الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 10، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتحدث الشيخ عن التعبد باسم الله الظاهر والباطن، موضحًا أهمية المحبة الخالصة واعتقاد قرب الله. يُستدل بكلام ابن القيم حول قرب المحبوب.
الإحسان هو أعلى مراتب الدين، ويعني عبادة الله كأنك تراه. معية الله تعني قرب العبد من ربه ومعرفته وتعظيمه له.
يفسر المقطع معاني الأسماء الأربعة، مشيرًا إلى إحاطة الله بكل شيء زمانيًا ومكانيًا. يُبيّن أولية الله وآخريته وظاهريته وبطونه.
الأسماء الأربعة تشمل أركان التوحيد وتدل على أزليته وأبديته وظهوره وبطونه. تعبر عن توحيد الله في صفاته وأفعاله.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: قال: فالتعبد بهذا الإسم هو التعبد بخالص المحبة وصفو البداية، وأن يكون الإله سبحانه أقرب إليه من كل شيء، وأقرب إليه من نفسه، مع كونه ظاهرًا ليس فوقه شيء، وهو اسمه الظاهر سبحانه وتعالى الملازم كذلك لاسمه الباطن. قال: ومن كثف ذهنه وغلظ طبعه عن فهم هذا، فليضرب عنه صفحًا إلى ما هو أولى به، فقد قيل: إذا لم تستطع شيئًا فدعه وجاوزه إلى ما تستطيعه. فمن لم يكن له ذوق من قرب المحبة ومعرفة بقرب المحبوب من محبه غاية القرب، وإن كان بينهما غاية المسافة، ولا سيما إذا كانت المحبة من الطرفين، وهي محبة بريئة من العلل والشوائب والأعراض القادحة فيها. فإن المحب كثيرًا ما يستولي محبوبه على قلبه وذكره، ويفنى عن غيره، ويرق قلبه، وتتجرد نفسه، فيشاهد محبوبه كالحاضر معه القريب إليه، وبينهما من البعد ما بينهما. وفي هذا الحال يكون في قلبه وجوده العلمي، وفي لسانه وجوده اللفظي، فيستولي هذا الشهود عليه ويغيب به، فيظن أن في عينه وجوده الخارجي، لغلبة حكم القلب والروح. كما قيل: خيالك في عيني، وذكرك في فمي، ومثواك في قلبي، فأين تغيب؟ والمعنى: أن من تمكن الحب بقلبه صار هذا الحب له أثر على القلب، يوجب هذا الأثر الشهود بغير شهود. والمعنى أنه يستحضر الغائب كأنه حاضر، من شدة تعلق القلب، ومن شدة تعلق القلب وفرط المحبة على الوجه الممدوح للمذموم. فإن اللسان لا يفتر عن ذكره، كما أن القلب لا ينسى ذكره. ولذلك يصير في العين، وإن كان معرفة القلب ومعرفة اللسان والذهن والفكر كلها أمور علمية، إلا أنها توجب وجودًا في الذهن كأنه وجود حقيقي في الخارج. فالجسد بعيد عن المحبوب، ولكنه بسبب هذا الحب صار قريبًا. وهذا بالنسبة للمخلوق مع الخالق، إن كان هو بين المخلوق والمخلوق يوجد، فكذلك لا مانع أن يكون له وجود مع الخالق، ولله المثل الأعلى. فقول الشاعر: خيالك في عيني، وذكرك في فمي، أي: من فرط الحب لا يفارق الخيال العين، وذكرك في فمي، أي: لا يستطيع الذهن أن ينسى لهذا الحب، فصار الفم يذكر المحبوب كثيرًا، ومثواك في قلبي، أي: لا يزول ذكرك في القلب بسبب هذا الحب، فأين تغيب؟ معناه: وإن بعدت فأنت قريب. فإذا كان هذا في حق مخلوق مع مخلوق وله وجود في الواقع، فكيف بالعبد مع خالقه ومولاه سبحانه وتعالى؟ وهذه هي منزلة الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. العبد إذا بلغ أعلى مراتب الدين، وهي مرتبة الإحسان، فإنه يكون عنده من التعظيم والإجلال والحب، وكذلك القرب من ربه سبحانه وتعالى، ما لا يكون معه ثهول في غياب الرب سبحانه وتعالى. بل لا يزال ولم يزل يستحضر وجود الرب سبحانه وتعالى، ومعيته مع بعده سبحانه وتعالى، فهو العلي والأول، وهو كذلك سبحانه وتعالى القريب والباطن بعلمه وإحاطته. هذا منه سبحانه وتعالى، وبمحبة العبد لربه سبحانه وتعالى، وعظيم معرفته وتعظيمه لخالقه، فيكون قريبًا بالنسبة للعبد كذلك. وهذه المعرفة لا تستوجب مخالطة، فأنت تقول: سرنا والقمر معنا. بينك وبين القمر ماذا؟ مفاوز، القمر في الفضاء البعيد، وأنت في الأرض، ومع ذلك القمر معك، أي: كان السفر ليلًا، ولا يزال القمر معكم حتى وصلتم إلى المكان الذي أردتم الذهاب إليه. فمعية القمر لا تستوجب مخالطة، وليس بين المتكلم والقمر أي معاني الحب، ولا التعظيم، ولا كذلك القرب المعنوي، ومع ذلك هذا اللفظ كان صحيحًا. فكيف بمن كان عنده معاني التعظيم والإجلال والحب؟ فإن القرب يكون أشد من هذا، لأنها كانت في استيجاب معرفة عظيمة للرب العظيم المحيط بكل شيء، القريب من كل شيء، القادر على كل شيء، الذي لا يخفى عليه شيء سبحانه وتعالى. وهذا هو ما تقدم قوله سبحانه: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾، وغيرها من الأدلة: ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم، ولا خمسة إلا هو سادسهم، ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا، ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾. هذه المعية معية كما ذكرها هنا علمية، يستولي عليها معنا الشهود. قال رحمه الله: وهذا ويكون ذلك المحبوب بعينه بينه وبين عدوه من البعد ما بينهما، وإن قربت الأبدان وتلاصقت الديار. والمقصود أن المثال العلمي غير الحقيقة الخارجية، وإن كان مطابقًا لها، لكن المثال العلمي محله القلب، الحقيقة الخارجية محلها الخارج. كما أنه بالعكس قد يكون إنسان معك في نفس المكان، وربما في نفس الحجرة، ولكن لوجود العداوة يصير بينك وبينه من البعد ما يجعل هذا الشهود منافيا للحقيقة العلمية. ففي القلب بغض، وفي الجوارح كره، فلا يكاد هذا المبغض يستطيع الباغض أن يراه بعينه، أو يسمع صوته بأذنه، أو يلتفت إليه بحواسه، مع أنه قريب، لفرط البغض والعداوة. ويريد أن يؤكد ما تقدم من أن الحقيقة العلمية توجب أثرًا حقيقيًا في الشهود، يعني في الواقع والخارج. فإذا كان كذلك في البغض، فهو كذلك في الحب. وإذا كان هذا بين المخلوق والمخلوق، فلله المثل الأعلى، وهو من باب أولى أن يكون معه من معاني القرب التي لا تنافي كماله سبحانه وتعالى وجلاله، مما يكون فيه هذه المعرفة العلمية الموجبة للشهود. قال رحمه الله: فمعرفة هذه الأسماء الأربعة، وهي الأول والآخر والظاهر والباطن، وهي أركان العلم والمعرفة. فحقيقة بالعبد أن يبلغ في معرفتها إلى حيث ينتهي به قواه وفهمه وعلم. أن لك أنت أولًا وآخرًا وباطنًا وظاهرًا، بل كل شيء فله أول وآخر وظاهر وباطن، حتى الخطرة واللحظة والنفس. حتى الخطرة واللحظة والنفس، الخطرة من الخواطر، واللحظة من الزمان اللحظات، والنفس هي النفس أو النفس، أي الأنفاس، يجوز هذا وهذا، والظاهر أنه النفس. يعني كل شيء له أول وآخر وظاهر وباطن. فالخطرات لها أول وآخر وظاهر وباطن، واللحظات أي الزمان كذلك لها أول وآخر وظاهر وباطن، والأنفاس كذلك لها أول وآخر وظاهر وباطن. قالوا: أدنى من ذلك وأكبر. فأولية الله عز وجل سابقة على أولية كل ما سواه، وآخريته ثابتة بعد آخرية كل ما سواه. فأولية سبقه لكل شيء، وهو الأول الذي ليس قبله شيء، بأسمائه وصفاته وجميع معاني جلاله سبحانه وتعالى. قال: وآخريته بقاؤه بعد كل شيء، وظاهريته سبحانه فوقيته وعلوه على كل شيء. ومعنى الظهور يقتضي العلو، وظاهر الشيء وما على منه وأحاط بباطنه، فهو علي سبحانه وتعالى وقريب، وهو ظاهر مع كونه باطنًا، فلا ينافي علوه سبحانه وتعالى قربه، ولا ينافي قربه علوه سبحانه وتعالى، وهو على كل شيء قدير. وهكذا اسمه الأول والآخر والظاهر. قال: وبطونه سبحانه إحاطته بكل شيء، وبحيث يكون أقرب إليه من نفسه. وهذا كما تقدم: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾. كذلك لا منافاة بين هذا القرب وبين علوه سبحانه وتعالى. قال: وهذا قرب غير قرب، والمحب قرب غير قرب المحب من حبيبه، هذا لون وهذا لون. فمدار هذه الأسماء الأربعة على الإحاطة، وهي إحاطتان زمانية ومكانية. فأحاطت أوليته وآخريته بالقبل والبعد، وهذه المعية الزمانية. وكل سابق فكل سابق انتهى إلى أوليته، وكل آخر انتهى إلى آخريته. فأحاطت أوليته وآخريته بالأوائل والأواخر، وأحاطت ظاهريته وباطنيته بكل ظاهر وباطن. فمن ظاهر فما من ظاهر إلا الله فوقه، فالله فوق كل شيء، وظاهر على كل شيء، الظهور والعلو بذاته سبحانه وتعالى علو الذات، وكذلك الظهور والعلو بالقدر والقهر، أي: ظهور وعلو القدر والقهر. قال: وما من باطن إلا والله دونه، وما من أول إلا والله قبله، وما من آخر إلا والله بعده. فالأول قدمه، والآخر دوامه وبقاءه، والظاهر علوه وعظمته، والباطن قربه ودنوه. فسبق كل شيء بأوليته، وبقي بعد كل شيء بآخريته، وعلى كل شيء بظهوره، ودنى من كل شيء ببطونه. فلا تواري منه سماء سماء، ولا أرض أرض، ولا يحجب عنه ظاهر باطن، بل الباطن له ظاهر، والغيب عنده شهادة، والبعيد منه قريب، والسر عنده علانية. فهو المحيط بكل شيء، ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾. ليس عند الله عز وجل شيء بعيد، وليس عند الله سبحانه وتعالى شيء سر، فكل شيء عنده معلوم محاط تحت قهره وقدرته سبحانه وتعالى. قال: فهذه الأسماء الأربعة تشتمل على أركان التوحيد، فهو الأول في آخريته، والآخر في أوليته، والظاهر في بطونه، والباطن في ظهوره، لم يزل أولًا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا. طيب، هنا إن شاء الله.