الدرس في التعليق على شرح الميمية للعلامة العثيمين 3، الدرس الثالث:من( ثم قال رحمه الله:ويا لا ئمي في حبهم وولائهم*تأمل هداك الله من هو ألوم ... الجواب:يحتمل هذا وهذا ولكن الذي يلبس القميص هو المحب ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ الشيخ عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك بشرح أبيات ابن القيم في حب الصحابة، موضحا أن حبهم شرف وطاعة وليس عارا. يبين أن من يحب الصالحين يوفق للعمل الصالح ويحشر معهم يوم القيامة.
يشرح الشيخ معنى القسم بالله الذي شق القلوب وأودع فيها المحبة، موضحا أن المحبة التي يلقيها الله في قلوب الناس تنقسم إلى قسمين. يجب على الإنسان أن يزن محبته بالميزان الشرعي.
يشرح المقطع أن حقيقة المحبة لله تكون باتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن ادعاء المحبة بدون طاعة ومتابعة هو كذب. المحبة الصادقة تؤثر على القلوب وتجعل صاحبها يتحمل المشاق.
يشير إلى أن الترفيه في الطريق إلى الله يساعد على تنشيط الإنسان وتحميله للمشاق. هذا الترفيه ضروري لتحمل الصعاب في الطريق الروحي.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا محمد بن صالح بن ثيمين رحمه الله تعالى في شرحه لمنظومة ابن القيم رحمه الله تعالى الميمية: قال ثم قال رحمه الله: يا لائمي في حبهم وولائهم تأمل هداف الله من هو ألوم قال قوله: من هو ألوم، الألوم الذي يلوم، والمراد هنا في حب أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم وأتباعه وحزبه. يشير رحمه الله تعالى إلى أن الناظم وكاتب هذه الأبيات والقصيدة بإمام القيم رحمه الله يقول: إنه لا يستحق أن يلام على حب الصحابة رضي الله عنهم وأتباعهم ومن سار بسيرهم من الطائفة المنصورة والفرقة الناجية، وأن الأحق الذي ينبغي أن يعلم أو الحق الذي ينبغي أن يعلم هنا أن الذي يستحق اللوم هو هذا المتخلف عن حبهم وعن ولائهم وعن متابعتهم، فضلا عن من يلوم من يحبهم ويواليهم. ومر معنا أن المراد بذلك الإشارة إلى اللوم الحسي والمعنوي، اللوم بلسان المقال أو بلسان الحال. بلسان المقال بما يكون من التخطئة والتلويم والتنقص لمن أحبهم ووالاهم، أو وهذا كالرافضة نحوهم، أو ما يكون بلسان الحال لا لسان المقال، وذلك بما يكون من التخلف عن متابعتهم وحبهم والسير بسيرهم ومنهاجهم. فإن هؤلاء شاءوا أم أبوا هم لائمون لهذه الطريق ولمن أحبها ولمن والاها ولمن سار فيها. ولهذا ربما صرح بعض أولئك وهم من غير الرافضة بمعنى اللوم والتنقص، كقول بعض من ضل في باب مباحث الأسماء والصفات، ربما قالوا: مذهب السلف أسلم ومذهب الخلف أعلم وأحكم، وهو خطأ وباطل، بل مذهب السلف أسلم وأعلم وأحكم. وغير ذلك في المباحث الأخرى كذلك يكون فيها معنى هذا اللوم بلسان الحال لا لسان المقال إن لم يقع بلسان المقال، وذلك من خلال خلافهم وخروجهم عن الحق الذي ينبغي أن يسلك في هذا المقام. قال رحمه الله: بأي دليل أم بأي حجة ترى حبهم عارا علي وتنقم قال: الاستفهام للإنكار، أي: ليس عندك أي دليل، وأتحداك أن تأتي لي بدليل يجعل حب هؤلاء حب هؤلاء عارا ينقم علي به. وكأنه رحمه الله يندد بالرافضة الذين يرون أن حب الصحابة عار وأنه يجب بغضهم وسبهم إلا من استثنوا منهم من آل البيت ونفرا قليلا من غيرهم. ومعنى أنه استفهام إنكاري، أي: أنه استفهام متضمن للإنكار، وهذا النوع من الاستفهام عند البلاغيين وأهل العربية يكون فيه معنى التحدي، وكأنه يقول: أتحداك أن تأتي بدليل أم حجة أم أي حجة يكون فيها إثبات أن حبهم محل عار ونقمة وتنقص. قال رحمه الله: وما العار إلا بغضهم واجتنابهم وحب عداهم ذاك عار ومأثم قال قوله: وما العار إلا بغضهم واجتنابهم، وذلك لأن حب الصحابة وحزب الرسول صلى الله عليه وسلم ليس بعار، بل هو شرف وطاعة وأجر، والمرء مع من أحب. يشير كما أشار المعلق إلى حديث ابن مسعود في الصحيحين وغيره مما جاء في هذا المعنى، كحديث أنس المشار إليه: «فالمرء مع من أحب يوم القيامة». فقصة العرابي والرجل الذي جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام وأخبره أن المرء يحب القوم ولما يلحق بهم -يعني أعمالهم ما تسعفه أن يلحق من يحبهم من الصالحين- يريد النبي عليه الصلاة والسلام: فكيف يمكنه أن يكون معهم يوم القيامة والفضل والجزاء يتفاوت؟ فأخبره النبي عليه الصلاة والسلام أن «المرء مع من أحب يوم القيامة». ويريد الشيخ رحمه الله هنا أن المرء إذا أحب الصحابة وأحب من سار واتبعهم بإحسان فهو يحشر معهم بإذن الله يوم القيامة، وهذا شرف عظيم. والعكس من أبغضهم فإن حرم أن يكون معهم. ولهذا لا يوفق كل من لم يحب الصالحين بأعمال الصالحين. وهذه آية من آيات الله عز وجل، وعاجل بشرى للمؤمنين، وعاجل خزيه للمجرمين والفاسقين. فإن من أحب الصالحين وفقه الله للعمل بأعمال الصالحين، فصدق قوله عليه الصلاة والسلام: «المرء مع من أحب يوم القيامة»، لأن برهان الحب يكون بصدق العمل، فيوفق للعمل الذي يعينه الله به على أن يكون مع الصالحين. والعكس بالعكس، من أبغض الصالحين حرم الأعمال الصالحة التي يكرم بها، فيحرم أن يوفق إلى ذلك في الدنيا، فيكون له عاقبة ذلك أن لا يكون معهم في الآخرة. وقوله: «ولكن بغضه هو العار»، ولذلك قال: «وحب عداهم ذلك ذاك عار مأتم»، يشير إلى ما تقدم ذكره في الأبيات السابقة من أن حقيقة اللوم والنقمة إنما تقع على من لم يحبهم ولم يتابعهم، فضلا عن من ينقم من يحبهم ويتابعهم. وهكذا كذلك حقيقة العار والإثم ليس في من أحبهم وتابعهم، ولكن في من أبغض من أحبهم وتابعهم، فضلا عن من أبغضهم. وكذلك عاد الصحابة أنفسهم رضي الله تعالى عنهم أرضاهم. وهذا يشمل ما إذا كان ذلك بلسان المقال أو كان ذلك بلسان الحال من الخروج عن الطريق المستقيم الذي ينبغي أن يسلكه أهل الإسلام. قال ثم قال رحمه الله: أما والذي شق القلوب وأودع المحبة لا تلوي ولا تتلعتم قال قوله: أما للتنبيه، فهي مثل ألا. وقوله: والذي شق القلوب إلى آخره، هذا قسم بالله عز وجل الذي شق هذه القلوب وأودع فيها المحبة، والتي لا يعطيها إلا هو سبحانه وتعالى. فإنه أحيانا يود الإنسان أن يحب شخصا ولكنه يعجز عن ذلك. وكثيرا ما يلقي الله في قلبي إنسان محبة شخص آخر من غير أي سبب أو عمل. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك». قال: فالمحبة يلقيها الله عز وجل في قلب الإنسان. وما أجمل المحبة إذا كانت محبة لله أو محبة الله ورسوله والمؤمنين، فإن هذه المحبة هي أشرف أنواع المحبة التي يتمنى الإنسان أن توضع في قلبه. يشير الشيخ رحمه الله في هذا الشرح أولا إلى أن هذا القسم الذي أقسم فيه المؤلف رحمه الله تعالى توطئة لذكر معنى المحبة التي أودعت في القلوب، فهو يقسم بالذي شق القلوب وأودع المحبة فيها. وهذا القسم توطئة لما سيأتي من الكلام عن معاني المحبة، وأن الذي وضعها وفطرها على ذلك والله سبحانه وتعالى. فإذن إن كان هناك لوم واعتراض، فهؤلاء المعترضون هم معترضون على الله سبحانه وتعالى. فالله جل وعلا جعل قلوب أهل الإيمان تميل بعضها إلى بعض. وكأنه يقول: أنتم تعترضون على الله قبل أن تعترضوا علي. ثم أشار الشيخ رحمه الله إلى مثل في الواقع أو إلى معنى في الواقع يقرب به معنى ما ذكره المؤلف رحمه الله. فإن الإنسان قد يكون عنده رغبة في أن يحب شخصا ما، إما لحاجة به أو لاحتكاكه به، ولكن لما كانت القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن، وما تآلف منها اعتلف، وما تناكر منها اختلف، كان دخول المحبة في هذا القلب ليس يكون بإرادة الإنسان نفسه. لأن القلب انقبض من حب هذا الشخص، والعكس بالعكس قد يكون هناك نفور من إنسان ما، لكن القلب يكون فيه ميل وحب له. ولكن هل هذا يكون له سبب في الظاهر أم ليس له سبب في الظاهر؟ الظاهر والله أعلم أن الله جعل لذلك أسبابا، يعني في الظاهر مع ما قد يقذف في القلوب. فإذن المحبة في القلوب تنقسم إلى قسمين: قسم في ملك الإنسان، وقسم ليس في ملك الإنسان. فما في ملك الإنسان هو ما يكون تبعا للظاهر، وهنا يقال لهذا الإنسان: أنت محاسب في هذا النوع من المحبة، لأنك ينبغي أن تزن بالميزان الشرعي. ومن الميزان الشرعي أنك تحب من أذن الله عز وجل لك بحبه، ومن باب أولى ما حث الشرع على حبه. وأنك العكس تبغض ما أمرك الله ببغضه. وكذلك يقال فيما يتعلق بالناس وبأعمالهم وبتفاصيل ما يكون منهم. فمثل هذا قد يحاسب عليه الإنسان. ومنه كذلك العدل في المحبة يكون بميزان الشرع، كالزوج الذي عنده زوجات، والأب الذي عنده أولاد ذكور وإناث ونحو ذلك. لا يقول الإنسان: هذا نصيبي فيما أملك، ولا تلومني فيما لا أملك، لا أنت تملك أن تعدل في المحبة، لأن هذا مما أمرت به شرعا، فينبغي أن تحرص بذلك. لكن نوع من المحبة آخر، وهو ما يكون من ميل القلب، فهذا لا يملكه الإنسان، ويُعدر فيه. مما يكون من ميل القلب، وهذا الثاني حتى قد يكون لمعاني، فينبغي إن كان فيه شيء من المعاني أن يزنها بالميزان الشرعي. يعني مثلا لا ينبغي أن يكون الرجل لأجل ميل القلب لأحد أبنائه لإكرامه له يجعله لا يعدل مع الآخرين، بل ينبغي أن يعدل مع الآخرين. وما كان من إكرام يستحق المجازاة بموجب الشرع، فإنه يجازي بموجب الشرع. وهكذا كذلك من نسائه، لا يجوز أن يميل قلبه لأحد نسائه لأجل جمالها أو لأجل خدمتها بما يوجب عدم العدل مع الأخريات، بل يجب عليه العدل. وإن كان هناك شيء يستحق المجازاة، فبموجب الشرع يجازي الإحسان بالإحسان. وأما الحديث الذي أشار إليه الشيخ رحمه الله، فهو حديث ضعيف لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو مشهور في ألسنة الخطباء والوعاظ، وهو كذلك يذكره بعض الفقهاء وأهل العلم، لكنه عند المحققين حديث ضعيف لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال ثم قال رحمه الله: حملها قلب المحب وإنه ليضعف عن حمل القميص ويألم قال قوله: ليضعف عن حمل القميص ويألم، المحبة من أشد ما يصيد، وذلك لأنها جدابة، فهي تجذب الإنسان بسلاسل من حديد إلى المحبوب. ولهذا لا يمكن أن تجد أحدا يحب الله عز وجل إلا وهو يعمل بطاعته. ولما ادعى قوم أنهم يحبون الله، قال تعالى للرسول صلى الله عليه وسلم: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾، يعني أمره أن يقول للناس معنى ذلك، وهي ما تسمى بآية المحنة. قال: أي إذا كنتم صادقين في هذه المحبة، فاتبعوا الرسول عليه الصلاة والسلام. وأما أن يقول الوعاض الخطباء والوعاض: «والله أنا أحب الله وأحب الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم يدمع ويمسح دموعه، وإذا بيه من أفسق الناس»، فهذا كذب، لأن الميزان في ذلك الذي لا يبخس هو اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم. وكلما رأيت الإنسان أتبع للرسول عليه الصلاة والسلام، فاعلم أنه يحب الله، وأن الله يحبه، لأن محبته لله قادته إلى اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، وأثمر هذا الاتباع محبة الله له. وهنا سلاسل ثلاث: محبة الإنسان لله، وهذا ينتج عنها اتباع الرسول عليه الصلاة والسلام، فيثمر هذا الاتباع محبة الله عز وجل لهذا الإنسان. وقوله: «وإنه» هل المراد القلب أو المحب؟ الجواب يحتمل هذا وهذا، ولكن الذي يلبس القميص هو المحب. أورد رحمه الله هذا التوضيح لهذا البيت، فبين رحمه الله تعالى أن في هذا البيت بيان تأثير المحبة على القلوب من تعلقها وميلها. فقال: «المحبة من أشد ما يصيد»، يعني ما يحصل به الميل والجذب القوي، وأنها تشد الإنسان أشد من شد سلاسل الحديد. وصدق رحمه الله، وسيأتي معنا ما يوضح ذلك. فالمحبة إذا لم تضبط فإنها ربما أوصلت صاحبها إلى الجنون، فهي تشد أشد من شد الحديد. شد الحديد ما يوصل إلى الجنون، والمحبة توصل إلى الجنون أكثر من شد الحديد، وهذا واقع وموجود ومحسوس. فكم من إنسان جنى بسبب فرط المحبة، وقليلا ما يسمع أن إنسانا يجن بسبب شد الحديد، فدل ذلك على أن أثر المحبة على القلوب وجذبها وميلها وتأثيرها أشد من تأثير ذلك. ثم أشار رحمه الله إلى أن حقيقة المحبة ليس هو بالإدعاء، ولكن بصدق المتابعة والانقياد. وبين في هذه الآية التي أوردها -وهي التي تسمى بآية المحنة- أناسا ادعوا حب الله، فبين الله عز وجل أن برهان حبه سبحانه باتباع رسوله عليه الصلاة والسلام. وهكذا كذلك من يدعي الإسلام ويدعي حب الله وحب رسوله، برهان ذلك بكمال طاعته، أي: طاعة الله، ومتابعة رسوله. ومن ذلك حب الصحابة والسير بسيرهم وبمن اتبعهم بإحسان، وأن يكون من أهل الفرقة الناجية والطائفة المنصورة، حزب الله الذين امتدحهم الله. فابن القيم رحمه الله يقول: «حملها قلب المحب وإنه ليضعف عن حمل القميص يؤلم»، أي: هذه المحبة التي ترد بدون استئذان، ويكون لها تأثير وجذب أكثر من غيرها. ويريد بذلك أن يبين ما يكون في قلوب الصادقين من صدق الاتباع والميل بما قذف الله عز وجل فيها. وقال الشيخ بعد ذلك: «فهنا سلاسل ثلاث»، إلى آخره، يشير بذلك إلى أن الإنسان يسلسل بثلاث سلاسل. فمحبة الإنسان لله هذا أولها، وينتج عنها اتباع الرسول عليه الصلاة والسلام، فيثمر هذا الاتباع محبة الله عز وجل لهذا الإنسان. وكأنه يشير بهذا بأن حقيقة هذه المحبة تكون بالانقياد والطاعة. وهكذا لعل الثاني: محبة الرسول صلى الله عليه وسلم، ومحبة الصحابة رضي الله تعالى عنهم. وقوله: «وإنه» هل مراد القلب أو المحب؟ يعني في قول المؤلف: «وإنه ليضعف عن حمل القميص ويألمه»، ما هو هذا الذي يضعف عن حمل القميص ويألم؟ هل هو المحب أو هو القلب؟ لأن كلاهما مذكر، والضمير يصلح أن يعود إليه على قاعدة النحاة: أن الضمير يعود إلى أقرب مذكور. وعلى ظاهر كذلك البيت: الحمل الحسي يكون للمحب، ولا يكون للقلب، فالمحب هو الذي قد يضعف عن حمل القميص ويألم. وأما بالنسبة لما يتعلق بالمحبة، فهو أعظم من ذلك، قد يتحمل أنواع العناء الشديد لكثرة ميله وجذبه لمن يحب. يعني كل ذلك في مقابل المحبة. ويريد رحمه الله تعالى أن المحبة إذا صدقت وعظمت، فإنه لا يعترضها شيء في الوصول إلى المحبوب والمقصود. وهذا إشارة منه رحمه الله إلى أول الرحلة إلى بلاد الأشواق، وسيأتي أنه في الأبيات الآتية أنه يشير إلى الوصول أولا إلى أول منزل من منازل الرحلة إلى بلاد الأشواق، وهو الوصول إلى مكة ومواضع الحج والطاعة التي تحط فيها، ويبرهن فيها ما يكون من العبد في حبه لله وسيره إليه سبحانه وتعالى. فإذن البيت يحتمل معنيين: «وإنه ليضعف عن حمل القميص ويألم»، أي: القلب، لأنه قلب رقيق، قطعة صغيرة، ما تستطيع تحمل القميص، وتتألم لمثل ذلك، لكن تتحمل حمل أعباء وأثقال المحبة. وهذا يدل على أن القلب قد هيئه الله عز وجل لذلك إذا عظمت المحبة وصدقت. وقد يعود على المحب: «إنه ليضعف عن حمل القميص ويألم»، يعني إذا كلف به وهو لا يرغب به، أو أنه يجد في ذلك بعض المشقة، ولكنه ربما يتحمل مشاق حسية كثيرة في مقابل وجود المحبة الصادقة التي يكون فيها شدة الميل والجذب. وفي هذا إشارة إلى أن المحب إذا صدق في حبه، فإن المصاعب والمتاعب تهون عليه وتسهل، ما دام عنده محبة كاملة وصادقة. وهذا فيه تسلية لمن صدق في حبه لله وحبه الرسول صلى الله عليه وسلم، أن يصبر على الأحمال والأفعال والمشاق الذي يجدها في سيره إلى ربه سبحانه وتعالى. فإذا كان أهل المحبة الباطلة صبروا على الأذى الحسي الكثير، فكيف لا يصبر من حبه لله وفيما هو أعظم مما عند أولئك أهل المحبة الكاذبة؟ وهذا كما قلنا تسلية وتنشيط للإنسان في سيره إلى ربه سبحانه وتعالى أن يتحمل ما سيلقاه في طريقه إلى ربه. طيب نقف عند هذا الحد، ونترك الباقي إن شاء الله إلى درس لاحق، والله تعالى أعلم.