الإستمرار على الطاعة بعد رمضان

الدرس في الإستمرار على الطاعة بعد رمضان، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أهمية الاستمرار على الطاعات بعد رمضان

يجب على المسلمين الاستمرار على الطاعات بعد رمضان وعدم العودة إلى المعاصي، حيث أن الأعمال بالخواتيم. ينبغي التوبة النصوح والاستقامة.

وسائل الاستمرار على الاستقامة

يمكن الاستمرار على الاستقامة بعد رمضان من خلال قراءة القرآن، وسنة الرسول، والمجالس العلمية، والرفقة الصالحة، والمداومة على الأعمال الصالحة. يجب الحفاظ على الطاعات والابتعاد عن رفقة السوء.

التعبد بعد رمضان والدعاء

يجب الاستفادة من مواسم الخيرات بعد رمضان مثل صيام الست من شوال، وكثرة الدعاء في أوقات الاستجابة، والاستغفار والتوبة. كما يجب الثناء على الله والدعاء له بأن يجعلنا من عباده الصالحين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهدِ الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إن الله عز وجل جعل في مضي الليل والنهار وتقلب الشهور والأعوام آيات لأولي الأبصار، آيات شرعية وكونية. آيات شرعية تقام بها أحكام الله، ويعبد بها العبد ربه سبحانه وتعالى. وآيات كونية يرى فيها العبد العبر الكثير، فيكون في ذلك عظة أولًا لقصر عمر هذا الإنسان. والله جل وعلا يقول: ﴿وَتَقْلِبُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾. عظة عظيمة، عباد الله، في قصر عمر هذا الإنسان. فكم قد مر على الناس في هذه الأرض من أيام وليالي، فطويت أسماء ناس بأعمالهم ومرت، ومرت عليهم الأيام والليالي، فذهبوا وذهبوا بأعمالهم. وها نحن عباد الله في وقت ليس ببعيد، كنا نستقبل شهر رمضان بغاية من اللهفة والشوق، وها نحن قد استودعناه وودعناه. استودعناه من أعمال، وما كان منا كذلك من حسنات أو سيئات، أو جد أو اجتهاد، أو غفلة وإعراض، فلا ندري من منا الفائز فيهنَّ، ومن منا الخاسر الشقي. عباد الله، قد استشعر الكثير من أهل الإسلام حلاوة الإيمان ونور الإسلام في هذا الشهر الكريم، الذي جعله الله جل وعلا شهر العبادة والصيام والقيام والتقوى، كما قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. فليكن، عباد الله، ما مر معنا من حلاوة ذلكم الإيمان ونور ذلكم الإسلام، سببًا لشحذ الهمم في الاستمرار على الخير والبر والتقوى، والاستكثار من الطاعات والقربات. وكما قال ربنا جل وعلا: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾. فليس الشأن كل الشأن، يا عبد الله، أن تكون من اجتهد في رمضان، أو من وفقه لقيام لياليه وصيام نهاره، أو كان بعض ذلك. ولكن الشأن كل الشأن، يا عبد الله، أن يكون عملك بعد رمضان بمثل ما كان في رمضان، أو قريبًا منه. وإنما الأعمال بالخواتيم. عباد الله، إنما الأعمال بالخواتيم. إننا لا ندري متى يفجأنا ملك الموت، فنلقى الله جل وعلا على ما كان منا من عمل. وإنما الأعمال بالخواتيم. من كان قد أحسن في رمضان وأساء بعد رمضان، فليست العبرة بذلكم الإحسان، ولكن العبرة بما يتوفاك الله جل وعلا عليه. فإن المرأة يبعث كما قال نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم على ما مات عليه، يبعث الناس على ما ماتوا عليه. فإن كنت من المحسنين، يا عبد الله، وفاجأك ملك الموت وأنت من المحسنين، فإنك تبعث على ذلكم الإحسان. وإن كنت من المسيئين، فإنك تبعث على تلكم الإساءة. فبأي شيء تحب أن تلقى الله جل وعلا، يا عبد الله؟ عباد الله، إننا نرى عادة سيئة تتفشى بكثير من أوساط المسلمين، إلا من رحم الله. أن الكثير من أهل الإسلام يقبلون في شهر رمضان ويحسنون، ثم بعد ذلك يتناقص ذلكم الإقبال، ويقصر ذلكم الاجتهاد والجد الذي كان عليه الكثير، إلى غير ذلك من التفريط والغفلة، أو إلى ما هو أعظم من ذلك، إلى الذنوب والمعاصي، وربما الكبائر. عباد الله، إننا نعجب من قوم كانوا في شهر رمضان قد صبروا أنفسهم على طاعة الله، من صيام النهار وقيام الليل والإمساك عن الكثير من الذنوب والمعاصي، ثم بعد ذلك صاروا أولئك أنفسهم ممن يسارعون في كبائر الذنوب والمعاصي. والعياذ بالله. فسبحان الله، أكان الذي يعبده في رمضان قد ذهب عنه بعد رمضان؟ أم ماذا كان يرجو؟ وإنما الأعمال بالخواتيم. فلا نكن، يا عباد الله، كمن نكث غزلها بعد إبرام وقوة، فنكون من الخاسرين. ولا نكن، يا عباد الله، كمن يهدم عمله بعد استيفاء بنائه واستكماله. فإنما الأمر، يا عبد الله، بما يكون من آخر أمرك. والله عز وجل قد جعل أن الحسنات يذهبن السيئات، وعكس ذلك، يا عبد الله، السيئات تذهب أمر الحسنات إذا لم تتق الله جل وعلا. فالتوبة تجب ما يقع فيها، والإسلام يجب ما قبله، والحج يجب ما قبله. ولكن إذا كان العكس، فكيف ترجو ما عند الله جل وعلا، وأنت تلقاه بشؤم معصيتك، وبعظيم إصرارك على مخاصمة الله جل وعلا، ووقوع غضبه؟ عباد الله، لنتق الله جل وعلا في توبة النصوح. في توبة النصوح، تأخذ بأيدينا إلى بر الأمان، تكون بها السلامة من شرور الدنيا وشرور الآخرة. واعلموا، عباد الله، أن من أعظم ما يعين العبد على التوبة النصوح والاستقامة الصحيحة، أولها ملازمة ما أنزل الله جل وعلا من هدى، منا في كتابه، وما في سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. كما قال سبحانه: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾. قال: ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾. فالزم كتاب الله، كما كنت تقرأه في رمضان. فاحرص على قراءته، وعلى عدم الغفلة عنه، وأن لا تكون له من الهاجرين. إن ختمت في رمضان هذا القرآن مرة واحدة في شهر، فاحرص على ختمه، ولو في شهور. لا تكون من المؤمنين الذين يهجرون كتاب الله. كمن ذكرهم الله عز وجل: احرص على قراءة كتاب ربك، ولو أن تقرأ منه شيئًا يسيرًا. ولو أن تقرأ منه شيئًا يسيرًا، يكون بذلك صلة بينك وبين ربك سبحانه. احرص على تعلم ما فيه من العلم، والعمل بما فيه من العمل. فإن ذلك سبب لتصحيح الكثير من التصورات في حياتك الدنيا. فإنك تصحح أقوالًا، وتصوب أفعالًا، وتقيم لنفسك كذلك طريق الاستقامة، بما يكون بصلتك بهذا القرآن العظيم. وهذا كذلك، احرص على أن تقرأ شيئًا من سنة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم. تقرأ من هذا العلم ما يعينك على طريق الخير والبر، ما يزيد من إيمانك وتقواك لربك، ما يبصرك بحياة الأنبياء والمرسلين والصديقين والشهداء والصالحين، الذين هم خير رفقة ترافقهم، حسًا ومعنى. ترافقهم معنى، بما يكون من قراءتك والاطلاعك على أحوال هؤلاء الذين أثنى الله عز وجل عليهم، وأمرك بأخذ طريقهم وسبيلهم: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾. ﴿وَمَنْ يَطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾. وفي «مستدرك الحاكم» بإسناد حسن، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا: كتاب الله وسنتي». فاحرص على مجالس العلم، يا عبد الله. احرص إن كنت تريد الاستقامة والاستمرار عليها، احرص على مجالس العلم. ولو أن تسمع شريطًا، ولو أن تحضر درسًا، ولو أن تواظب على محاضرة أسبوعية أو شهرية. ولو أن تقرأ كتابًا علميًّا يكون صلة بينك وبين معنى الاستقامة، التي يغفل الناس عن تكرارها، وهم يجهلون طريقها. إن الاستقامة، عباد الله، ليست ألفاظًا نرددها بألسنتنا، أو نكتبها بأقلامنا وأيدينا، ثم لا يكون لها واقع في حياتنا، ثم لا يكون لها فكرة وعلما وتصورًا في صدورنا وعقولنا، بها نسترشد إلى طريق الاستقامة. إن الاستقامة، عباد الله، علوم، وأفعال وأعمال. علوم بها تجتنب ما يكون سببًا لانحرافك، وسببًا لوقوعك في خطوات الشيطان، وفي شر الدنيا والآخرة. إنك لم تسلم من ذلك إلا بعلم رصين، أنزله الله جل وعلا من فوق سبع سماوات. ﴿فَلَوْلَا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا﴾. وهذا كذلك، يا عبد الله، تستعين بالرفقة الصالحة التي تعينك على هذه الاستقامة. إن الكثير ممن يحسن في رمضان، يهجر رفقته، استجابة لأمر الله، استجابة لأمر الله، حيث يعلم أن رفقته السيئة لا تعينه على طريق الاستقامة والطاعة. والاستجابة لأمر الله، فيجاهد نفسه ويصابرها بأن يهجر تلك الرفقة السيئة، ويقبل إلى بيوت الله ليستعين بمن فيها على طريق الاستقامة، من الصيام والقيام وقراءة القرآن، وغير ذلك من أبواب الخير والبر. استطاع في جهد رمضان أن ينتصر على الشيطان وعلى هوى نفسه، وعلى النفس الأمارة بالسوء، أن يهجر رفقة السوء ويتركهم، طاعة واستجابة لأمر الله عز وجل. وأن يتوجه إلى بيوت الله وأهلها، ويجعل منها ومن أهلها رفقة فاضلة تعينه على طريق الطاعة والتقوى والبر والإيمان. فإذا كان كذلك، يا عبد الله، فلما يا عبد الله ترجع إلى هذه الرفقة السيئة بعد انقضاء رمضان؟ فيكون ذلك عونًا للشيطان على نفسك، فتخسر وتخسر ما أحسنت في هذا الشهر. ولا يدري متى يتوفاك الله وأنت في أحضان هؤلاء أهل السوء. ويقول نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «المرء على دين خليله، فينظر أحدكم من يخالل». رواه الترمذي بإسناد حسن عن أبي وريثة رضي الله عنه. ويقول نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مثل الجليس الصالح وجليس السوء، كحامل المسك ونافخ الكير». فأي الرجلين تريد، يا عبد الله؟ بل يقول ربنا عز وجل: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾. ويقول ربنا عز وجل، محذرًا محذرًا من مجالسة أهل السوء، ومجالسة أقوال السوء، وفعل أهل السوء: ﴿وَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾. أترضى عن قوم لم يرضَ ربنا عز وجل عنهم؟ ﴿وَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾. احذر، يا عبد الله، احذر، يا عبد الله، أن تنزع الخير الذي وطَّقه الله عز وجل إليك، بنفخة شيطانية لا تبالي بك، ولا تبالي بإحسانك أو إساءتك. وهذا مما يعينك، يا عبد الله، على طريق الاستقامة، المداومة على الأعمال الصالحة. إن ذهب رمضان، فإنه لم يذهب شيء، وأبواب الخير والبر. إن ذهب الصيام، بقي صيام التطوع، أن تصوم ستًّا من شوال. ففي صحيح مسلم، من حديث أبي أيوب رضي الله تعالى عنه، يقول نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من صام رمضان، فأتبعه ستًّا من شوال، فكأنما صام الدهر». إن ذهب رمضان وذهب الصيام، لم يذهب صيام التطوع، أن تصوم ثلاثة من كل شهر، كصيام الدهر. أن تصوم الإثنين والخميس، فيهما ترفع الأعمال، وكان نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم يحب أن يرفع عمله وهو صائم، عليه الصلاة والسلام. هل تذكرت في يوم من أيام صيامك، ما وقع في قلبك من يقين وقوة إيمان، وحلاوة إسلام؟ فإن ذلك يمكن أن يعود إليك، يا عبد الله، بأن تصوم ثلاثة أيام من كل شهر، أو تصوم الإثنين والخميس، أو تصوم سائر أيام التطوع التي حض الشرع على صيامها. إن ذهب القيام، يا عبد الله، فلم يذهب قيام الليل، الذي حض عليه ربنا عز وجل، ونبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم يمدح ربنا عز وجل عباده المؤمنين الصادقين الصالحين بقوله: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾. يا عبد الله، روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن ربنا عز وجل ينزل في آخر ثلث الليل، فيقول: «هل من سائل فأعطيه؟ هل من داع فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟». يا من أسرفت على نفسك بالذنوب والمعاصي، ينزل ربك عز وجل في الثلث الأخير من الليل، فهل تمد يديك حين ينام الناس؟ هل تقبل على الله عز وجل حين يغفل الناس؟ فتكون بذلك ممن أحسنت وأصلحت عملك واستقامتك لربك، يا عبد الله. إن ذهب رمضان وذهب ما كان معه من صدقة، فإنه لم يذهب أمر الصدقة في سائر الأيام. تستطيع أن تصل المحتاجين والفقراء والمساكين والأيتام وغيرهم. يقول نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أنا وكافل اليتيم كهاتين، وأشار بالإبهام والتي تليها». ألا تريد أن تكون ممن يطعم الطعام، ويفشي السلام، ويصوم بالنهار، ويقوم بالليل والناس نيام، فتدخل جنة ربك بسلام، كما أخبر نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ فإن ذلك ممكن، ولو كان قد ذهب رمضان. تستطيع أن تطعم الطعام، كما كنت تطعمه في رمضان. فإن الذين يحتاجون إلى طعام الطعام، هم لا يزالون موجودين، ويحتاجون إلى يد العون منك، ويحتاجون إلى ما كان منك من صدقة. بل ربما هم أحوج ما يكونون بعد رمضان، حين يغفل الناس وينسى الناس، ويغرض الكثير من الناس، إلا من رحم الله، ممن جد وجاهد واجتهد ولم يفتر عن العمل. وقليل ما هم، وقليل من عباده الشكور. وتذكر قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، في حديث عائشة: «عليكم من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا». «أحب الأعمال إلى الله ما داوم عليه العبد وإن قل». وعلم، يا عبد الله، أن مما يعينك على العمل الصالح والاستمرار فيه، كثرة الدعاء والالتجاء إلى الله عز وجل. أن تكثر من دعاء الله في أوقات الاستجابة. أن تكثر من دعاء الله عز وجل في أوقات الاستجابة، فيكون في ذلك عونًا لك على نفسك الأمارة بالسوء. أن تستجيب لأمر الله وعمر رسوله. فهذا نبينا عليه الصلاة والسلام، وهو رسول الله، ينزل عليه وحي السماء نهارًا مساءً، ومع ذلك كان من دعائه عليه الصلاة والسلام: «اللهم يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك». «اللهم يا مصرف القلوب، صرف قلبي إلى طاعتك، أو على طاعتك». فكذلك نحن، أحرى أن ندرع الله عز وجل بمثل هذا الدعاء، وغيره من الدعاء الحسن، الذي نتتبع فيه أوقات الاستجابة، فيعيننا ذلك بتوفيق الله ورحمته على الإحسان فيما بقي من أعمارنا. نسأل الله عز وجل أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، الصادق الأمين. أما بعد، عباد الله، إن الله عز وجل من رحمته بعباده، أن جعل لهم مواسم للخيرات، ومواضع لفتح الرحمات، واستجابة الدعاوات. وإن زمنًا من الأزمان، لا ينقطع فيه أن يكون باب خير ورحمة. فقد جعل الله عز وجل في اليوم والليلة من ذلك، أوقاتًا وأزمنة، سببًا بحصول الخير على هذا العبد، من رحمته وتفضله وتكرمه بعباده. فمن ذلك ثلث الليل الآخر، الذي ينزل فيه ربنا عز وجل، كما أخبر نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فيقول: «هل من سائل فأعطيه؟ هل من داع فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟» حتى ينفجر الفجر. فعلى كل مسلم أن يحرص على مثل هذه الأوقات، أوقات الرحمات، فيستغلها بما يكون فيه زيادة التقوى والإيمان. فإن الله عز وجل، عباد الله، لم يفرض علينا من واجبات، ولا مستحبات، إلا ليصل بذلك التقوى إلى قلوبنا. فهو غني عن جوعنا وعن عطشنا، وعن تعبنا وعن نصبنا. ولكنه يعلم سبحانه، أنه ليس شيء يصلح القلوب، ويحسن الظاهر والباطن، بمثل الأعمال الصالحة، التي بها يصل التقوى إلى القلب. فلذلك، يا عبد الله، احرص على هذه المواسم، واستغلها. ومن ذلك أن نحرص، عباد الله، على صيام الست من شوال، فإنه موسم آخر من مواسم الخيرات، التي بها يزيد الإيمان، وبه يكون التقوى. وأن نحرص بعد ذلك على سائر ما حض الشرع عليه من الأعمال الصالحة. فإن ذلك مما يعيننا على الاستقامة في بقية عامنا. واعلموا، عباد الله، أن الله جل وعلا تكرم علينا، وهو الكريم المنان سبحانه وتعالى. وهو يعلم سبحانه، أن الاستمرار على الاستقامة، وعدم وقوع التقصير، من الأمر المحال الذي لا يمكن أن يكون عليه الإنسان. ولهذا بين ربنا جل وعلا، أن الاستقامة قد يكون فيها شيء من الخدش والخلل، ولكن ذلك يزول بالإكثار من الحسنات، والإكثار من الطاعات. كما قال سبحانه: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾. وأرشد ربنا عز وجل، أن التقصير من محل الإنسان، وأمر الإنسان بالاستمرار بالاستقامة، وأن الله جل وعلا يجبر بما كان من إحسان، ما يكون من تقصير. ﴿وَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾. فجمع بين الاستقامة والاستغفار، تنبيهًا وتذكيرًا، أن الإنسان لا يسلم من تقصير، ولكن يجبر ذلك التقصير، يا عبد الله، أن تكثر من الأعمال الصالحة، التي تكون سببًا لجبر ذلكم التقصير. والناس في هذا طرفان، عباد الله. قوم ربما أخذوا سبيل الرجاء، فكان ذلك سببًا في إغواء الشيطان لهم، وموقوعهم واستمرارهم واستكثارهم من الذنوب والمعاصي، رجاءً في رحمة الله، وهم لا يعلمون أن رحمة الله إنما هي قريب من المحسنين. ﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾. وأما من يصر على السيئة، ومن يصر على المعصية، فإن رحمة الله عز وجل بعيدة منه، وليست قريبة منه، بأنها قريبة من المحسنين. ومثل الذي يصر على المعصية، ويستكثر ويستزيد منها، كمثل رجل كما قال ابن القيم رحمه الله: غرس شجرة، وهو لا يزال يمني نفسه أنه يأكلها بعد حين، ويزداد في كل يوم قوة وكبرًا، ويزداد هو بكبر سنه ضعفًا وقورًا. وهذا حال صاحب المعصية، الذي يمني نفسه في التوبة، وهو لا يدري أن شجرة المعصية تكبر في قلبه، وتعظم في شهوته، وأن كذلك همة الإيمان تضعف في قلبه، وتقل في جواره، حتى يكون حاله كحال صاحب تلك الشجرة. وصنف آخر، نظروا بنظر القنوط من رحمة الله عز وجل. نظروا بنظر القنوط من رحمة الله، فشددوا على أنفسهم، وظنوا أن من لوازم الاستقامة، أن لا يقع التقصير البتة. فكان بذلك القنوط من رحمة الله، وربما الانتكاس بعد الاستقامة، والفرار من طريق الطاعة، ظنًّا منهم أنهم لا يستحقون ولا يستطيعون الاستقامة. فصاروا يظنون أن من تمام التبرؤ لله رب العالمين، أن لا يكونوا مع أهل الاستقامة في استقامتهم، لوجود بعض الدخن والتقصير في أقوالهم وأفعالهم. فأخطأوا الله، إذ ظنوا أنه لا مكان لهم بين أهل الاستقامة. ولكن لهم مكان، ويجبر ذلك التقصير، ما يكون من الأعمال الصالحة والحسنات المتتابعة، وكذلك الاستغفار والتوبة باللسان. ففي الصحيحين، من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يقول: «إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من مئة مرة». وفي الصحيحين، من حديث الأغر بن يسار رضي الله عنه أرضاه، أنه كان صلى الله عليه وعلى آله وسلم يتوب إلى الله ويستغفره في اليوم الواحد أكثر من سبعين أو مئة مرة، عليه الصلاة والسلام. يكثر من أن يقول: «اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك». «اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك». فأكثر من قول ذلك، يا عبد الله، على لسانك. حتى يكون لك قدوة أولًا برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فإذا مر ذلك على لسانك، وتكرر على سمعك، وتذكر ذلك قلبك، فلعل ذلك يوافق ساعة حياة في قلبك، فيعين كذلك على توبة النصوح، تستعين بها على الاستقامة والاستمرار بالخير والتقوى. أسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه، أن يجعلنا من عباد المحسنين التائبين المستقيمين المنيبين لله رب العالمين، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين.