الحج وقفات وتنبيهات

الدرس في الحج وقفات وتنبيهات، محاضرة الحج وقفات وتنبيهات الثلاثاء 17 1و القعدة 1428هـ ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في شروط فريضة الحج

يتناول شرحًا لفريضة الحج وأهم شروطها، مبينًا أن الحج فرض على كل مسلم بالغ عاقل قادر. كما يشير إلى أن الإسلام شرط لصحة الحج.

شروط وجوب الحج وفضائله ومخالفة الأوامر

يتناول شروط وجوب الحج مثل الاستطاعة ووجود محرم للنساء، ويبين فضائل الحج ويحذر من مخالفة أوامر الله ورسوله.

فضل الحج والعمرة وأحكام الإحرام والنسك

يُشدد على أهمية متابعة الحج والعمرة لفضائلهما، ويوضح شروط الحج المبرور وأحكامه، ويشرح أحكام الإحرام وأنواع النسك.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، عباد الله، إننا نحمد الله جل وعلا الذي أنعم علينا بنعمه الكثيرة المتوالية، أنعم علينا بنعم دينية شرعية وأخرى كونية قدرية، فله الحمد على ما أنعم علينا من نعم كثيرة لا تعد ولا تحصى. وإن من هذا الذي أنعم علينا ما فرضه وشرعه من هذه العبادات والطاعات والقربات التي هي مواسم عظيمة من مواسم الاستباق والاجتهاد والمنافسة في الخيرات. وهذا من عظيم فضل الله عز وجل علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. والحمد لله الذي منّ على أهل الإيمان والإسلام بعدد من الطاعات والقربات والأعمال الصالحات المتواليات، ما يذهب عمل إلا ويعقبه عمل، ولا يأتي عمل إلا وقد أقبل عمل آخر. وهذا من فضل الله سبحانه، وينبغي للمسلم والمسلمة أن يستغل كل واحد منا هذه النعم، وأن يصل إليها، وأن يجتهد في الاستكثار منها. وما هي إلا أيام معدودات ثم نلقى الله جل وعلا بما كان من سابق أعمالنا. فهنيئًا للمشمرين المجتهدين الذين بذلوا الأموال والأوقات والأعمار، وجاهدوا أنفسهم فيما يقرب إلى الله سبحانه وتعالى. والله سبحانه يقول: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾. سمعتم نحن في موعد في هذه الليلة نتذاكر فيها شيئًا مما نحتاجه من مسائل وأحكام الحج. وقد اختار إخواننا أن يكون عنوان المحاضرة "وقفات وتنبيهات بالحج". وسمعتم في كلمة أخينا حديث حبيب الله تعالى شيئًا من فضائل الحج. وهذا المقام في الحقيقة مقام عظيم، ومباحثه كثيرة واسعة. وقد بسط العلماء في ذلك مؤلفات ومصنفات. وماذا عسى أن يدرك المرء من تلك المباحث الكثيرة؟ وتلك الأمور المهمة في مثل هذا المقام؟ ولكن حسبنا أن نتذاكر ما يكون عونًا لنا في هذه العبادة العظيمة، وهذه القربة والطاعة. وأول هذه الوقفات وقفة في فريضة الحج، هذه الفريضة التي فرضها ربنا جل وعلا على كل مسلم ومسلمة، بالغ وبالغة، عاقل وعاقلة، قادر وقادرة، مستطيع ومستطيعة. قال ربنا جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. قال أهل العلم في قوله سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، الأمر بإيجاب هذه الفريضة بأقوى صيغ الإيجاب. فهو أقوى من "آمركم" و"فرضت عليكم" ونحوها، لما فيه من أسلوب الحصر العظيم، بذكر الجلالة جل جلاله سبحانه، الموجب والمنبه والملفت إلى تعظيم هذه العبادة وهذه الفريضة. والمؤكد بذكر حكم الكفر لتارك ذلك، وصاحبه بين أحد رجلين: كافر كفر أكبر خارج به من دين الإسلام والعياذ بالله، أو كافر كفر أصغر هو أعظم من الكبائر والذنوب، لأنه وصف بالكفر. ولو لم يكن أكبر، ولهذا قال بعدها: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ أي بتركه هذه الفريضة، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. وصح في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان". وجاء في رواية: "وصوم رمضان وحج البيت". وهكذا أيضًا لما أرسل الله جبريل عليه الصلاة والسلام أن يعلم الناس أمور دينهم، فعلمهم أركان الإسلام، فكان مما علمهم أن من أركان الإسلام حج بيت الله الحرام، كما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة، وفي صحيح مسلم من حديث عمر رضي الله تعالى عنهما في حديث جبريل المشهور العظيم. وهكذا الأحاديث في هذا الباب كثيرة، التي تدل على فرضية الحج إلى بيت الله الحرام. وقد ذكر العلماء للحج شروطًا، فأول شروط الحج الإسلام، لا يصح الحج ممن لا إسلام عنده ولا له، كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، وكما قال سبحانه: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾. فإن شرط الإسلام هو الأساس الذي لا يصح أمر هذه الفريضة إلا به. فلذلك ينبغي أن يلفت الانتباه إلى هذا المعنى العظيم. فكم من الناس خرجوا من الإسلام بردة أو بشرك أو بكفر أو بنفاق والعياذ بالله، ثم هم يظنون أنفسهم أنهم قد أدوا هذه الفريضة بتأديتهم لها، وقد قبلت منهم، والحقيقة أنهم ليسوا كذلك. وقد أخبر ربنا جل وعلا أن قومًا كفروا بعد إيمانهم، استهزاءهم بالله وبرسوله، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾. وما أكثر من ينتسب إلى الإسلام اليوم، وهو يسخر من آيات الله، ومن أحكام الله، ومن شرع الله. وربما بعضهم يسبون الرب والدين، وربما بعضهم أيضًا يعبد مع الله غيره، يذهب إلى القبور فيدعوها من دون الله سبحانه، يذبح لها وينذر لها ويسألها من دون الله. اعلم أخي المسلم أن أمثال هؤلاء لا حج لهم، من قامت عليه الحجة، فإنه لا حج له. ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون. وكم من الناس يدينون بأشياء تنافي الإسلام وتناقضه، من اشتراكية ملحدة أو علمانية كافرة، أو كذلك مذاهب وأفكار كلها تناقض هذا الدين العظيم. فليعلم المسلم أن الله جل وعلا لا يقبل إلا من المسلمين. وهكذا أيضًا من شروط هذا الحج أنه لا يجب إلا على البالغ العاقل. فمن ليس ببالغ لا يجب عليه، ولو فعله فإنه يقبل منه. ومن ليس بعاقل لا يجب عليه، لقول النبي عليه الصلاة والسلام فيما جاء في السنن، بإسناد صحيح، عن عبد الله بن عباس، وجاء معناه عن علي وعن غيرهما رضي الله تعالى عنهم، أنه قال عليه الصلاة والسلام: "رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ"، وذكر من هؤلاء الثلاثة: "الصبي حتى يحتلم، والمجنون حتى يفيق"، أو قال: "المعتوف حتى يفيق". وقال: "والنائم حتى يستيقظ". فهؤلاء رفع عنهم القلم، ومن ذلك أنه لا فريضة عليهم في الحج. فإن أدى الحج الولي عن الصغير بأن أخذه معه، فإنه لا يجزئه عن حج الإسلام، وإن كان يؤجر عليه، ويؤجر من حج به. فثبت بالصحيح أن امرأة رفعت صبيًا، فقالت: يا رسول الله، ألي هذا حج؟ قال: "نعم، ولك أجر". وفي رواية: "ولك أجره". وفيه أن من حج بالصغير يشركه في الأجر، ولكن لا يعني ذلك أنه يسقط عنه الواجب. وصح في الصحيح أيضًا أن بعض الصحابة حج به وهو ابن سبع سنين مع النبي صلى الله عليه وسلم، وأقر النبي عليه الصلاة والسلام ذلك. ومن شروط الحج أيضًا أن الحج يجب على المستطيع، كما سمعنا في قوله: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، وقول النبي عليه الصلاة والسلام: "صوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلًا". فحج البيت مشروط بالاستطاعة، فغير المستطيع لا يجب عليه الحج. فإذا علمنا ذلك، نعرف أولًا رحمة الله ورفقه وتفضله على عباده سبحانه. ونعلم كذلك أنه لا يلزم الناس أن يكلفوا أنفسهم ويحملوها بالأثقال والأحمال من الديون وغيرها، وهم لا يستطيعون الحج. فمن كان لا يستطيع الحج، فهو في رخصة وفي سعة وفسحة، فلا حاجة أن يضيق على نفسه، لا بدين ولا بغيره. وهنا يأتي سؤال: هل إذا استدان الرجل فحج، قبل حجه أم لم يقبل؟ الجواب: يقبل حجه، ولكنه لم يصب في استدانته، إلا إن كان ذلك عن طيب نفسه ممن أعطاه وسعه، فإنه عند ذلك إن شاء الله سلك أمرًا حسنًا. وربما يستأنس له بقول النبي عليه الصلاة والسلام: "تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ، كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ". كما جاء في بعض السنن عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، ومعناه عن ابن عباس بإسناد حسن أو صحيح. وهكذا أيضًا من الاستطاعة القدرة والأمن، فمن كان عنده مال وليس عنده قدرة لمرض، فإنه قد لا يجب عليه الآن، هذا المانع من مرض أو نحوه. فإن كان هذا المرض دائم، إن كان هذا المرض من الأمراض المزمنة الدائمة، فإنه ينيب من يحج عنه. كما جاء في الصحيحين من حديث ابن عباس أن امرأة خثعمية سألت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن لها أبًا كبيرًا لا يثبت على الراحلة، أفتحج عنه؟ فأمرها أن تحج عنه. وهكذا أيضًا ثبت عن أبي رزين العقيلي رضي الله تعالى عنه أنه سأل نحو سؤالها، فأمره أن يحج عن من لا يستطيع الحج. بل كذلك لو أنه قدر عليه أنه مات لظنه أنه يشفى، فلم يشفيه الله عز وجل، فلم يستطع الحج حتى توفاه الله، فإنه يستحب أن يحج عنه، لما ثبت من حديث عبد الله بن عباس في قصة سنان بن عبد الله الجهني، وفيه هذا المعنى. وهكذا كذلك لو أن الإنسان لم تكن عنده نفقة، فتيسرت نفقة، ولم يستطع حتى توفاه الله، لم يدرك الحج، فكذلك يستحب أن يحج عنه، لمعنى هذه الأدلة التي سمعناها. وهكذا أيضًا ينبغي أن نعلم أنه لا يجوز للمسلم أن يتخلف عن الحج والعمرة وهو مستطيع. وقد صح عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فيما رواه سعيد بن منصور بإسناد صحيح، كما قال الحافظ ابن حجر: "أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أرسل إلى الأمصار أن من ملك الزاد والراحلة، وكانت عنده الاستطاعة، فلم يحج، فما هم بمسلمين". وفي رواية البيهقي قال: "فليمت يهوديًا أو نصرانيًا". وفي رواية سعيد بن منصور قال: "لتكن عليهم الجزية". وسواء صح عن عمر أو لم يصح، فإن معناه موجود في قول الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. فإن من الكفر أن يترك المسلم فريضة الحج وهو مستطيع، إما من الكفر الأكبر بجحود هذه الفريضة، وإما من الكفر الأصغر من عدم شكر الله جل وعلا على نعمته. فإن من شكر الله عز وجل على نعمته أن تؤدى هذه الفريضة، فهذا بعض شكر الله فيما أنعم عليك من نعمة المال والصحة والعافية. وهكذا أيضًا شرط خاص بالنساء، وهو أن المرأة لا يجب عليها الحج، ولا يجوز لها إلا مع ذي محرم منها. لماذا؟ ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس، وهذا لفظ البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لَا يَبِيتَنَّ رَجُلٌ عِنْدَ امْرَأَةٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ مِنْهَا، وَلَا تُسَافِرَنَّ امْرَأَةٌ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ مِنْهَا". فقال رجل: يا رسول الله، إنني اكتتبت في غزوة كذا وكذا، وإن امرأتي حاجة هذا العام؟ فقال: "حُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ". أمره أن يحج مع امرأته عليه الصلاة والسلام. فلا يجوز للمرأة أن تسافر مع غير محرم، بل لا يجوز لها أن تحج إلا مع ذي محرم. فإن لم يكن محرم، فلا يجب عليها الحج حتى تجد المحرم. فإن قالت: لم أجد محرمًا، ولم أجد النفقة لمحرم؟ فيقال: لم يجب عليك الحج، فأنت في رخصة وسعة وعافية، فلا تضيق على نفسك ما لم يضيق الله عز وجل عليك. وربما استدل بعض الناس بما اشتهر عند الشافعية من أنه يجوز للمرأة بل يجب أن تسافر للحج إذا وجدت رفقة آمنة، بين مجموعة من النساء. وهذا ليس بصحيح. وربما استدلوا له بما جاء في صحيح البخاري في حج بعض نساء النبي عليه الصلاة والسلام في خلافة عمر مع عثمان، إذ أمر عثمان على الحج، فخرج بعض نساء النبي عليه الصلاة والسلام. والجواب على هذا: أن عدم ذكر المحرم ليس نفيًا لوجود المحرم. كونه لم يذكر بذلك الحديث المحرم، ليس معناه عدم وجود المحرم. ويؤيده أنه صح أن ابن الزبير حج مع خالته عائشة رضي الله تعالى عنها في تلك الحجة. فلا يمنع أن يكون باقي النساء رضي الله عنهن كان معهن من هو محرم. ثم لو قدر أن ذلك صح، فهذا فعل صحابي، ونحن عندنا حديث النبي عليه الصلاة والسلام محكم واضح، والواجب تقديم قول النبي عليه الصلاة والسلام وامتثال أمره. فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فكيف إذا انضاف إلى ذلك أنه ليس بصريح؟ ثم في سفر المرأة من دون محرم مفاسد كثيرة، من عرف الحج وخرج الحج أدرك مفاسد خروج المرأة من دون محرم. فكم من امرأة خرجت للحج من غير محرم، ابتليت بمرض أو ضياع أو غير ذلك، فصارت مأساة لها ولمن معها من رفقتها. مأساة أن تمرض المرأة ويصيبها شيء وهي من غير محرم. فالسفر قطعة من العذاب، وخير الهدي هدي محمد عليه الصلاة والسلام. فينبغي أن ينتبه النساء وأولياء النساء أنه لا يجوز للمرأة أن تسافر للحج إلا مع ذي محرم منها، حتى ولو كانت مع رفقة النساء، حتى ولو كانت كبيرة في السن، وحتى لو كانت مع بعض قرابتها وهو ليس بمحرم، فلا يجوز إلا مع ذي محرم منها، امتثالًا لحديث النبي عليه الصلاة والسلام. ونخشى أن يبتل الله عز وجل من خالف أمره، ببلاء لا يدرك به أجر هذا الحج. وقد قال ربنا جل وعلا: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. ووقفة أخرى نقفها في ذكر شيء من فضائل الحج. وقد سمعنا في كلمة أخينا حفظه الله شيئًا من هذه الفضائل. ومن باب المذاكرة، وهكذا أيضًا استفادة الحاضرين بما يشحذ الهمم لأداء هذه الفريضة، ولو على وجه التطوع لمن قد حج. فإن من فائدة مذاكرة العلم ليس فقط استفادة أصحاب الشأن، بل كذلك استفادة غيرهم. فليس هذا المجلس خاصًا بمن يحج بهذا العام، بل للجميع، لأنه ربما يكون سببًا في تهييج الآخرين لحج بيت الله الحرام، ولو في العام القادم. فمن هذه الفضائل ما سمعنا في حديث عبد الله بن مسعود وحديث عبد الله بن عباس: "تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ". وفي حديث ابن عباس: "يَنْفِيَانِ الذُّنُوبَ وَالْخَطَايَا". فهو سبب لنفي الفقر، لا تظن يا من آتاك الله مالًا كثيرًا أو قليلًا أن متابعة الحج والعمرة ينقص عليك المال أبدًا، بل بإذن الله تعالى سبب لزيادته وبركته. ثق وصدق الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام الذي لا ينطق عن الهوى، وكلامه وحي يوحى، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾. وهكذا أيضًا ينفي الذنوب والخطايا، متابعة الحج والعمرة ينفي الذنوب والخطايا، بغير وجه أوجه كثيرة، يكفر الله عز وجل به الذنوب والخطايا. ومن ذلك الحديث الذي أشار إليه حبيب الله حديث أبي هريرة: "مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ". من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه. وهذا يحبب على الحج وتكراره. فكلنا يحب أن يرجع في سنته كيوم ولدته أمه. ولو كان الحج فرض مرة واحدة، كما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام بحديث أبي هريرة: "لَوْ قُلْنَا نَعَمْ لَوَجَبَتْ". فهو مرة في العام، أو مرة في العمر لكل إنسان. لكن مع ذلك ينبغي أن لا يزهد الإنسان إن استطاع عن متابعة الحج والعمرة، كما سمعنا في هذه الأحاديث. بل جاء في رواية لمسلم: "مَنْ أَتَى الْبَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ". استدل بعض أهل العلم بهذه اللفظة على أن هذا الحكم شامل لكل إتيان إلى البيت، لكل إتيان إلى البيت، سواء حج أو اعتمر، سواء حج أو اعتمر. فانظر إلى هذا الفضل العظيم. وهكذا صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كذلك في الصحيح من حديث أبي هريرة أنه قال: "الْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ". الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة. انظر إلى الفضل العظيم، وهذا الجزاء الذي هو الجنة ليس بالأمر السهل، خصوصًا أن يأتيك بعد وعد بعمل، ولكنه قيد بهذا القيد، وهذا الشرط: الحج المبرور. ليس كل حج، فما أكثر من يحج إلى بيت الله الحرام، لكن هل كلهم يصح فيهم أن حجهم من الحج المبرور؟ الجواب: لا. وما هو الحج المبرور؟ الحج المبرور ما كان خالصًا صوابًا، ولم تصحبه معصية، ولم تتبعه معصية. هكذا عرفه بعض أهل العلم: ما كان خالصًا لله، ليس به رياء ولا سمعة، وصوابًا موافقًا لسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. وهذا يوجب عليه تحقيق الإخلاص بهذا العمل، وتعلم أحكام الحج حتى تؤديه على الوجه الصحيح. "خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ". هكذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام، كما جاء في صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله. وهكذا أيضًا لم يكن معه ذنب أو معصية، تحرص على أن تجنب حجك الذنوب والمعاصي، كما قال الله عز وجل: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾. إذا تريد الحج المبرور، اجتنب الرفث، اجتنب الفسوق، اجتنب الجدال. وهكذا أيضًا بالحديث الذي سمعته: "مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ". والرفث لكل ما يستقبح من قول وفعل، ومنه الجماع. والفسوق كل معصية قولية أو فعلية. ووقفة أخرى كذلك في ذكر شيء من أحكام الحج. وأول هذه الأحكام أن نعلم أن الحاج ينبغي عليه أن يعلم أنه يجب عليه أن يتفقه، وأن يتعلم أحكام الحج، كما يجب عليه أن يذهب إلى الحج، وهو المقصود. فليس الشأن كل الشأن يا أخي الحاج أن تذهب إلى الحج، ولكن الشأن كل الشأن أن تؤدي هذا الحج على الوجه الذي فرضه الله عليك. وما أكثر الناس وللأسف الذين يبدلون الأموال الطائلة ويتعبون ويجتهدون، فإذا جاء وقت الحج ذهب من غير علم قليل ولا كثير. فإذا قيل له: كيف ستؤدي الحج؟ قال: مع الناس. فإذا وصل إلى هناك لم يدري كيف يؤدي هذا الحج. وعند ذلك تأتي أسئلة الكثير من أمثال هؤلاء، التي فيها خدش بحجهم، وربما بطلان له. يأتي هذا فيقول: حججت ولم أدي عمرة. وآخر يقول: حججت فجامعت أهلي وأنا محرم. وآخر يأتي فيقول: حججت ولم أقف بعرفة، ما دريت أين عرفة؟ أو ما وقفت بعرفة؟ وهكذا أسئلة عجيبة تصدر، تدل على أن أهلها فرطوا تفريطًا عظيمًا في تعلم أحكام الحج. ومما ينبغي أن يعلم أن للحج مواقع زمانية ومكانية. أما المواقع الزمانية فهي أشهره: شوال وذي القعدة وذي الحجة. وأما المواقع المكانية فهي المواضع التي حدها رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يتعداها ممن يريد الحج والعمرة إلا ويحرم منها. وهي كما جاء في حديث ابن عمر وابن عباس في الصحيحين: لأهل اليمن يلملم، واليوم هناك مسجد يسمى مسجد الميقات، يوازي أو قريب من موازاة يلملم، يحرم منه أهل اليمن. ووقت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل نجد قرن المنازل، واليوم جعل موضع قريب منه يسمى بالسيل الكبير، في مسجد الميقات، يحرم منه أهل نجد. ووقت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة ذو الحليفة، وهو موضع معروف اليوم، وفيه مسجد الميقات، ويحرم منه أهل المدينة. ووقت النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الشام ومن أتى من جهتهم الجحفة، وهي اليوم أي ميقات هؤلاء في موضع قريب منه يسمى برابغ. فهذه أربعة مواقيت وقتها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل الجهات للقادمين للحج والعمرة. فمن أتى إلى الحج والعمرة فمر بأحد هذه المواقيت، سواء كان من أهلها أو لم يكن من أهلها، وهو يريد الحج والعمرة، فعليه أن يحرم منها. ومن لم يمر بها ومر بما يحاذيها، فليحرم مما حاذاها. وقد صح أن عمر رضي الله تعالى عنه أرضاه وقت لأهل العراق ذات عرق، لأنه يحاذي قرن المنازل. فلما كان طريق أهل العراق لا يأتي على قرن المنازل، ولكنه يأتي على ذات عرق، وذات عرق توازي قرن المنازل، وقت لهم عمر رضي الله عنه ذات عرق. والصحيح أن توقيته من عمر، ولم يصح أن توقيته من النبي عليه الصلاة والسلام. وقد قال عليه الصلاة والسلام في المواقيت التي سمعناها: "هِنَّ لِمَنْ أَتَاهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ". فنستفيد من هذا أولًا أن من أتاها ولو كان من غير أهلها أحرم منها إذا كان يريد الحج والعمرة. وهذا ثانيًا: فلو أن يمنيًا مر من طريق الطائف فمر بقرن المنازل، فإنه يحرم من قرن المنازل، ولو أن نجدًا مر من طريق ذي الحليفة فإنه يحرم من ذي الحليفة، ولو كان ميقاته قرن المنازل. وهكذا. وقوله: ﴿مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾، فيه أن من لم يرد الحج والعمرة في مروره الآن، فلا يلزمه الإحرام. وهنا يأتي سؤال يتكرر يبتل به الكثير من الناس، وهو أن بعض الحجاج ترتب لهم بعض الحملات أنهم لا يذهبون إلى مكة أولًا، بل يذهبون إلى المدينة. يذهبون إلى المدينة، فربما مروا بميقات أهل اليمن متوجهين إلى المدينة، فهل يجب عليهم أن يحرموا من ميقات أهل اليمن؟ الجواب: القول الصحيح أنهم لا يحرمون. وهذا قول شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله، وشيخ شيخنا عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله، لأنهم لم يريدوا الحج والعمرة الآن، هم يريدون المدينة. فإذن ليس عليهم أن يحرموا. وهو كما أنه موافق لنص الحديث، فهو أرفق بالناس، فإنهم سيقعدون في المدينة أيامًا، خصوصًا على مثل هذه الأيام، في جدة البرد يكون عليهم من المشقة بمكان أن يبقوا على الإحرام هذه الأيام كلها. لكن يذهبوا إلى المدينة، فإذا خرجوا من المدينة وأرادوا مكة، فهم الآن متوجهون إلى مكة، يريدون الحج والعمرة، إذن يحرمون من ميقات أهل المدينة، من ذي الحليفة. وهكذا أيضًا من هذه الأحكام أن نعرف أن الحاج يحرم من هذه المواضع إذا كان أتى من خارجها. فإن كان باقيًا دون هذه المواضع، قال عليه الصلاة والسلام: "فَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمُحِلُّهُ مِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ". حتى أهل مكة من مكة. فمن كان دون هذه المواقيت، كرجل أتى من رجب إلى جدة، فدخلت عليه أشهر الحج وعزم الحج، فمن أين يحرم؟ الجواب: يحرم من حيث أنشأ، وإن كان في جدة فمن جدة، أو كان في مكة فمن مكة. ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ، حتى أهل مكة من مكة. ومن هذه المسائل أيضًا أنه ينبغي أن يعلم الحاج أن أنساك الحج ثلاثة، أي صور وكيفيات أداء الحج على ثلاث كيفيات وصور. أولها الإفراد، وهو أن يفرد الحاج بحجة مفردة بها، ليس معها عمرة. وثانيها القران، والقارن هو الذي يقرن حجه بعمرته. والثالث المتمتع، وهو الذي يأتي بعمرة منفصلة عن الحج، بأن يتحلل منها. وبه نعرف أن الأول يبقى على إحرامه من حين يحرم إلى انتهاء الحج، وأن الثاني يؤدي العمرة ويبقى على إحرامه إلى حين ينتهي من الحج. إلا أن الثاني يشترط عليه أن يسوق الهدي، والأول ليس عليه هدي. والثالث يأتي بالعمرة ويتحلل منها، وهديه يكون من مكة. هؤلاء ثلاثة، وهذه ثلاث كيفيات وصور لأداء الحج. فأما الصورة الأولى فتجوز لمن قد سبق أن أدى عمرة، لأن العمرة واجبة كما أن الحج واجب. فقد صح في حديث جبريل عند الدارقطني والبيهقي وغيرهما، بإسناد صحيح عن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مما ذكر في وصف أركان الإسلام الحج والعمرة: "أَنْتَ حَجٌّ وَعُمْرَةٌ، وَأَنْتَ حَجٌّ وَعُمْرَةٌ". فذكر الحج والعمرة دليل على وجوب الحج ووجوب العمرة. ومر في العمر، وصح معناه كذلك من حديث أبي رزين العقيلي: "حُجَّ عَنْ أَبِيكَ وَاعْتَمِرْ". ويدل عليه عمومات: "وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ". فمن لم يؤدي عمرة، فلا يصح أن يأتي بحج مفرد، لأنه يجب عليه أن يأتي بعمرة، ولو أتى مفردًا بالحج، لزمه أن يأتي بعمرة بعد الحج. لأن أداء العمرة في العمر ولو مرة واجب على كل مسلم ومسلمة، توفرت فيه الشروط المتقدمة. وبه نعلم أن القارن يشترط أن يسوق معه الهدي، أو أن من ساق الهدي فعليه أن يكون قارنًا قولًا. والصحيح الثاني: أن من ساق الهدي فإنه يجب عليه أن يكون قارنًا، وأن المتمتع يجب عليه الهدي، ولا يشترط سوقه. والصحيح: إذا ساقه فيكون قارنًا، إذا ساقه فيكون قارنًا، بقول النبي عليه الصلاة والسلام: "لَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمَا سُقْتُ الْهَدْيَ وَلَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً". فدل على أن من ساق الهدي لا يمكنه ولا يصلح له إلا أن يكون قارنًا، لا يصلح إلا أن يكون قارنًا. فإذا علمنا ذلك، فمن أراد الإحرام بالحج، ويستحب قبل الإحرام إذا أتى أحد المواقيت أن يتهيأ لهذه الفريضة بالتنظيف والتطهر والاغتسال. فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح أسماء بنت عميس أن تغتسل، وقد كانت نفست بذي الحليفة. والنفساء لا تستفيد من الغسل شيئًا، فاستدل به العلماء أن الغسل هنا ليس لأجل الطهارة، ولكنه لأجل الإحرام. فلذلك قالوا: من مستحبات الإحرام الاغتسال، أن يغتسل المحرم. وهو كما أنه دل عليه الدليل، فهو أنشط للحاج أن يدخل عمرته أو حجه بنشاط. وهكذا أيضًا إذا أدى هذا الاغتسال ووافق صلاة صلى، فإن لم يوافق صلاة فليس للإحرام صلاة خاصة، كما يظنه بعض الناس. بعض الناس يظن أن للإحرام ركعتين، وهذا ليس بصحيح. فإن صلى تحية المسجد أو سنة الوضوء أو صلاة فريضة وافقت ذلك الوقت، فذلك. فإن لم يوافق شيء اغتسل وركب دابته، ويستحب أنه قبل أن يهل بالإحرام يتوجه بدابته - واليوم السيارات - إلى جهة القبلة. ومن كان في الجو أو البحر، فمن حين أن يوازي الميقات يدخل بالإحرام وهو مستقبل القبلة. اجتهد إذا كانت الطائرة إلى جهة جدة، فستكون أنت بجهة القبلة، تميل قليلًا إلى اليمين. إن كنت من جهة مثلًا المناطق الغربية من اليمن، وإن كنت في المناطق الشرقية فسيكون اتجاهك كذلك، لكن بأقل منه