الرقية الشرعية

الدرس في الرقية الشرعية، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أهمية العلاج الشامل في الإسلام

يؤكد الشيخ على أهمية الجمع بين العلاج الحسي والمعنوي في الإسلام، حيث دلت الشريعة على استخدام الأدوية والرقى الشرعية. كما أشار إلى أن الله أنزل شفاء لكل داء وأن الأذكار تحفظ المسلم.

ضوابط الرقى الشرعية

يشرح المقطع شروط الرقى الشرعية الثلاثة: أن تكون على وفق الكتاب والسنة، وأن تكون بالعربية وما يفهم معناه، وأن يعتقد الراقي والمرقي أن الشفاء من الله. كما يحذر من الرقى المحرمة والشركية.

التحذير من المخالفات في الرقية والعلاج

يناقش المقطع مخالفات شرعية في الرقية والعلاج مثل الاستعانة بالجن وتعليق التمائم، ويؤكد على أهمية الرجوع لأهل العلم لتجنب المخالفات والابتعاد عن البدع.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إن الله جل وعلا أكرمنا بهذا الدين العظيم، أكرمنا بهذا الدين العظيم الذي جعل الله فيه لنا خير الدنيا والآخرة إن نحن تمسكنا فيه. كما قال سبحانه: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾. عباد الله، ما من صغيرة ولا كبيرة من حياة الناس إلا وفي كتاب الله عز وجل ما فيه الرحمة لهم في عاجلهم وآجلهم، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. ومن ذلك، عباد الله، ما لا يستغني عنه الناس من أمر أديتهم وعلاجهم في أمراضهم. فصح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: «ما أنزل الله من داء إلا وأنزل له الشفاء، علمه من علمه أو جهله من جهله». وفي الحديث الآخر: «ما أنزل الله من داء إلا وأنزل له شفاء، إلا السام -أي الموت-». وفي زيادة: «إلا السام أو إلا الموت والهرم». إن الله عز وجل قد أنزل شفاء لكل داء. عباد الله، أنزل شفاء لكل داء يحتاج الناس إلى استشفائه وإلى دفعه. فلله عز وجل في ذلك حكما وحكما دل الناس عليها بشريعته التي أنزلها على عباده. واعلموا، عباد الله، أن أسباب الداء منها أسباب حسية ومنها أسباب معنوية. فمن الأسباب الحسية ما يكون من التواء الجسد وضعفه، أو ما يكون من تسلط بعض ما يصيبه من خارجه. ومن الأسباب المعنوية ما يكون من تسلط الشيطان وضعف الدين والإيمان، فيورث ذلك أمورًا نفسية وأشياء جسدية تؤثر على صاحبها، فتورث له السقم. فجعل الله عز وجل للأول شفاء وللثاني شفاء. فلهذا كان أحسن ما يستشفى به أن يجمع المرء في علاجه من تلك الأدواء بين ما جعل الله عز وجل من العلاج الحسي والعلاج المعنوي. أما العلاج الحسي، فما يكون من الأدوية النافعة المجربة التي دلت الأدلة الشرعية بخصوصها وعمومها على الاستشفاء بها، مثل ما يكون في بعض الأشجار والأعشاب المجربة، والتي دلت الأدلة الشرعية على الانتفاع بها، كالحبة السوداء والعسل وغيرها مما جاء النص فيه، أو عشر تمر يأكله الإنسان في صباحه، أو غير ذلك مما جاء النص فيه. وما أكثر ذلك بالخصوص والعموم. وهكذا أيضًا أن يجمع مع ذلك ما يكون من الإيمان بالله عز وجل، والصلة به، والعبادة له، وكذلك التحصن بذكره سبحانه وتعالى. فإنه ليس عبد يتحصن بالله جل وعلا إلا وحصّن، وليس عبد التجأ إلى الله جل وعلا إلا وحفظه الله سبحانه وتعالى. ومن ذلك، عباد الله، ما شرع ربنا عز وجل من الصلوات الخمس التي يحفظ بها المرء في دينه ودنياه، في ظاهره وباطنه، في جسده، وكذلك في أعماله. إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر. وقد صح أن هذه الصلاة تحفظ من الأدواء، صح موقوفًا، وكذلك بمجموع طرقه مرفوعًا. وهكذا أيضًا من ذلك الأذكار الشرعية. فجعل ربنا عز وجل وشرع على لسان نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم عددًا من الأذكار الشرعية التي يتحصن بها المسلم من تلك الأدواء الحسية والمعنوية. فمن ذلك أذكار أدبار الصلوات، ومن ذلك أذكار الصباح والمساء، ومن ذلك أذكار النوم والاستيقاظ، ومن ذلك أذكار الدخول والخروج إلى المنزل، وأذكار الدخول والخروج من الخلاء، وأذكار الدخول والخروج من المسجد، وأذكار الأكل والشرب، وأذكار الجماع وإتيان الأهل، وغير ذلك من الأذكار التي يتحصن بها المسلم. والله عز وجل قد أوصى عباده بأن يتحصنوا بهذا الذكر، بأدلة القرآن والسنة. قال سبحانه: ﴿وَإِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. قال العلماء في تفسير هذه الآية: إن من أسباب النصر والقوة ذكر الله جل وعلا. فجمع ربنا عز وجل في مواجهة الأعداء بين سببين اثنين: أحدهما سبب حسي، وهو الثانية سبب معنوي لا يقوم النصر إلا به، ألا وهو ذكر الله جل وعلا، الذي به يقوى المؤمن، وتقوى عقيدته. فعند ذلك يعلم أن ما أصابه لم يخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، ويعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن يضره بشيء فلن يضره إلا بشيء قد كتبه الله عليه، ويعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعه بشيء فلن ينفعه إلا بشيء قد كتبه الله عز وجل. ويعلم أن الله جل وعلا هو الملك الأحد الواحد الفرد الصمد الذي بيده ملكوت السماوات والأرض، وأن الناس فقراء إليه، وهو الغني سبحانه وتعالى. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾. فانظر كيف إذا جمع ربنا جل وعلا في هذا المقام العظيم، مقام مواجهة الأعداء، بين سببين اثنين، جعل الله عز وجل ذكر الله سبحانه من أسباب النصر والفلاح. ومثله، يا عبد الله، أنت لا تستغني عن ذكر الله سبحانه في مواجهة الأدواء والمصائب التي تبتلى وتُمحن فيها. فإن ذكرت الله جل وعلا، أنزل الله عز وجل عليك السكينة واليقين، وقذف في قلبك من الإيمان وصدق التوكل، وصحة اللجوء والإعانة على الخير والطاعة، ما لا يكون إذا لم تذكر الله عز وجل. وهكذا أيضًا، عباد الله، من ذلك الرقى الشرعية التي شرعها ربنا عز وجل على لسان رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فإذا أصابك شيء، فإنك ترقي نفسك بما يسر الله لك من الرقى الشرعية. والرقى الشرعية التي لا تكون شرعية حتى تجمع ثلاثة شروط: الشرط الأول أن تكون بالكتاب والسنة، بما صح في الكتاب والسنة. والشرط الثاني أن تكون باللسان العربي وما يعلم معناه. والشرط الثالث أن تعتقد أنك لا تعتمد على تلك الرقى، بل تعتمد على الله عز وجل في جلب الشفاء والإتيان بالعافية. قال ابن القيم رحمه الله تعالى في «زاد المعاد»: «وأعلم أن الشفاء بالرقى لا يكون ولا ينفع إلا أن يجتمع فيه أمران: شيء عند الراقي، وشيء عند المرقي. فأما الذي عند المرقي: صحة اللجوء إلى الله، وصدق التوجه والإخلاص إليه. وأما الذي عند الراقي: كذلك التعلق بالرقى، أو استخدام الرقى الشرعية». قال: «وكذلك عند الراقي». ومعنى أن ما لم يكن فيه نفع من الرقى، فهو بسبب التقصير في أحد هذين الأمرين، إما أن يكون عند الراقي أو المرقي ضعف في اللجوء وصدق التوكل وإخلاص التوجه إلى الله عز وجل، وإما أن يكون قد استخدم شيئًا ليس بمشروع مما ينافي الشروط الثلاثة المذكورة آنفًا. فإن كان كذلك، فلا يحصل الانتفاع بهذه الرقى، لا يحصل الانتفاع بهذه الرقى بسبب ماذا؟ بسبب تخلف أحد هذين الأمرين. فقد يكون عند المريض صدق التوجه إلى الله عز وجل، وكذلك عند القارئ الراقي، ولكن بسبب استخدامهم لرقى ليست مشروعة، مبتدعة أو شركية، ما أنزل الله عز وجل بها من سلطان، لا يحصل النفع عند ذلك. أو يكون كذلك استخدام رقى شرعية صحيحة، لكن عند الراقي أو المرقي من ضعف الصدق والإخلاص والتوجه إلى الله عز وجل ما لا يكون معه النفع من هذه الرقيات. أما الشرط الأول، عباد الله، أن يكون على وفق ما جاء في الكتاب والسنة. لما ثبت في أحاديث كثيرة. فثبت في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه وارضاه في قوم سألوا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في رقية من العقرب، فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «اعرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرقى». وقال: «من استطاع أن ينفع أخاه فلينفعه». الحديث بمعناه. وفي صحيح مسلم كذلك عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمر أسماء بنت عميس أن ترقي قومًا لما رأى بهم من احتياجهم للرقية، ثم سألته رضي الله عنها وارضاه عن الرقى، فأمرها أن تعرض عليه ما عندها من الرقى. وهكذا ذلك ثبت عند الترمذي وغيره من حديث عمير مولى آل اللحم، بإسناد حسن، حسنه الشيخ العلامة الألباني رحمه الله تعالى، أنه كان يرقي المجانين. قال: «فأتيت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فسألته عن بعض الرقى». قال: «فأجازني في بعضها، ومنعني من بعضها». وفي حديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنه يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لا بأس بالرقى ما لم تكن شركًا». وفي صحيح مسلم حديث عوف بن مالك رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يقول: «اعرضوا علي رقاكم». فهذه الأحاديث، عباد الله، تدل على أنه لا يجوز للمسلم أن يخترع من ذات نفسه رقى إلا أن يعرضها على شريعة الله، أن يعرضها على كتاب الله وعلى سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فما كان مما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة فهو من الرقى الشرعية، وما كان ليس كذلك فهو من الرقى المحرمة التي لا يحصل بها النفع أولًا، والتي قد تكون سببًا للخلل في العقيدة ثانيًا، بما يكون من استحداث الألفاظ التي ربما يكون فيها خلل شرعي. ولهذا كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يأمر بعرض الرقى عليه عليه الصلاة والسلام. وثاني هذه الشروط، عباد الله، أن تكون هذه الرقى باللسان العربي وما يفهم معناه. وبه تعرف أن الرقى لا تكون بغير اللسان العربي، بخلاف الدعاء، يجوز أن تدعو لأخيك بما شئت من الدعاء، ولو كان بغير اللسان العربي. ولكنه لا يجوز أن ترقيه إلا باللسان العربي، لأن الرقى تكون بأسماء الله وصفاته، وآيات القرآن الحكيم، وذكر حديث الرسول الكريم صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الأدعية المأثورة والأذكار المشروعة. فلهذا ينبغي أن تحفظ تلك الأدعية والأذكار والآيات، فتقرأ بنصها. ومن ذلك نعلم، عباد الله، خطأ ما يفعله بعض عامة الناس، وهكذا ما قد يستخدمه بعض المشعوذين والكهنة والعرافين والجهلة من فعل بعض ما لم ينزل الله عز وجل به من سلطان، إما أن يخلطوا مع الآيات أرقامًا، أو ينكسوا الآيات كما يفعله السحرة، ويفعله كذلك المشعوذون والكهنة، ينكسون الآيات، أو كذلك يفرقون أحرف الآيات، أو كذلك يجعلون بين الآيات من الأرقام والأحرف وما لا يفهم معناه من الخطوط، وهو في الحقيقة مما أوحاه إليهم الشيطان الذي لا يعينهم على ما يفعلون إلا بالكفر بالله عز وجل. وكذلك أيضًا طعن في كتاب الله سبحانه. وقد نص العلماء أن مثل ذلك إنما هو من فعل شياطين الإنس والجن الذين يحرفون كلام الله، ويصلون بذلك إلى استخدام الجن فيما يريدون من أفعال. فكذلك من الرقى المحرمة، بل الشركية والكفرية التي حذر منها العلماء. وهكذا أيضًا أن يتعلق العبد بما أنزل الله عز وجل من شفاء، أن الله هو عز وجل الشافي، لا يتعلق بعين الرقى، فضلًا أن يتعلق بالراقي، فيعتقد أنه لا شفاء له إلا عند فلان. ولهذا كان من الخطأ تفرغ بعض الناس للرقى، واتخاذهم ذلك مهنة واتخاذهم ذلك وظيفة، حتى يجتمع عليهم الناس بالعشرات والمئات. فإن ذلك لم يكن من هدي نبينا عليه الصلاة والسلام، ولا من هدي صحابته الكرام رضي الله عنهم أرضاهم. بل ينبغي أن نعلق الناس بكلام الله وكلام رسوله عليه الصلاة والسلام. كل منا يرقي من تحت يديه، ويشفي الله عز وجل. الله هو الشافي سبحانه. وهكذا أيضًا، عباد الله، إذا كان كذلك، فلنعلم أن الواجب على المسلم أن يعتقد أن الشفاء من الله سبحانه وتعالى. فإذا لا يتعلق بالأسباب، ولو كان في بعضها قد حصل الشفاء، ولو كان قد حصل في بعضها الشفاء، لا يتعلق بها ما دامت هي من المنهي عنها شرعًا. فنهى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الذهاب إلى الكهنة والعرافين والسحرة والمشعوذين. ففي حديث بوريرة رضي الله تعالى عنه الذي رواه أحمد وغيره بإسناد حسن، أنه قال عليه الصلاة والسلام: «من أتى كاهنًا وعرافًا وصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد». وفي صحيح مسلم عن بعض أمهات المؤمنين أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «من أتى كاهنًا وعرافًا، لم تقبل له صلاة أربعين ليلة -يعني- ولو أتاه وهو غير مصدق، لأنه يفتح باب الشرك والذريعة إليه». فلأجل هذا كان له هذا الوعيد الشديد، ولو كان غير مصدق. فإن كان مصدقًا، فيكون الحكم ما سبق من أنه كفر بالله عز وجل. قال ابن القيم رحمه الله: «فإنه قد يكون كفرًا أكبر إن اعتقد أن ذلك يملك كشف الغيب، أو ذلك يملك النفع والضر مع الله عز وجل، وذلك من خصوصيات الرب سبحانه. فمن اعتقد ذلك بغير الله، فإنه يكون قد وقع في الكفر». هذا معنى كلامه رحمه الله تعالى. وبه تعلم أيضًا، عباد الله، خطأ ما يستعمله بعض الناس من الأوهام والظنون الكاذبة. فإن بعض الناس لضعف عقيدتهم، وجهلهم بالشريعة الغراء، وكذلك جهلهم بالأسباب الحسية الصحيحة للشفاء، يتعلقون بأسباب لم يجعلها الله عز وجل أسبابًا. ما تدري إلا والناس أحيانًا يذهبون إلى المكان الفلاني، زعمًا منهم أنه اكتشفت هناك شجرة فيها الشفاء، ومرة إلى عين أخرى، ومرة يؤتى لهم بشيء يسمى «لحمة»، ومرة يؤتى إليهم بشيء آخر يقال له «ورقة» فيها كذا وكذا، تبل وتشرب، ونحو ذلك من الخرافات والظنون والأوهام الكاذبة التي لا تخرج إلا من ضعف دينه وجهل في شريعة الله عز وجل. فالله، عباد الله، بما علمتم من دين الله عز وجل، والاستمساك بأمر الله وأمر رسوله عليه الصلاة والسلام. أسأل الله عز وجل بمنه وكرمه أن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، عباد الله، وإن مما يذكر من المخالفات الشرعية التي يفعلها بعض الناس كذلك في أمر الرقاة ما يفعله بعض الناس من طرق محدثة ما أنزل الله عز وجل بها من سلطان، وهي مخالفة لما ذكره العلماء وأجمعوا عليه. فقد نقل السيوطي رحمه الله تعالى إجماع أهل العلم من أهل الإسلام أن الرقاة لا تكون شرعية إلا بثلاثة شروط: الشرط الأول كما سمعنا أن تكون بأسماء الله وصفاته، أي بما شرع مما في الكتاب والسنة. والشرط الثاني أن تكون باللسان العربي وما يفهم معناه. والشرط الثالث أن لا يعتمد على ذلك، بل يعتمد ويلتجئ إلى الله عز وجل. فإذا علمنا ذلك، فما أكثر البدع والمحدثات، بل والشركيات والكفريات التي يستخدمها الناس في الرقاة، وهي ليست من دين الله عز وجل. فمن ذلك ذهاب بعض الناس إلى بعض من يدعي أنه يعالج بالكتاب والسنة، ثم يجزم أنه يستعين بالجن، وأن الجن يعينونه في الشفاء، فيفتخر بذلك ويجهر به. وجهل أن ذلك من استدراج من استدراج الجن له، إذ أنهم بهذا يضلونه ويضلون أممًا كثيرًا. وقد نص غير واحد من أهل العلم أن فعل ذلك مما لا يجوز شرعًا، لما في ذلك من تتبع الشر والفتنة على نفسه وعلى الناس، فضلًا عما يكون غالبًا من وقوعه في المخالفات الشرعية، وفي استدراج الشياطين مما يكون من الشرك الأصغر أو الأكبر. فما أكثر ما نسمع أن هؤلاء يطلبون أشياء ما أنزل الله عز وجل بها من سلطان، بل يدعون أشياء كذلك هي مخالفة للشرع والحس والمعقول والمنقول. فمن ذلك أنهم يجزموا أن الذي يقرأ عليه يصور له الجن صورة المعيون، وذلك مما لم يعرف في الكتاب والسنة، ومما كذلك يكذبه الحس. فإن المرأة قد تكون بينها وبين بعض الناس عداوة، فقد يتخيل بعض الناس في ذهنه وخاطره، فيظن أن ذلك هو الذي عانى، وليس الأمر كذلك. فهو مما يوقع الشحناء والبغضاء، بل ربما كذلك ولا يأمن أن يكون هذا الجن يصور له صورة من يريد فتنته به، فيكون بذلك الفتنة حتى يأتي بعض الناس فيرى أن الذي فتنه أو أن الذي سحره أو أن الذي عانى ربما زوجته أو ربما زوجها أو ربما أباه أو أمه، وكل ذلك من الفتن التي يريدها الشيطان ببني الإنسان. وهكذا أيضًا من ذلك ما يفعله من عرض الماء على الناس، فيقولون: «انظر إلى هذا الماء، فانظر تنظر صورة من». أو كذلك ما يجعل له من أوراق، فتخلط ببعض الأشياء، فيشرب، ويؤمر بشربها، ثم يقال له: «تخيل وتصور ترى من». وكل ذلك من الرجم بالغيب، ومن التخرص، ومن الغيب الذي لا يعلمه إلا الله سبحانه. والله سبحانه يقول: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾. فمن هذا الذي يتجنى ويزعم أنه يعلم شيئًا من الغيب؟ وإنه لا يكون إلا من الجهلة والمشركين والمشعوذين وأمثال هؤلاء. وثبت ذلك، عباد الله، من هذه المخالفات التي تفعل ويفعلها كثير من الناس، ما يفعلونه من الختم على الجسد ببعض الآيات القرآنية، ربما صار لبعضهم أختام فيها بعض الآيات القرآنية، وفيها بعض الأذكار، فيختمون على موضع الألم، ويظنون أن ذلك يكون به الشفاء. أو كذلك يبلون بعض المكتوب، فيخلطونه بالماء، فيشرب، فيظن أن في ذلك الشفاء. وكل ذلك من البدع والمحدثات. وهكذا أيضًا ربما ما يفعل من وضع بعض التمائم التي تعلق على العنق، أو تعلق على الخاصرة، أو تعلق على العضو، أو على غير ذلك. كل ذلك مما نهى عنه. ففي حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه الذي رواه الإمام أحمد وغيره أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إن الرقى والتمائم والتولة من الشرك». ومعنى ذلك أن الرقى إذا لم تكن شرعية، فإنها تكون من الشرك، ولا تكون شرعية إلا بما سمعنا من الشروط الثلاثة المذكورة. وهكذا أيضًا التمائم، وهو ما يعلق في العنق، أو ما يعلق على الخاصرة، أو ما يعلق على العضو، بأي صورة وكيفية، سواء كان من جلد، أو كان من ورق، أو كان من خرق، أو كان كذلك من خشب، أو كان من ودع، أو كان كذلك من حديد، أو صفر، أو نحاس، أو وتر، أو حبال، أو غير ذلك. كل ذلك من التمائم المحرمة، بل على القول الصحيح، سواء أكانت فيها شيء من القرآن أو لم يكن فيها شيء من القرآن، فكل ذلك من المحرم، لعدم التفصيل فيه عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولم يصح في حديث صحيح، ولا عن أحد من الصحابة بسند صحيح صريح أنه أجاز ذلك، ولو كان من القرآن. وعلى هذا، فلا يجوز تعليق المصحف، أو بعض الآيات في العنق، ضمن أن ذلك يحفظ صاحبه. ولا كذلك تعليقه في البيوت، أو كتابته في ستة الأبواب، أو كذلك كتابته في رؤوس، وفي أطواف السيارات، أو غير ذلك. فكل هذا مما يقوم بمعنى التمائم المحرمة التي نهى عنها. والأحاديث بهذا الباب كثيرة، ويكفي بذلك ما سمعناه من حديث عبد الله بن مسعود. وهكذا أيضًا التولة، وكل ما يظن أنه يحبب المرأة إلى زوجها، والزوج إلى زوجته، مما يستخدمه الناس قديمًا وحديثًا، سواء بأذكار أو أفعال. كل ذلك محرم، لا يجوز، من أفعال الجاهلية. فقد كان أهل الجاهلية يزعمون أن هناك رقى يحبب به المرأة إلى زوجها، أو الزوجة إلى زوجها. وهذا ليس من دين الله عز وجل. وهكذا أيضًا بعض الأفعال ما يفعله بعض الناس، إما كسر بيضة قبل دخول البيت، أو رش الملح على أطراف الغرف، أو غير ذلك مما يفعله عامة الناس. كل ذلك من البدع والمحدثات. وبهذا تعلم، أخي المسلم، أن المخالفات الشرعية التي يقع فيها الناس هي كثيرة، وأنه لا يمكن الإنسان أن يسلم منها إلا بالرجوع إلى أهل العلم، وقراءة كلام أهل العلم، وتفاصيل فتاوى أهل العلم الراسخين من أهل الكتاب والسنة. وبه تسلم مما يفعله الكثير من الجهلة، فضلًا عمّن في المجتمع من أهل الشرك، والعياذ بالله. نسأل الله عز وجل أن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين.