حال السلف في رمضان

الدرس في حال السلف في رمضان، وكانت بمسجد الجامع بالقارة الأحد 27 شعبان 1431هـ . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

معنى السلف وأهمية الاقتداء بهم

يشرح معنى السلف الصالح وأهمية معرفة أحوالهم للمسلمين. يبين أهمية الاقتداء بهم والاهتداء بمنهجهم الذي زكاه الله ورسوله.

جود السلف وكرمهم في رمضان

يذكر جود السلف وكرمهم في رمضان وتأثرهم بنبينا عليه الصلاة والسلام. يبين صور الجود في رمضان مثل إطعام الطعام والصدقة.

فضل الصلح وحفظ الجوارح في رمضان

يُنصح بتحسين العلاقات مع الناس والصلح بين المتخاصمين في رمضان. يُوصى بحفظ الجوارح خاصة اللسان عن الكلام الباطل.

أهمية استغلال رمضان وفضل الطاعات فيه

يُشدد على أهمية استغلال رمضان في الطاعات وزيادة الإيمان. يُذكر فضل الصيام والقيام وتلاوة القرآن في هذا الشهر.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وإن شر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، كما سمعتم عنوان هذه المحاضرة: «حال السلف في رمضان»، وسبب هذه المحاضرة كما سمعتم من أخينا عبد الله حول ما نحن بصدده من قدوم شهر رمضان الكريم، هذا الشهر الذي لطالما اشتاقت إليه نفوس الصالحين والعارفين. شهر ميزه الله بالخصائص والمناقب والفضائل. وكيف لا، وربك يخلق ما يشاء ويختار؟ فمثل هذا الشهر، إخواني في الله، يستقبل بأعظم ما يستقبل به: بالمثابرة العلمية والتفقه والتبصر في دين الله جل وعلا. فبالتزود بالعلم الشرعي، يا عبد الله، تستطيع أن تغتنم أيام وليالي هذا الشهر العظيم. وأعظم ما يتزود به العبد من المسائل الشرعية أن يتعرف على حال السلف في أيام رمضان: كيف كانوا في أعمالهم وفي عباراتهم وفي شؤونهم؟ وهنا مسألة: ما معنى «السلف»؟ كم من الناس من لربما تمر عليهم هذه الكلمة: «السلف»، «أحوال السلف»، أو «أخبار السلف»؟ من هم السلف؟ يقول ابن فارس رحمه الله تعالى: «قال: السين واللام والفا أصل يدل على التقدم والسبق. فيقال: كل من تقدم من آبائك وأجدادك: سلف». هذا باب اللغة. كل من تقدم من آبائك وأجدادك: سلف. وأما في الاصطلاح، يقول العلماء: «معنى السلف: هم الصحابة والتابعون ومن تبعهم، دون من مال بهم عن الأهواء». هؤلاء هم السلف: الصحابة والتابعون ومن تبعهم، دون من مال بهم عن الأهواء. فهؤلاء الذين نحن بصدد الحكاية عنهم، وذكر أقوالهم وشأنهم. وهنا مسألة أخرى كذلك يجدر التنبيه عليها: وهي ما الذي يستفاد من طرق هذا الباب؟ ما الذي يستفيده المسلم إذا نظر أو تمعن في أحوال السلف، سواء في هذا الباب: «أخبار السلف في رمضان»، أو في غير رمضان؟ نسمع وهذا كثير ما يدندن به عليه أهل السنة في كتاباتهم وفي محاضراتهم وفي رسائلهم: «عقيدة السلف»، «منهج السلف»، «أخبار السلف في رمضان»، «أحوال السلف في الدعوة إلى الله». ما الذي يستفيده المسلم من التمعن أو القراءة أو الاستماع إلى أحوال السلف؟ هنا أمور، إخواني في الله، ينبغي التنبيه عليها. من الأمور التي يستفيد منها المسلم في تمعنه وقراءته لأحوال السلف: أولًا، يعلم أن السلف هم القوم الذين زكاهم الله جل وعلا على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم. فمجتمع السلف هم الصحابة والتابعون ومن كان على منهجهم. فمجتمع الصحابة، وهكذا مجتمع التابعين، يعتبر من أحسن المجتمعات في الخيرية. بل شهد لهم نبينا عليه الصلاة والسلام، قال صلوات ربي وسلامه عليه: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم». خير الناس. فهذه القرون المفضلة، وهم السلف الصالح، رحمة الله تعالى عليهم، زكاهم نبينا عليه الصلاة والسلام. فجدير بكل مسلم إذا علم خيرية هذه المجتمعات أن يتمعن فيها وأن يقرأ عنها وأن يدرسها. بل كان هؤلاء ومجتمع الصحابة ومن كان من بعدهم يعتبر هو الخيرية لهذه الأمة. ما وصلت الأمة للخيرية إلا بوجود هؤلاء فيهم. ذكر شيخنا مقبل بن هادي رحمه الله تعالى في كتابه «الجامع الصحيح مما ليس في الصحيحين» عن وافل بن الأسقع، رضي الله تعالى عنه، قال: قال عليه الصلاة والسلام: «لا تزالون بخير ما دام فيكم من رآني وصاحبني. والله لا تزالون بخير ما دام فيكم من رآ من رآني وصاحب من صاحبني. والله لا تزالون بخير ما دام فيكم من رآ من رآ من رآني وصاحب من صاحب من صاحبني». والحديث في «الجامع الصحيح» لشيخنا مقبل، وابن أبي عاصم في «السنة». فانظر، عبد الله، الخيرية لا تزالون بخير في عهد الصحابة، ثم في عهد التابعين، ثم في عهد تابع التابعين. هذه هي القرون المفضلة الثلاثة التي شهد لهم نبينا بالخيرية. فحق على كل مسلم، يا عبد الله، أن يتمعن في هذه المجتمعات المباركة التي زكاها نبينا عليه الصلاة والسلام، وعلى رأسهم الصحابة، وعلى رأس السلف: الصحابة رضي الله تعالى عنهم. هم القوم الذين اصطفاهم الله جل وعلا من بين الخلائق. ثبت عن علي بن مسعود موقوفًا عليه، وذكره أيضًا شيخنا مقبل رحمه الله تعالى في «الجامع الصحيح مما ليس في الصحيحين»، قال مسعود رضي الله تعالى عنه: «إن الله جل وعلا نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد خير قلوب العباد، فاصطفاه لدينه وابعثه لرسالته. ثم إن الله جل وعلا نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فاصطفاهم لدينه وابعثهم لدينه، وجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون على دينه». فهؤلاء الصحابة اصطفاهم الله واختارهم الله من بين الخلائق. وإن الله نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد. فربنا جل وعلا زكى هؤلاء. فالفضل في هذا الباب كثير. لكن هذا الأمر الأول يكون في نصب أعيننا: أن أهل السنة والجماعة عندما يهتمون بشؤون السلف الصالح لهذا الشأن: أن قومًا زكاهم الله، وهي أفضل المجتمعات، تخلص من البدع والحوادث والمخالفات والخروج عن الجادة، إلا ما ندر. والأمر الثاني كذلك، وهو الذي فيه الفائدة في طرق مثل هذه المسائل، والباحث عن منهج السلف، وهو يتفرع عن الأمر الأول: وهو قصد الاهتداء والاقتداء بهم. ليس القصد، عبد الله، عند دراسة أو ذكر أحوال السلف رحمهم الله تعالى: أننا نتسلى بقصصهم أو أننا نستروح بعباراتهم. ليس هذا القصد. وإنما القصد، يا عبد الله، أننا نقتدي وأننا نهتدي وأننا نتأسى بأعمالهم وأقوالهم وعباراتهم. ننظر في شؤون حياتهم: كيف مشوا؟ وكيف تعبدوا الله جل وعلا؟ ثم نقتدي بما كانوا عليه. ومن الأخطاء الموجودة عند بعض الناس في هذه الأزمان: أن بعض من يظن، بل من صرح قائلًا: «أن السلفية هي مرحلة زمنية مباركة، وليست منهجًا يتبع». وليست منهجًا يتبع. «وهذه العبارة خاطئة، بل فاحشة». وقد قام العلماء بالرد عليها وعلى قائلها بالرسائل والكتب. لأن السلفية، وما كان عليه السلف، هو منهج يتبع. ليس فقط، عباد الله، أن يكون منهج السلف عبارة عن كتب تجعل في المكاتب وتقرأ وتسلّى بها. لا. تقرأ ويطبق، يطبق هذا المنهج. ننظر كيف كانوا في الاعتقاد، فنعتقد باعتقاداتهم. كيف كانوا في باب العمل، نعمل بعملهم. في باب الآداب، في باب الأخلاق، وهكذا نتأسى ونقتدي بهم. قال تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾. ولهذا كان علماء قديمًا وحديثًا يحرصون على التمثل بغرز العلماء أو بغرز السلف. كما قال بعض الأئمة: «عليك بآثار من سلف، ولو رفضك الناس». لأن ما كان عليه السلف، كما قلنا، هو الدين الصحيح. فمن الأمور التي تجعل أهل السنة يبحثون ويتباحثون ما عليه السلف في هذا الباب: أننا نعرف كيف كانوا، ثم نسير على ما كانوا عليه. وكذلك من الأمثلة التي تجعل أهل السنة يطرقون مسالك السلف وما كانوا عليه من الخير والعمل والعلم: إذا أتتك الشبهة التي قد تنقدح في أذهان بعض الناس. بعض الناس من المسلمين إذا سمع شيئًا من سيرته عليه الصلاة والسلام، وخاصة في باب العبادة والتعبّد، لربما ضرب بينه وبين عبادته عليه الصلاة والسلام حاجزًا وسدًا وحجة في هذا السد المضروب بينه وبين رسول الله وبين التعبّد بما كان عليه نبي الله: «أنني لست ألحق به». هذا رسول الله مؤيد بالوحي وينزل عليه وحي السماء ومؤيد بالمعجزات والكرامات، وربنا يسأله أمور الدين. «أنني أنا ألحق به». لكن، يا عبد الله، لما تنظر إلى حال السلف، هم ليسوا بأنبياء، ليس عندهم وحي من السماء، وليست عندهم معجزات أو آيات. هم بشر من لحم وعظم وعصب، ليس عندهم شيء من أمر السماء. إنما هو الإيمان الذي وقر في قلوبهم. فعندما يأتي الرجوع إلى آثار السلف، تطمح لهذه الشبهة: «انظر إن لم تتأسى برسول الله، انظر لمن دونه من الصحابة ومن التابعين مثلك». لا يستفرق بينك، يا عبد الله، بينهم إلا بما وقر في صدورهم. وإن كانت هذه الشبهة ليست بصحيحة. قوم من يدعي بأن ليس كرسول الله. يقال: «إن نبينا إن الله جل وعلا جعل من نبينا أسوة لنا». ولكم في رسول الله أسوة حسنة. فالأصل أن الناس يقتدون برسول الله. لكن تلكم الشبهة إذا انقدحت في أذهان بعض الناس، إذا تأيس من نفسه باللحوق والإدراك بنبينا وما كان عليه، فآثار السلف وأعمال السلف، وهم بشر مثلك، يا عبد الله. وأيضًا المثلة الأخيرة، وهي من الأمور التي تجعل أهل السنة يطرقون مباحث ما عليه السلف: أن ذكر هذه المتائل وذكر هذا الباب والتباحث وحكاية من كان عليه السلف من عمل ومن علم، يعتبر هذا تأدية لبعض حقوقهم علينا. فإن حق السلف عظيم، لما بذلوا في دين الله جل وعلا. وأقل واجب، يا عبد الله، أن نهتدي بما كانوا عليه، صلاح وذكر فضائلهم وذكر مناقبهم. هذا حق علينا. ننشر هذه الفضائل بين الناس، ونلقي الخلائق أجمعين ما كان عليه السلف الصالح. وهذا من سلامة الصدور. والذين جاءوا من بعدهم يقولون: «ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان». فينبغي، يا عبد الله، للمسلم أن يعظم أمر السلف، ليس في هذا الباب في باب الصيام، بل في جميع أبواب الدين. ينظر في عقيدة السلف، ينظر في هديهم، ينظر في دعوتهم، ينظر في معاملاتهم، ينظر في تعاملهم، وهكذا، يا عبد الله. وذلك لما ذكرنا. وأن الشروع، إخواني في الله، في ذكر شيء مما كان عليه السلف الصالح، ومهل النبذ يسيرة من هنا وهنالك، نذكر كيف كان الصحابة ومن بعدهم من القرون المفضلة في تعاملهم مع هذا الشهر العظيم. ومن أبواب الذي تذكر في تعامل السلف مع رمضان: ما كان من أمر الجود والكرم والسخاء والعطاء والبذل في هذا الشهر العظيم. فقد كان السلف، رحمة الله تعالى عليهم، من أعظم الناس جودًا وكرمًا في شهر رمضان، وهم بذلك يتأثرون بنبينا عليه الصلاة والسلام. فقد كان نبينا صلوات ربي وسلامه عليه أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان. ولهذا كان السلف على هدي نبينا عليه الصلاة والسلام. يقول ابن رجب رحمه الله تعالى: «قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: أحب للرجل الزيادة بالجود في شهر رمضان، اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولحاجة الناس إليه». فكان السلف، رحمه الله تعالى، من أجود الناس. والجود، إخواني في الله، والعطاء والبذل في رمضان له صور كثيرة. يكون ذلك بالصدقة على الفقراء والمساكين، أو المساعدة لبعض المحتاجين، أو بذل الخير بشتى صوره، سواء كان خيرًا حسيًا أو خيرًا معنويًا أو خيرًا دينيًا أو دنيويًا. ويدخل في هذا إطعام الطعام. ويدخل في البذل والكرم والسخاء في رمضان من الجود: إطعام الطعام. فقد كان السلف، رحمه الله تعالى، تنافسوا في هذا الباب. يقول يونس بن يزيد رحمه الله تعالى: «قال الزهري: إذا أقبل رمضان، فإنما هو قراءة القرآن وإطعام الطعام». عندهم تلخص أيام رمضان في هاتين القضيتين: «قال: إنما هو قراءة القرآن وإطعام الطعام». فكان إطعام الطعام عند السلف له الأهمية وله الأولوية في رمضان. فكانوا يتسارعون وكانوا يتنافسون في إطعام المسافرين والمحتاجين والصائمين. يقول أبو سوار العدوي رحمه الله تعالى: «قال: كان رجال من بني عدي يصلون في هذا المسجد، ما أفطر أحد منهم قط وحده. فإن وجد أحدًا أكل معه، وإلا أخرج طعامه إلى المسجد فأكلوا مع الناس وأكل الناس معه». انظر لهذا البذل والعطاء. قد عوّدوا أنفسهم على الكرم البذل. فكانوا لا يفطرون في رمضان لأنفسهم، وإنما كانوا يتعمدون أنهم يطعمون أحدًا معهم. فإن وجدوا أحدًا في بيتهم كان بها، فإن لم يجدوا أخرجوا الطعام إلى المسجد. لماذا؟ حتى يتناول يتأكل مع الناس، حتى يأكل الناس معهم. يأكل مع الناس. وهذا من إطعام الطعام. يعبد الله كل هذا من باب إطعام الطعام. إما أنك مثلًا تستضيف ضيفًا في بيتك ممن يحتاج إلى الإطعام، أو أنك تأتي بالطعام إلى المسجد من ثمر ونحوه، وإما أنك تدفع بالطعام إلى بيوت من يحتاج إليه. وهكذا يعبد الله. كل هذا من باب إطعام الطعام. وكان من حرص السلف على إطعام الطعام أنهم كانوا يتفانون في هذا الباب. بل بلغ ببعضهم، ورحمهم الله تعالى، أنه لربما آثر بطعامه إلى من يحتاج إليه، وجلس بغير إفطار. وثبت ذلك عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه، وعن مالك بن دينار، وعن داود الطائي، وعن الإمام أحمد، رحمه الله تعالى، في حكايات كثيرة تروى عنهم: أنهم كانوا لربما إذا جاءهم محتاج أعطوه الإفطار وجلسوا بغير إفطار. وذلك من باب إطعام الطعام. فأحرص، يا عبد الله، على هذه الخصلة. فقد كان السلف رحمهم الله تعالى يحرصون عليها. عليك أن تتحسس - يعني تبذل - في هذا الباب. لكن لا تنسى، يا عبد الله، من أراد أن يطعم الطعام أو أراد أن يبذل الخير بشكل عام في رمضان: بصدقة أو بمساعدة أو بطعام أو بنفقة. فعليك، يا عبد الله، أولًا أن تتحسس أقاربك وأرحامك وجيرانك. فعليك أن تعلم، يا عبد الله، أن الرجل كلما كان أقرب منك نسبًا أو أقرب منك بابًا كان حقه أعظم. كان حقه أعظم. فليس من العقل وليس من الدين أنك تعين من كان في بعد، والقريب منك محروم. تتجاوز من كان أقرب منك بابًا أو أقرب منك نسبًا. وهذه، إخواني، تذكر إلى مسألة: لو ربما لها تعلق بهذا الباب. وهو أنك، يا عبد الله، حاول أن تنظر في علاقاتك مع الناس. تنظر إلى أرحامك، تنظر إلى أقاربك، تنظر كذلك إلى جيرانك. هل هناك من تقاطعت معه؟ هل هناك من تهاجرت معه؟ وللأسف، إخواني في الله، فقد كثرت في الآونة الأخيرة في هذا الباب: باب القطيعة والهجران بين الناس، بين الأرحام، بين الأقارب، بين الجيران، بين الزملاء، بين الإخوان. وهذا مما لا يرضيه الله جل وعلا، ولا يرضاه الرب سبحانه وتعالى. بل هذا يعتبر من أعظم الذنوب. ويكفيك، يا عبد الله، أن تعلم عظمة هذا الذنب: أن من آثاره - من آثار القطيعة والهجران بين المسلمين - أن العبادات لا يقبلها الله سبحانه وتعالى، تكون معلقة. ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: قال عليه الصلاة والسلام: «تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين والخميس، فيغفر الله لكل عبد لا يشرك بالله شيئًا، إلا رجل كانت بينه وبين أخيه شحناء». فيقول الله: «انظر هذين حتى يصطلحا، انظر هذين حتى يصطلحا». أي: أن من كانت بينه وبين أخيه شحناء، فإن أعماله توقف بين السماء والأرض، تكون معلقة. رب صائم سيفعل رمضان، سيتعبد الله بصيام النهار وبقيام الليل وبالصدقة وبالنوافل وبالقرآن وبذكر الله جل وعلا. لكن ما يعلم أن هذه الأعمال قد علقت. لماذا؟ للشحناء التي بينك وبين من تخاصمت معه. فعليك، يا عبد الله، أن تراجع علاقاتك مع الناس. كم من الرجل ربما يتعبّد رمضانه، وقاطع لوالديه أو قاطع لأرحامه أو مهاجر لجيرانه؟ يا عبد الله، سارع. وهذه فرصة. وهذه من أعظم ما يستغل في رمضان: التوبة النصوح. أن تتصالح مع إخوانك. وقد يقول قائل: «يا أخي، أنا فلان هو الذي بدأ، فلان هو الذي هاجر، فلان هو الذي اعتدى علي». ولو، يا عبد الله، أي نحن يا أهل الإسلام، من آيات العفو عن من ظلمك، وعن الإحسان إلى من أساء إليك، وعن الصفح عن من أخطأ بجنبك. هذه آيات تنزل علينا: «العفو، الصفح». فلأجل هذا، يا عبد الله، تعفوا عن من ظلمك، وأجرك على الله جل وعلا. وإن لم تستطع أنت، يا عبد الله، أن تدخل في هذا المضمار: مضمار الصلح. فلاقل، يا عبد الله، أن تستعين بأهل الخير. تستعين بطلبة العلم، تستعين بالدعاء: «يا الله». تستعين بأئمة المساجد، فهو لهم وجهة الخير في المجتمع. تكلمهم أن يكون وسيطًا بينك وبين من تخاصمت معه. فلعل الله يجعل في هذا الخير الكثير، يقبل مثلًا الأعمال، بل ييسر لك كل خير في الدنيا والآخرة. فشاهد، إخواني في الله، أن من حال السلف في الجود والكرم ما سمعتم: أنهم يتنافسون في هذا الباب. وأيضًا كذلك مما يذكر عن حال السلف وفي شأنهم في رمضان: الكف وحفظ الجوارح عما لا يرضاه الله جل وعلا، وخاصة اللسان. فقد كان السلف، رحمه الله تعالى، من أحرص الناس على هذا الباب. وهم يتأثرون كذلك بقوله عليه الصلاة والسلام: «من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه». ليس القصد، يا عبد الله، من صيام رمضان أن تكف عن الطعام والشراب. ليس هذه الغاية. وإنما الغاية من رمضان أن تكف عن كل ما حرم الله جل وعلا. ولهذا شرع الصيام: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. ليس العلا الجوع، وإنما التقوى. أنك بالصيام تتحلى وتتحصل على مراتب التقوى. وذلك كما أنك تكف عن الطعام والشراب، تكف عن المآثم والمحارم. ولهذا روى ابن أبي شيبة رحمه الله تعالى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنه قال: «ليس الصيام عن الطعام والشراب وحده، ولكنه عن الكذب والباطل». تكف عن الكذب والباطل. ليس من أخلاق المسلم في أيام صيامه أنه يدخل في الباطل ويلج في اللغو ويكذب. فهذا لا يجوز. ولهذا يقول مجاهد رحمه الله تعالى: «خصلتان من حفظهما، أو من حفظهما، سلم له صومه: الكذب والغيبة». تحفظ لسانك من الكذب، وتحفظ لسانك من الغيبة. للأسف، إذا دخل رمضان، تأتي الجماعات أو تأتي الجمعات في بيوت الله جل وعلا. هنا جماعة وهنا جماعة في المسجد، وذاك في الداخل وذاك في زوايا المسجد. فإذا اقتربت أو استمعت إلى بعض هذه المجالس، ترى كلها في اللغو وفي باطل وفي كلام في الصيام وفي بيت من بيوت الله. هذا لا يجوز، يا عبد الله. عظم هذا الصوم بتعظيم حق اللسان: بأنك لا تتكلم في باطل، لا تدخل في باطل. ولهذا يقول جابر رضي الله تعالى عنه، كما روى ذلك بسند صحيح: «يقول جابر: إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك: الجوارح تصم معك». وصومها معروف. لأن تكف عما حرم الله. قال: «إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك، وليكن عليك وقار وسكينة يوم صومك، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء». رضي الله تعالى عنه. وهذه العبارة الأخيرة تعتبر قاعدة عامة، قاعدة عظيمة، ينبغي أن يطبقها المسلم في أيام صومه: ألا وهي قوله: «ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء». ما ينبغي أن يكون هناك فرق. بل ينبغي أنت أن تحدث فرقًا. واجب أن تجعل فرقًا بينك ما كنت فيه في أيام الفطر وما ستقوم عليه في أيام الصوم. يكون هناك فرق في كل شيء. سواء في تعاملك مع ربك، يكون هناك فرق. في تعاملك مع خلق الله، يكون هناك فرق. في كل شيء. فرق تزيد في العبادة، في البذل، في العطاء، وهكذا، يا عبد الله، تزيد في حفظ الجوارح. وإن كان حفظ الجوارح واجب في كل أيام السنة، في أيام الدنيا، لكن في رمضان أوجب. في رمضان أوجب. قار جابر: «ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء». فلا تجعل، يا عبد الله. بل ينبغي أنك ترتقي درجة. ولهذا كان من السلف، ورحمهم الله تعالى، من كانوا يلازمون المساجد يلازمون المساجد في رمضان. لماذا؟ حتى لا يخدشوا صومهم. قال أبو المتوكل، كما روى ذلك ابن أبي شيبة رحمه الله تعالى في مصنفه: «قال أبو المتوكل: كان أبو هريرة وأصحابه إذا صاموا جلسوا في المسجد». إذا صاموا جلسوا في المسجد. لماذا الجلوس؟ لأجل أي: كي يحفظوا صيامهم من الكلام فيما لا طائل تحته، أو الاستماع إلى ما لا يجدي نفعًا، ونحو ذلك. فكان السلف، رحمه الله تعالى، يحرصون كل الحرص على أن يكون هذا الصوم سليمًا من كل ما يشوبه. وأخواني في الله، وكذلك أحوال السلف في أبواب رمضان كثيرة. أحوالهم في قراءة القرآن، وأحوالهم في قيام الليل. هذا مما يطول ذكره. ولكن بما ذكر كفاية أن نفهم، إخواني في الله، عظم ما كان عليه السلف الصالح. وأن المسلم يحاول أن يربط نفسه بالسلف، هو وأهله وأبناءه. ينظر ما كان عليه السلف الصالح، يتمعن في سيرتهم، يتمعن في أقوالهم. لا يضع، يا عبد الله، فجوة بينك وبين السلف. إن لم نرتبط بسلفنا الصالح، فمن نرتبط بعد هذا؟ إذا لم نرتبط بالسلف، بمن نرتبط؟ سيضيع المجتمع. لكن نرتبط بما كان عليه الصحابة ومن كان على من والاهم من التابعين ومن أتباع التابعين. المحاضرة، كما تعلمون، إخواني في الله، لشيخنا أبي عبد الرحمن. فأكتفي بما ذكر. وأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا. إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم. بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فإني أحمد الله عز وجل أولًا الذي وفقنا للاجتماع في بيت من بيوت الله، نتذاكر: قال الله، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا من عظيم فضل الله عز وجل علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. كما لا ننسى أن نشكر آباءنا وإخواننا في هذا المسجد الطيب المبارك على تهيئتهم مثل هذه الفرصة الطيبة، وفي مثل هذه الأيام، لمذاكرة ما ننتفع به من العلم النافع، ما يعيننا الله عز وجل به على العمل الصالح، خصوصًا في مثل هذه الأيام، مع مقدم موسم عظيم من مواسم الخيرات، وشهر مبارك من أشهر الرحمات. فما أحوج المسلمين عامة، وهكذا أهل الخير وأهل رغبة الطاعة والبر خاصة، على أن يتذاكروا ما ينفعهم مما يقربهم إلى الله سبحانه وتعالى، ويعينهم على طاعته وعبادته والإحسان في هذه الطاعة، وغيرها من الطاعات. فنسأل الله عز وجل أن يوفقنا جميعًا لبلوغ هذا الشهر المبارك، وأن يجعلنا جميعًا ممن يوفقوا إلى طاعته وحسن عبادته، وأن يجعلنا من عتاقائه فيه من النار. اللهم آمين. سمعتم، أيها الآباء والإخوة، هذه المشاركة الطيبة النافعة من أخينا الأستاذ الفاضل أبي هاشم، حفظه الله تعالى. ولو ودنا لو أنه زادنا من هذا الخير. فكما سمعتم، هذا الموضوع العظيم في الحقيقة، موضوع يحتاج إليه المسلم. وذلك لأن الموسم الذي يقدم على المسلمين هو موسم عظيم، وموضع من مواضع الرحمات جليل، يغفل عنه الكثير من الناس. ولربما بسبب كثرة الغافلين، يكسل حتى بعض أهل الخير والصلاح. فإن لله وإن إليه راجعون. هذا الموسم العظيم الذي جعله الله عز وجل سببا لدخول هذا العبد إلى جناته، إلى جناته، وسببا لتكفير سيئاته، وسببا لرفع درجاته. وكما سمعتم في كلمة أخينا أبي عبد الله، حفظه الله، أخونا الأستاذ محمد، حفظه الله: «أن هذا الشهر الكريم شهر جعل الله عز وجل فيه من الخصائص والمزايا والفضائل ما يكون معه الخير لهذا الإنسان في الدنيا والآخرة». ولكن أكثر الناس لا يعلمون. تفضل به ربنا جل وعلا على عباده، فخصهم به وما فيه من أبواب الخير والرحمة، وصنوف الطاعات والبر، وأبواب كذلك أسباب المغفرة، ما تكون غنيمة عظيمة لمن يدرك هذا المعنى. لو لم يكن فيه إلا ما جعل الله عز وجل فيه من الصيام لكان هذا كافيًا فيما يثمر، وما يدخل على هذا الإنسان من الخير. والله سبحانه وتعالى لم يفرض على عباده هذه الفريضة إلا لعلمه أنها تصلحهم في الدنيا وفي الآخرة. فهو سبحانه غني عن جوعنا وعن عطشنا وعن تعبنا وعن نصبنا. ولكنه سبحانه وتعالى يعلم أن هذه العبادة من أعظم ما تصلح هذا الإنسان. كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. فالصيام من أعظم أسباب التقوى. وأنت ترى كيف أثر هذا الصيام على المسلمين في هذا الشهر المبارك، حتى تنزل عليهم من السكينة ومن الإقبال على الخير ومن العزوف عن الشر ما يبرهن لك أخي المسلم حقيقة ما أخبر به ربنا سبحانه وتعالى. فالصيام سبب لكسر شهوة الإنسان، ولقطع حبائل الشيطان، ولتزكية النفس وطهرتها. وهو يعين هذا الإنسان في إقباله إلى ربه، وبعده عن عدوه الشيطان الرجيم. ويعينه على أبواب الخير الكثيرة، فتسهل له وتفتح بما لا يكون في غيره. وهذا من عظيم فضل الله سبحانه وتعالى على الناس في هذا الشهر الكريم. وأنتم ترون إقبال الناس على الخير في هذا الشهر ما لا يكون مثله في غيره من الشهور. إن دل ذلك على شيء، دل على صدق ما أخبر به ربنا سبحانه وتعالى. كيف وقد جمعت معه فضائل أخرى؟ فهو شهر القرآن الذي قال الله عز وجل فيه: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾. انظر إلى هذا الفضل العظيم. فهو شهر القرآن الذي هو سبب لهداية الناس: هدى للناس، وبينات من الهدى والفرقان. وهكذا كذلك شهر القيام الذي هو سبب آخر لتزكية نفس هذا الإنسان، وتوثيق صلتها بربها وخالقها سبحانه وتعالى. فيكتسب العبد بالصيام والقيام من الإيمان، ومن كذلك القرب