بدعة المولد والتحذير من المظاهرات والإعتصامات

الدرس في بدعة المولد والتحذير من المظاهرات والإعتصامات، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

التحذير من الابتداع في الدين

الدرس يحذر من الابتداع في الدين واتباع أهواء اليهود والنصارى، ويؤكد على اكتمال الدين الإسلامي. يحث على التمسك بالدين كما جاء به النبي دون زيادة أو نقصان.

خطورة البدع والاحتفال بالمولد النبوي

يتناول الدرس خطورة البدع والاحتفال بالمولد النبوي، ويبين أن هذه الممارسات ليست من دين الله. يشير إلى ما في هذه الاحتفالات من شركيات واستغاثات بغير الله.

اتباع الشريعة في المطالبة بالحقوق

ينبه الدرس إلى خطورة اتباع أساليب الكفار في المطالبة بالحقوق، ويؤكد على أهمية اتباع الشريعة الإسلامية. يجب على المسلمين طاعة ولاة الأمور بالمعروف والصبر عليهم لتحقيق العاقبة الحسنة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهدِ الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمدٍ صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. عباد الله، إن الله جل وعلا قد أكمل لنا دينه وشرعه، أكمل لنا دينه وشرعه سبحانه وتعالى بما لا مجال لأحدٍ أن يزيد فيه، كما أنه لا يجوز لأحد أن ينقص منه. وهو القائل جل وعلا: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾. نعم، عباد الله، إن الله سبحانه وتعالى قد أنزل علينا من شريعته ودينه ما استوفى به حاجة الناس في دينهم ودنياهم. كيف لا والله سبحانه وتعالى يقول في كتابه الكريم: ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾، ويقول نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما روى الإمام مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه: «ما بعث الله من نبي إلا كان حقًا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وأن يحذرهم من شر ما يعلمه لهم». فإن الله جل وعلا، عباد الله، ما بعث من نبي إلا وهو سباء وتعالى قد جعل في مبعث ذلك النبي وجعل في شريعة التي أرسل بها ما فيه حاجة الناس، بما لا حاجة لهم أن ينقصوا منه أو يزيدوا فيه. وهو سبحانه وتعالى الذي خلق الخلق، أعلم ما يصلحهم، أعلم بما يصلحهم سبحانه وتعالى. وهو القائل: ﴿ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير﴾. فإذا علمنا ذلك، عباد الله، فلنعلم أنه لا يجوز لمسلم استسلم لدين الله سبحانه وآمن بالله ربًا وبنبينا محمد صلى الله عليه وسلم نبيًا وبدين الإسلام دينًا أن ينتقص من دين الله جل وعلا من شيء، كما أنه لا يجوز له أن يزيد في دين الله جل وعلا من شيء، ولو كان هذا الشيء فيما ظنه حسنًا. فإنه ليس في دين الله سبحانه وتعالى حسن. ولهذا قال نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». وجاء عنه عليه الصلاة والسلام في رواية لهذا الحديث بصيغة مسلم أنه قال: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد». ولهذا صح عن الصحابة الأخيار رضي الله تعالى عنهم أرضاهم، وهم أعلم الناس بشريعة الله وأتقاهم لله وأحسنهم تطبيقًا لدين الله سبحانه وتعالى: صحة عنهم الأثار الكثيرة المتكاثرة المتوافرة في تأكيد هذا المعنى، وأمر الناس بلزوم هذا المبدأ وهذا الأصل العظيم من أصول هذا الدين. فعن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه أرضاه أنه كان يقول: «من ابتدع في الإسلام بدعة فهي ضلالة، وإن رآها حسنة». أو قال: «كل بدعة ضلالة، وإن رآها الناس حسنة». وصحة عن الإمام مالك رحمه الله تعالى، كما روى ذلك ابن الماجشون، قال: سمعت أبا عبد الله يعني الإمام مالك رحمه الله تعالى قال: «من ابتدع بدعة فرآها حسنة فقد اتهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالخيانة». إن الله جل وعلا يقول: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾، فما لم يكن يومئذ دينًا فلا يكون اليوم دينًا. انظروا إلى هذا التأصيل الأصيل الذي فهم واستنبط، وهكذا كذلك علما من أصول هذا الدين العظيم من كتاب الله وصحيح سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وما نقل عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم أرضاهم. بل إن الذي يزيد في دين الله جل وعلا يكون من الساعين لتغيير هذا الدين وتبديله، فيسلك بذلك سنة اليهود والنصارى الذين غضب الله عز وجل عليهم ولعنهم بسبب صنيعهم ذلك. ولهذا حذر ربنا جل وعلا من سلوك سبيلهم والسير بسيرهم والأخذ بطريقهم. قال الله جل وعلا: ﴿أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله﴾. أتعلمون ما هذا التشريع؟ إنه التحليل والتحريم والزيادة أو النقصان بغير إذن من الله سبحانه وتعالى. كما قال سبحانه عن بعض أولئك من علماء السوء والضلال في أهل الكتابين اليهود والنصارى: ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله والمسيح بن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدًا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون﴾. وفي السنن بإسناد حسن عن عدي بن حاتم رضي الله تعالى عنه، وكان ممن كان على دين أهل الكتاب، قال: يا رسول الله، والله ما عبدناهم. فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ألم يكونوا يحلون لكم الحرام فتحلونه، ويحرمون عليكم الحلال فتحرمونه؟» قال: بلى يا رسول الله. قال: «فتلك عبادتهم إياهم». وصح عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى أنه كان يقول: «من استحسن فقد شرع». فمن استحسن شيئًا في دين الله سبحانه فإنه يكون ممن يشرع. وما طمع عباد الله أعداء هذا الدين بشيء بمثل طمعهم أن ينحرف وأن ينصرف الناس عن دين الله جل وعلا الحق الذي أنزله من فوق سبع سماوات، إما بإخراج أهل الإسلام من دين الإسلام بالمرة، فيكونوا يهودًا أو نصارى أو يكونوا لا دينيين علمانيين أو وثنيين أو غير ذلك ممن لا دين له ولا ملة. وإما أن ينقصوا من دين أهل الإسلام ما استطاعوا. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم﴾. وقال: ﴿وإن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير﴾. ويقول الله سبحانه في كتابه الكريم: ﴿ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء﴾. فإن أهل الكتاب واليهود والنصارى وأعداء الدين عمومًا يطمعون طمعًا عظيمًا، ويسعون سعيًا حثيثًا على أن يصرفوا ويحرفوا أهل هذا الدين العظيم الذي أكمل الله عز وجل لهم النعمة وأتم لهم الدين ورضي لهم الإسلام دينًا. يطمعون أن ينصرفوا عن هذا الخير والهدى الذي أنزل وبعث به رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إليهم. ولهذا فهم يحرصون من قديم الزمان على إيقاع البدع والضلالات في أهل هذا الدين. فانظروا إلى أنواع البدع التي أحدثت في أهل الإسلام، إنها ما أحدثت إلا بأصابع خفية من أصابع أعداء هذا الدين. فبدعة الرافضة أول ما أحدثت أحدثت بذلكم الرجل اليهودي اليمني الذي يقال له عبد الله بن سبأ. وهكذا كذلك ما بعده من بدع، فإن أكثر من ألصقها وأكثر من وضعها من له علاقة بأعداء هذا الدين من يهود أو نصارى أو كذلك أهل فارس والروم وغيرهم من أعداء هذا الدين. ولهذا حذر نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الاستجابة لهم والسير بسيرهم، حفاظًا على دين الله سبحانه. قال عليه الصلاة والسلام: «خالفوا المشركين» كما في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر. وقال عليه الصلاة والسلام، كما في مسند الإمام أحمد وفي بعض السنن عنه رضي الله عنه وأرضاه: «من تشبه بقوم فهو منهم». وهكذا كذلك في الصحيحين من حديث أبي هريرة، وهكذا بمعنى من حديث أبي سعيد. يقول نبينا عليه الصلاة والسلام: «لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه». قالوا: آل يهود والنصارى يا رسول الله؟ قال: «فمن إلا هم؟». وفي رواية: «فارس والروم». فقال عليه الصلاة والسلام بمعنى ما قال. فحذرنا عليه الصلاة والسلام من سنة هؤلاء، ومن البدع والضلالات عمومًا. وما أكثر البدع والضلالات، عباد الله، التي أدخلت في هذا الدين، ودين الله جل وعلا منها براء. فإن الواجب على أهل الإسلام أن يكتفوا بما كان عليه رسولنا صلى الله عليه وعلى آله وسلم عقيدة وعبادة ومعاملة وأخلاقًا وسلوكًا. فإن الأول لم يدع للآخر مقالًا. عباد الله، فإذا كان كذلك، فكل بدعة تعرض على الناس وتمر على الناس بمرور الأيام والليالي والشهور والأعوام والمواسم والمناسبات، فيجب أن تعرض على كتاب الله وعلى سنة رسوله عليه الصلاة والسلام، وما كان عليه صحابته رضي الله عنهم وأرضاهم. فما كان من دين الله عز وجل بما كان كذلك أخذ، وما لم يكن فإنه يرد. ورحم الله الإمام أحمد رحمةً واسعة إذ يقول: «أصول السنة عندنا الاقتداء بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ومتابعتهم، وترك البدع». من أراد أن يعرف نفسه أين هو من دين الله جل وعلا فلينظر أين هو من متابعة أصحاب رسول الله رضي الله عنهم أرضاهم. أين هو من توقفه عند حدود الله بما جاء في كتاب الله وما جاء في سنة رسوله عليه الصلاة والسلام؟ وإنه يدور علينا بين الحين والآخر الإنكار على عدد من البدع والمحدثات التي تفشت في المجتمعات المسلمة، والكثير من الناس يجهل أنها من البدع والضلالات، أو أن بعضهم قد علم ذلك ولكنه ربما ظن أن الأمر في ذلك سهل. فصاحبه بين الأجر والأجرين أو بين كذلك الحسنة وعدمها. وليس الأمر كذلك، عباد الله. ولكن هذه البدع، عباد الله، معول هدم لدين الله جل وعلا. فإن الناس لو تركوا وبدعهم وضلالاتهم لأفسدوا دين الله سبحانه وتعالى. انظروا، عباد الله، لو أن الناس استحسنوا، فزاد هذا في صلاة الظهر ركعات، وأنقص هذا، وزاد آخر بصلاة الفجر، وآخر في صلاة العصر، وهكذا فعلوا بدين الله جل وعلا وأحكام شريعة الله، ماذا يحصل لهذا الدين؟ إنه لا يمر عليه الليل والنهار إلا ولا يعرف الصواب من الخطأ، ولا كذلك الحق من الباطل، والهدى من الضلال، بذهاب العلم وأهله. وهذا هو الذي وقع، هذا هو الذي وقع عند اليهود والنصارى. أحدثوا في دين الله البدع والضلالات حتى لم يميزوا ولم يعرفوا بين الحق والباطل والهدى والضلال والصواب والخطأ. فلنحذر، عباد الله، من البدع جميعًا، صغيرها وكبيرها. ولنعلم أن خطورة البدع كخطورة التغيير والتبديل لدين الله جل وعلا الذي استوجب الكبر ولعنة الله وغضبه سبحانه وتعالى على أهل الكتاب. فإن البدع بقدر كبرها وصغرها، فإنها متى ما كانت كبيرة أو صغيرة يكون من الجرم ويكون من العظم بقدر ذلك الكبر وذلك الصغر. فالحذر الحذر، عباد الله، من البدع ولو ظننتها صغيرة. فإنها تبدأ صغيرة ثم تعود كبيرة. أعاذنا الله جل وعلا وإياكم منها. ومن هذه البدع والضلالات، عباد الله، ما يفعله كثير من الناس في هذا الشهر مما يسمى بالاحتفال بالمولد النبوي. إن هذه البدعة بدعة، ما أنزل الله بها من سلطان. لم تكن في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، ولا كانت عند صحابته، ولا كذلك عند التابعين، ولا أتباع التابعين، ولا أحد من أئمة المسلمين المهديين المعروفين. لا عن الأئمة الأربعة، ولا على من بعدهم. وإن ما أحدثها كما قال ذلك باتفاق أهل العلم ما أحدثها من بنو القداح، بنو القداح الذين أحدثوا في دين الله عز وجل عددًا من البدع والضلالات. بل إن بعضهم اتهمهم في ديانتهم، اتهمهم في ديانتهم، وأنهم دخلوا في دين الله دسيسة يريدون إفساد هذا الدين. وقرأوا تاريخ هذه الدولة، دولة بني القداح التي يقال لها بالفاطميين أو الدولة الفاطمية في مصر وما جاورها. فإنها أحدثت في دين الله عز وجل من البدع والضلالات، وحولت هذا الدين من عبادات ومعاملات واستجابة لأمر الله ورسوله إلى احتفالات وأعياد، كحال اليهود والنصارى الذين غيروا وبدلوا دين الله سبحانه وتعالى. ثم انظروا بعد ذلك، عباد الله، إلى ما في هذا المولد من الضلالات والبدع، بل والشركيات والكفر بالله سبحانه وتعالى. ففيه استغاثات بغير الله جل وعلا. والله جل وعلا أمرنا بعبادته وحده سبحانه وتعالى. قال سبحانه: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾، ويقول سبحانه: ﴿ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون﴾. ثم اسمعوا إلى هؤلاء وهم يقولون في تلك الموالد من تلك الاستغاثات الشركية أحيانًا يستغيثون بالرسول الكريم صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهو رسول الله وعبد لله جل وعلا، ليس ربًا يدعى ولا يرجى، ولكن الله وحده هو الذي يعبد ويرجى. فتارة يقولون في تلك الأشعار كما في مولد ابن الديبع، وهو من أشهر موالدهم: «يا رسول الله بادر بادر بالاستجابة وكشف السرائر». وهكذا يقول قائلهم: «استشفعوا بالرسول استشفعوا بالرسول الكريم». وهكذا كذلك في تلك الأشعار: «غارة يا عيدروس في عجل لا تمهلي». وغير ذلك من العبارات والاستغاثات الشركية التي فيها الشرك الصراح. فهل يجوز لمسلم بعد إذ علم هذا أن يرضى بمثل هذه الموالد وما فيها من الشرك والكفر الصراح؟ عانا الله من ذلك. مع ما فيها من البدع والضلالات الأخرى. ففيها من الأحاديث الموضوعة والمكذوبة الشيء الكثير. ومنها زعمهم أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليس من البشر، وأنه خلق من نور الله، وغير ذلك من الأحاديث المكذوبة والموضوعة. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الأحاديث الكثير المتواترة أنه بشر كسائر البشر، ولكن الله سبحانه وتعالى رفعه بالرسالة وخصه بمكارم الأخلاق وخصال الخير الكثير. وهكذا ربنا جل وعلا يقول بكتابه آمرًا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يدعو الناس: ﴿إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي﴾. فأين هؤلاء من كتاب الله وسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ وهكذا كذلك ما يصاحب ذلك من الضرب بالدفوف، وربما كان معه شيء من الهز مما هو ليس من دين الله، بل هو من سنة اليهود والنصارى. ومما أحدث في زمن الأئمة وأنكره الأئمة شد الإنكار. فصح عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى أنه قال: «تركت قومًا في العراق أحدثوا التغبير وسميتهم زنادقة بما أحدثوا». وذلك من الأناشيد التي كانوا يستخدمون معها آلات اللهب والطرب. فإنها ليست من سنة أهل الإسلام، ولكنها عرفت عن اليهود والنصارى الذين يتعبدون لله بتلك الأناشيد والتوشيحات. وها أنتم تسمعون وترون أو يرى أو رأى بعضكم ما عليه أولئك عبدة عيسى عليه الصلاة والسلام أو عزير من اليهود والنصارى. كيف أنهم يتعبدون لله بالتوشيحات والأناشيد وآلات اللهب والطرب؟ وليس هذا في دين الله عز وجل. وأعظم من ذلك أنهم ربما جعلوا تلك في بيوت الله. والله جل وعلا أمر بتعظيمها، وأمر بأن ترفع ورفعتها بذكر الله جل وعلا، لا بالضرب بالطبول أو ضرب الدفوف أو اتخاذ آلات اللهب والطرب. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه﴾. فرفعتها بذكر اسمه وعبادة الله جل وعلا له، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. ويقول سبحانه: ﴿ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب﴾. فأين هؤلاء من تعظيم شعائر الله وهم يفعلون هذا في بيوت الله؟ وأعظم من ذلك أنهم ربما صاروا يجمعون بين الحقيقة والخيال، وبين الواقع والخرافة. فانساق لهم الكثير من الناس جهلًا وتقليدًا أعمى. فربما رأيتم بوسط المولد يقومون جميعًا، ثم يحيون زعمًا منهم الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأنه يدخل عليهم في مولدهم ذلك. فانظروا إلى هذه الخرافة. ورسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد أخبر أنه بقبره عليه الصلاة والسلام، وأنه ما من مسلم يسلم عليه إلا وملك يأخذ تسليمه إليه فيبلغ إياه. فإذا كان عليه الصلاة والسلام لا يسمع صوت من يسلم عليه، فكيف بمن يدعي أنه يحضر إليه ويصافحهم ويجلس مجالسهم؟ فإن هذا عين الخرافة. وهكذا كذلك بدع وضلالات كثيرة، عباد الله. لكن المقام مقام التحذير من أصل هذه البدعات. فإذا علمنا ذلك فلنعلم معه أن أعداء الدين مما يفرحون به انتشار مثل هذه البدع والضلالات، ووجودها في المجتمع. حتى يكون الناس في بعد عن الدين الحق الذي أراده الله سبحانه وتعالى، والتي به تكون القوة والظفر عليهم. ولهذا فهم من قديم الزمان وهم يؤيدون هذه البدع ويمدونها بالمال، ويؤيدونها بالسلطان. لعلمهم أن الدين لا ينصر ببدعة، ولعلمهم أن الدين الحق الذي يكون به الظفر عليهم إنما هو الدين الذي يؤخذ من كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام. ولهذا تجد أكثر هؤلاء الذين أحدثوا في دين الله عز وجل هذه البدع. تجد غالبيتهم ممن لم يعرفوا السنة. وصدق حسان رضي الله عنه وأرضاه إذ يقول: «ما أحدث الناس من بدعة إلا وأميتت فيما يقابلها سنة». فإن البدع لا تحدث إلا وتموت السنة. ولهذا تجد هؤلاء يستغلون بهذه الأذكار وهذه البدع والضلالات عن دين الله جل وعلا الحق. ربما بعضهم لا يصلي، ربما بعضهم لا يصوم، ربما بعضهم لا يعرف المساجد، ولا يعرف طاعة الله سبحانه. لكنه في يوم المولد يتصدق بالصدقات، وشارك في هذا المولد، ظنًا منه أن ذلك يغفر له ويرفعه عند الله سبحانه وتعالى. وهذا هو عين ما أراده الشيطان وأعداء هذا الدين. نسأل الله جل وعلا السلامة والعافية، إنه ولي ذلك والقادر عليه. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، عباد الله، إذ علمنا ما علمنا من وجوب الاستمساك بدين الله جل وعلا الحق عقيدةً وعبادةً ومعاملةً وخلقًا وسلوكًا، فيجب أن نعلم أن كل ما ليس من دين الله فيجب أن يترك مهما كان ذلك الشيء. وأن الدين لا يعرف بالعواطف، ولا يعرف بالأهواء، ولكن يعرف بالحجة والبرهان. يعرف دين الله سبحانه بالحجة والبرهان، كما قال سبحانه: ﴿اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء﴾. وهكذا إذا علمنا أن أعداء الدين أعظم ما يطمعون به هو صرف أهل هذا الدين عن دينهم، فلهذا هم حريصون أشد الحرص على أن يوجدوا في المجتمعات المسلمة من البدع بأنواعها ما يصرفون الناس عن دين الله سبحانه. ومن ذلك، عباد الله، بدع أخرى مما استحدثت من الشرق والغرب، وأوجدت في بلاد أهل الإسلام. فجعلت فيهم كأنها حلولا يتوصل بها إلى بعض مقاصدهم دينا أو دنيا. وليس الأمر كذلك. فإن الله جل وعلا، عباد الله، لا ينصر أهل الحق إلا بالحق. والواجب على المسلم أن يستمسك بدين الله جل وعلا الحق الذي أمر الله سبحانه به وأذن فيه. وما لم يأذن فيه فلا يجوز للمسلم أن يتجاسر على الإقدام عليه، ولو ظن أن فيه نصرًا أو فيه تأييدًا أو فيه ظفرًا. فقد أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن الله جل وعلا أرسل إليه جبريل فأخبره، فقال: «إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها». فيا عباد الله، أجملوا في الطلب. فإن ما عند الله لا ينال بالحرام. إن ما عند الله لا ينال بالحرام. من أراد ما عند الله فليتوصل إليه بطاعة الله. ومن ذلك، عباد الله، ما نراه قد استفحل وانتشر في المجتمع المسلم، هذا في مجتمعنا هذا، وفي مجتمعات مسلمة أخرى كثيرة. من تلك الحلول التي يظنونها أنها حلولا لبعض الأزمات التي تمر ببعض الناس. وليس كذلك. فيظنون أن المظاهرات، وأن الاعتصامات، وأن الإضرابات من الحلول التي يتوصل بها إلى الحقوق. وليس الأمر كذلك. بل هي في الحقيقة دسيسة من دسائس أعداء هذا الدين. دسوها في المجتمعات لأجل أن يستفيدوا منها، فيكون في ذلك تأليب المجتمعات بعضها على بعض، فيكون الشر والفوضى وضياع الأمن، وحصول الشر الذي لا ينقضي بعد ذلك. فينبغي أن نتفطن، عباد الله، لهذه الأساليب الماكرة التي يستخدمها أعداء هذا الدين. ولا نغتر بأن طائفة توصلت إلى حق من الحقوق بهذه الطريق قريبًا أو بعيدًا. فإن ذلك لا يحلل الحرام. ولا كذلك يجوز لمسلم أن يفعل ذلك. فإن الواجب على المسلم أن يترك سبل الكافرين. فليس بكتاب الله، ولا في صحيح سنة رسول الله، ولا عن أحد من السلف من الصاحابة والتابعين، ومن تبعهم من أئمة الدين المهديين. أن شيئًا من ذلك من دين الله، لا المظاهرات، ولا الإضرابات، ولا الاعتصامات. بل كل ذلك إنما أحدث في الأزمنة المتأخرة. أحدثها بعض أعداء هذا الدين، وربما كذلك بعض الجهلة من المسلمين، تقليدًا لأعداء هذا الدين. ولا يعمي ذلك، عباد الله، أننا ننكر المطالبة بالحقوق، وأننا كذلك نقف حجر عثرة أمام العدل وعدم الظلم. بل العدل يطلبه كل مسلم، ولكن بما في كتاب الله، وما في سنة رسوله عليه الصلاة والسلام. والظلم ظلمات، لا يرضى به أحد، لا يرضى به أحد منصف، فضلًا عن من عرف دين الله جل وعلا، وعرف ما في كتابه وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام. ولكن كما سبق، الواجب على المسلم الاستسلام لشرع الله. وأنه لا يتوصل إلى هذه الحقوق إلا بالحلول الشرعية، من المناصحة والمكاتبة والمشافهة، وإتيان أهل الحل والعقد إلى ولاة الأمور، بما يكون به التوصل إلى الحلول السديدة السليمة، والسليمة الآمنة، البعيدة من الشغب، البعيدة من ذرائع الفتنة. فإن هذه الخصال الثلاث، وغيرها مما يعد أعداء هذا الدين، هي بمثابة المتفجرات المؤقتة التي تفجر بها هذه الملل الكافرة الأوضاع في بلاد المسلمين وغيرها. فمتى ما أرادوا حولوا المظاهرة السلمية إلى مظاهرة دموية، ومتى ما أرادوا حولوا هذه الاعتصامات إلى انقلابات وفوضى سياسية، ومتى ما أرادوا حولوا هذه الإضرابات إلى سيل عار فيه المعارضة لولاة أمر المسلمين، والخروج عليهم. وليس هذا من دين الله، بل إن دين الله جل وعلا يأمرنا بطاعة ولاة الأمور، وإن جاروا وإن ظلموا. وأن نصبر عليهم، فإن الصبر عليهم يكون فيه العاقبة الحسنة لأهل هذا الدين. فإن وجود ولي الأمر المسلم مع ظلمه خيرًا لهم من الفوضى التي تكون بذهاب السلطة المسلمة، وبتسلط أعداء هذا الدين. فإن أعداء هذا الدين، عباد الله، يطمعون أن تكون بلاد المسلمين جميعًا كمثل الصومال، وكمثل العراق. فإنهم يتحينون الفرص، فيثيرونها ثورات، ويثيرونها ذرائع فتنة. فإذا رأوا ذلك في بلد من البلاد، حاولوا اختلاق المشاكل والفتن، وتهييج الشعوب الجاهلة. فينبغي للعقلاء أن يعتبروا، وأن ينظروا. لو لم يكن إلا درء المفاسد، وما أمر الله جل وعلا به في كتابه، وفي سنة رسوله عليه الصلاة والسلام، من هذا الأصل العظيم. فإن المفاسد تدرأ، ويرتكب الأخف في درء الأشد. وهكذا المصالح يتتبع الأعلى. فإن المطلوب الشرعي هو ليس فقط اجتناب الشر، ولكنه اجتناب شر الشرين. وهكذا كما أن المطلوب الشرعي ليس الوصول إلى الأصلح، ولكن أصلح الأصلحين، وخير الخيرين. فإن ذلك هو الذي أمر به بكتابه، وفي سنة رسوله عليه الصلاة والسلام. وليقل أن قائل: إن ولاة الأمور قد أذنوا بذلك. فيقال: إنما الطاعة بالمعروف. ولو كان بعض المسؤولين جهل العاقبة، وجهل الحكم الشرعي. فلا يجوز لنا أن نتابعه بمعصية الله. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما في صحيح مسلم وغيره عن علي رضي الله تعالى عنه: «إنما الطاعة بالمعروف». فحذاري، عباد الله، ويا أهل الإسلام، أن نثيرها فتنة في المجتمعات المسلمة. وأعداء هذا الدين يتربصون بنا الدوائر. فإنهم يطمعون الطمع الشديد أن تكون فتنة في أي بلد من البلاد الإسلامية، فيدخلون فيها ويجعلونها كما سمعتم كما حصل في العراق أو الصومال. نسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه أن يلهمنا رشدنا، وأن يرينا الحق حقًا يرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلًا يرزقنا اجتنابه. إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين.