فيه معنى التعميم. فليس من الصواب أن يؤتى بالأسلوب البليغ من التشبيه. وهو بحذف الأداة ووجه الشبه. قال: الثالث أقلها ما ذكر فيه الوجه والأداة. وحينئذ فقدت المزايتين السابقتين. وهذا يعني أقل أساليب التشبيه من جهة البلاغة ما ذكر فيها الوجه والأداة. أي وجه الشبه. فذكر الجميع. أي أركان التشبيه. قال: الثاني -يعني من التنبيهات-: قد يكون الغرض من التشبيه حسنًا جميلًا. وذلك هو النمط الذي تسمو إليه نفوس البلغاء. وقد أتوا فيه بكل حسن بديع. كقولي -بالنابغة- في وصف فرس: أَغر مُحَجَّلٍ وَكَأَنَّما لَطَمَ الصَباحُ جَبينَهُ فَاِقتَصَّ مِنهُ فَخاضَ في أَحشائِهِ. يعني يصف سرعته. كأنه يسابق الصباح، أو يلاحق الصباح لسرعته. ونحو ذلك. قال: وقد لا يوفق المتكلم إلى وجه الشبه. أو يصل إليه مع بعد. وما أحق مثل هذا النوع بالاستقراء. وأحقه بالذم؛ لما فيه من القبح والشناعة. بحيث ينفر منه الطبع السليم. وهذا -كما قلنا- يكثر عندما تكثر عجمته. فيكون بذلك وضع الشيء في غير موضعه. قال: الثالث -يعني من التنبيهات-: علم مما سبق أن أقسام التشبيه من حيث الوجه والأداة كالآتي: التشبيه المرسل، وهو ما ذكرت فيه الأداة. والتشبيه المؤكد، وهو ما حذفت منه الأداة. والتشبيه المجمل، وهو ما حذف منه وجه الشبه. والتشبيه المفصل، وهو ما ذكر فيه وجه الشبه. والتشبيه البليغ، وهو ما حذفت منه الأداة ووجه الشبه. وهو أرقى أنواع التشبيه بلاغة. وقد تقدم الكلام عليه مستوفى. ولكن -كما قلنا- هذا مشروط أن يكون موافقًا للواقع في كونه يقصد به عموم الصفات في التشبيه، أو المبالغة في ذكر ذلك. قال: السادس: التشبيه الضمني هو تشبيه لا يوضع فيه المشبه والمشبه به بصورة من صورة التشبيه المعروفة. بل يلمح المشبه والمشبه به، ويفهمان من المعنى. ويدل على ذلك غالبًا السياق. قال: نحو: فَما يَستَقِرُّ المالُ في يَدِهِ وَكَيفَ تَمسِكُ ماءَ قُنَّةِ الجَبَلِ. فالمشبه الممدوح، وضمير على. والمشبه به قنة الجبل. يعني قمة الجبل. ووجه الشبه عدم الاستقرار. والأداة محذوفة أيضًا. يعني: شبه كرم هذا الإنسان الممدوح بكون المال الكثير لا يبقى في يده لشدة كرمه وسخائه. مثل قمة الجبل لا تمسك ماءً حتى ولو كثر. ومعناه: وعالٍ في الفضل كعلو قمة الجبل. قال: وهذا النوع يؤتى به ليفيد أن الحكم الذي أسند إلى المشبه ممكن.