الدرس في حلية طالب العلم 2، الدرس الثاني:من( والشأن هنا:في الآداب العامة لمن يسلك طريق التعلم ... وصاروا أئمة يهتدى بهم جمعنا الله بهم في جنته آمين ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشير المؤلف إلى اهتمام العلماء قديمًا وحديثًا بآداب طالب العلم، ويأمل أن يستمر العطاء في هذا الباب. يذكر أن بعض المشايخ كانوا يدرسون كتاب "تعليم المتعلم طريق التعلم" للزرنوجي في المسجد النبوي.
يتناول المقطع أهمية آداب طالب العلم وضرورة اجتناب الآفات التي تناقضها، مشيرًا إلى أن بعض هذه الآداب عام لجميع المسلمين وبعضها خاص بطالب العلم. بعض الآداب يدرك بالنص الشرعي ومنها ما يعرف بالطبع والعرف.
يشرح المؤلف أن الآداب المذكورة في الكتاب ليست شاملة لكل الآداب، ولكنها مهمة وتدل على غيرها من الآداب المشابهة. من يحرص على تعلمها والعمل بها سينتفع بها وينفع غيره.
يرفع الله تعالى أئمة الهدى في الدنيا والآخرة لمخالفتهم أخلاق النبي، وينبغي للمسلمين تعلم آداب النبي والعمل بها. المرء يكون مع من أحب يوم القيامة، ونسأل الله التوفيق لما يحب ويرضى.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، ما زلنا في مقدمة المؤلف -رحمه الله تعالى- التي أوردها مقدمة لكتابه «حلية طالب العلم». قال -رحمه الله تعالى-: «لقد تواردت موجبات الشرع على أن التحلي بمحاسن الآداب ومكارم الأخلاق والهدي الحسن والسمت الصالح سمة أهل الإسلام، وأن العلم -وهو أثمن درة في تاج الشرع المطهر- لا يصل إليه إلا المتحلي بآدابه، المتخلي عن آفاته. ولهذا عناها العلماء بالبحث والتنبيه، وأفردوها بالتأليف، إما على وجه العموم لكافة العلوم، أو على وجه الخصوص، كآداب حملة القرآن، وآداب المحدث، وآداب المفتي، وآداب القاضي، وآداب المحتسب، وهكذا». وهذا مر معنا. قال: «والشأن هنا في الآداب العامة لمن يسلك طريق التعلم الشرعي. وقد كان العلماء السابقون يلقنون الطلاب في حلق العلم آداب الطلب. وأدركت خبر آخر العقد في ذلك في بعض حلقات العلم في المسجد النبوي الشريف، إذ كان بعض المدرسين فيه يدرس طلابه كتاب الزرنوجي المتوفى سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة -رحمه الله تعالى- المسمى «تعليم المتعلم طريق التعلم». وهذا الكتاب يجتمل على مجموعة من الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها طالب العلم». يشير المؤلف -رحمه الله- إلى أن العلماء قد اعتنوا قديمًا وحديثًا بهذا الباب. وكان آخر ما أدرك في آخر العقد -يعني المئة السنة الأخيرة- أنه أدرك بعض المشايخ يدرس في المسجد النبوي هذا الكتاب للزرنوجي، والذي فيه الحث على الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها طالب العلم. قال -رحمه الله-: «فعسى أن يصل أهل العلم هذا الحبل الوثيق الهادي لأقوام طريق». ومعنى «عسى أن يصل» يعني عسى أن يستمر العطاء فيتواصل بسير أهل العلم الذين سبقوا ولحقوا، وهكذا من بقي منهم. وهذا المؤلف كأنه يقول: هو من وصل ذاك الحبل الوثيق الذي سار فيه من سار طالبًا أقوى مطريق. قال: «فيدرج تدريس هذه المادة في فواتح دروس المساجد، وفي مواد الدراسة النظامية. وأرجو أن يكون هذا التقييد فاتحة خير بالتنبيه على إحياء هذه المادة التي تهذب الطالب وتسلك به الجادة في آداب الطلب وحمل العلم، وأدبه مع نفسه ومع مدرسه ودرسه وزميله وكتابه وثمرة علمه، وهكذا في مراحل حياته». وهذه مجموعة من المواضع التي فيها آداب ينبغي الاعتناء بها، وسيأتي -إن شاء الله- الكلام عليه في موضعه في العناوين التي ستأتي -إن شاء الله- من هذا الكتاب. قال: «فإليك حلية تحوي مجموعة آداب، ونواقضها مجموعة آفات». يعني بين يديك كتاب وهو المسمى بـ«حلية طالب العلم»، والحلية من التحلي، قال فيها مجموعة من الآداب، وضدها وينقضها مجموعة من الآفات. والمعنى أن المسلم وطالب العلم على وجه الخصوص يحرص على التحلي بالآداب واجتناب الآفات. قال: «فإذا كان فإذا فات أدب منها اقترف المفرط آفة من آفاته». من آفاته، فمقل ومستكثر. والمعنى أن من ضيع شيئًا من تلك الآداب دخل فيما يقابله مثلها من الآفات، فمن أضاع -على سبيل المثال- الجد والاجتهاد قابله الكسل والخور والخمول، أو أضاع الإخلاص والصدق قابله العجب والرياء ونحوه. وقوله: «فمقل ومستكثر» يعني الناس في هذا مقل -يعني له آفات قليلة- أو مستكثر آفاته كثيرة. وكلما كثرت الآفات كثر موانع الانتفاع بالعلم. قال: «وكما أن هذه الآداب درجات صاعدة إلى السنة فالوجوب، فنواقضها دركات هابطة إلى الكراهة فالتحريم». وهذا حكم هذه الآداب، يعني كما أن من الآداب ما هو واجب ودونه سنة ومستحب، فكذلك تلك الآفات التي تناقض تلك الآداب منها ما هو مكروه ومنها ما هو محرم. وقوله: «درجات» يعني ترتقي بعضها فوق بعض أهم وأهم منه، و«دركات» يعني تسقط صاحبها سقوطًا وفوقه سقوط أعظم. قال: «ومنها ما يشمل عموم الخلق من كل مكلف، ومنها ما يختص به طالب العلم». ومنها وهذه تقاسيم يبين لك أهمية هذه الآداب، أي أن من الآداب ما هو ليس بخاص لطالب العلم بل هو لكل مسلم كالإخلاص والصدق وعدم الحسد، ومنها ما هو خاص بطالب العلم كالحرص على الجد والاجتهاد استغلال الأوقات ونحو ذلك. قال: «ومنها ما يدرك بضرورة الشرع، ومنها ما يعرف بالطبع ويدل عليه عموم الشرع من الحمل على محاسن الآداب ومكارم الأخلاق». والمعنى أن ليس كل أدب دل عليه الدليل الشرعي بالنص، فمنه ما دل عليه الدليل الشرعي بالنص -يعني من الكتاب والسنة- ومنه ما لا يخفى عند ذوي الطباع السليمة والعقول المستقيمة والفطر الصحيحة أنه من الآداب التي ينبغي أن تراعى ولو لم يرد نص صريح يدل عليه. بل ذكر هذا المعنى ويؤيده العرف والشرع، أشار إلى العمل بالعرف. ومن ذلك أن الأدلة بعموماتها تدل على معنى هذه الآداب، مثلًا الحرص على مكارم الأخلاق باجتناب خوارم المرؤة، وخوارم المرؤة تختلف من زمان إلى زمان ومن مكان إلى مكان ومن حال إلى حال. قد يقول قائل: هذا ما ورد فيه نص خاص من الشرع، نقول: دلت عليه العمومات ويقتضيه العرف، والعمومات تدل على العمل بمثل ذلك كما سيأتي الكلام عليه -إن شاء الله- في موضعه بحسب هذه الآداب. قال -رحمه الله-: «ولم أعني الاستيفاء، لكن سياقتها تجري على سبيل ضرب المثال، قاصدا الدلال على المهمات». ويقول: إن ما ذكر من آداب في هذا الكتاب ليس هو إحاطة بكل الآداب، بل يذكر فيه المهم، ومن المهم يضرب الأمثلة التي يستدل بها العقلاء على أمثالها ونظائرها وأشباهها وما هو أولى منها. فإن الشرع لا يجمع بين مُفترق ولا يفرق بين مجتمع، فالطيب يلحق بالطيب والخبيث يلحق بالخبيث والممدوح يلحق بالممدوح والمذموم يلحق بالمذموم. والمعنى ينبغي أن تعتني بكل ما هو بمعنى هذه الآداب أو أولى منها، حتى لا تظن أن ما في الكتاب هو كل الآداب لا، بل هو من أهم الآداب وليس جميع الآداب. قال: «فإذا وافقت نفسًا صالحة لها تناولت هذا القليل فكثرته، وهذا المجمل ففصلته. ومن أخذ بها انتفع ونفع». وهي بدورها مأخوذة من أدب من بارك الله في علمهم، «وصار أئمة يهتدى بهم، جمعنا الله بهم في جنته آمين». وهو يشير -رحمه الله تعالى- إلى أن هذه الآداب التي ذكرها وإن كانت قليلة لكن إذا وافقت ذو النفوس الصالحة فإنها ستكثر. كيف تكثر؟ لأنه سيستدل بها على أمثالها ونظائرها وما يشبهها، فيعمل بآداب أخرى كثيرة هي بمعنى الذي ذكر، بل وبعضها أولى منها، وهكذا. كذلك ربما ذكر كلمة مجملة تطبيقها شيء كثير، كان يحث -مثلًا- على الحياء، فتجد أثره في قوله وفي فعله وفي سائر خصاله وأموره الأخرى، فالقليل يصير كثير والمجمل يصير له تفاصيل كثيرة هذا عند من عنده نفس صالحة. ثم قال: «ومن أخذ بها انتفع ونفع» يعني الذي يحرص عليها بتعلمها وبالعمل بها فإن شاء الله ينتفع هو وينفع غيره، خصوصًا أنها مأخوذة من أدب من بارك الله في علمهم -يعني السلف الصالح- ومن تبعهم من الأئمة، فهذه الآداب عبارة عن علم وعمل من سبق. وقد كان السلف يحرصون على ذلك أشد الحرص، كما يروى أنه كان يحضر في مجلس الإمام أحمد أكثر من خمسة آلاف نفس يأخذون منه الهدي والسمت والعلم. فربما كتب قدر ألف خمسمائة، والبقية يأخذون من هديه وسمته -رحمه الله تعالى-، فالحرص على الهدي والسمت والأخلاق كان مما يحرص عليه فيما سبق. وربما سافر بعضهم المسافات الطويلة ليأخذ من إنسان من الناس وفقه الله لحسن هدي وسمت وأدب أن يأخذ منه ذاك الهدي والسمت والأدب. وقوله: «وصار أئمة يهتدى بهم» يعني بهذه الأخلاق وغيرها رفعهم الله في الدنيا، وهكذا كذلك -إن شاء الله- في الآخرة. وهكذا كذلك نحن -إن شاء الله- نحرص على تعلم هذه الآداب العمل بها حتى يجمعنا الله عز وجل بهم -إن شاء الله تعالى-، والمرء مع من أحب يوم القيامة، نسأل الله عز وجل نوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى. والحمد لله رب العالمين.