الخطبة بعنوان افتقار الأنام لشريعة الإسلام، وكانت بمسجد الأمة بمدينة امستردام بهولندا ٢٥ جمادى الآخر ١٤٣٥هـ ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
الخطيب يحث على التأمل في نعم الله ويبين أهمية شكرها، خاصة نعمة الإيمان والإسلام. يُؤكد على أهمية الفرح بنعمة الدين والتوفيق للعمل به.
الله يبتلينا بالخير والشر، فمن يتبع هداه يعيش حياة طيبة، ومن يعرض عن دينه يعيش حياة ضنكا. الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
النص يحذر من الغلو والإرهاب ويؤكد على أهمية التمسك بالكتاب والسنة واتباع سنة النبي وصحابته. البركة مع الأكابر من العلماء الراسخين.
يتضمن المقطع دعاء للشباب والفتيات بالصلاح والتمسك بالدين، كما يدعو للأباء والأمهات بالصلاح وهداية الأبناء. يطلب الدعاء بالعفة والعفاف.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعود بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ۞ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. إن الله جل وعلا أنعم علينا بنعمة عظيمة، نعمة الإيمان والإسلام والتوفيق لسنة النبي عليه الصلاة والسلام، فهي أعظم نعم الله جل وعلا. وقد أنعم الله سبحانه وتعالى بنعم كثيرة لا تعد ولا تحصى، وهو القائل سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾، وهو القائل سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾. تأملوا وتدبروا، عباد الله، ما أكثر ما أنعم علينا سبحانه وتعالى من نعم كثيرة لا تعد ولا تحصى، فهي لكثرتها نعجز عن عدها، فرض علينا أن نشكر الله سبحانه وتعالى فيها. وإن أعظم ما أنعم به علينا، عباد الله، ما أنعم علينا من نعمة الإيمان والإسلام والتوفيق لسنة النبي عليه الصلاة والسلام، هذه النعمة الحقيقية التي بها فوز الدنيا وفوز الآخرة. ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾، إذا كان الإنسان الصناع إذا صنع آلة فهو أعلم بما يصلحها وأعلم بما يضرها، فكيف بهذا الإنسان المخلوق الذي خلقه الله عز وجل في أحسن تقويم؟! كيف يمكن للإنسان أن يصلح حال نفسه وهو عاجز أن يعلم غيب يومه، فضلا عما هو أمامه من أنواع الغيوب الكثيرة؟! ولذلك، عباد الله، كان الناس فقراء إلى الله، والله هو الغني الحميد، هم فقراء إليه لما عندهم من دين وشرع يحتاجون إلى هذا الدين والشرع ليضعوا كل شيء في موضعه على الوجه الذي يكون به كماله وتمامه. ولهذا قال ربنا جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾. فإذا علمنا ذلك، عباد الله، وتأملناه وتدبرناه وكان ذلك على وجه اليقين في قلوبنا، عند ذلك علمنا عظيم قدر هذه النعمة التي من الله سبحانه وتعالى بها علينا. ولهذا قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾، الفرح الحقيقي، يا أيها المسلم ويا أيها المسلمة، أن يمن الله عز وجل عليك بهذا الدين العظيم ويوفقك للعمل به ظاهرا وباطنا ويتوفاك عليه. وأما الدنيا، فإن الله سبحانه وتعالى يعطيها من يحب ومن لا يحب، لأنها دار الامتحان والابتلاء. ولذلك، عباد الله، لم يكن أخذها للدنيا والاستكثار منها معيارا في رضا رب سبحانه وتعالى. وكذلك تأييده لخلقه أو عبده. ولهذا قال سبحانه وتعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾، فكما يبتلينا ربنا سبحانه وتعالى بالشر فنصبر أو نقدر ولا نصبر، فكذلك يبتلينا سبحانه وتعالى بالخير، هل نشكر أم نكفر؟! فكان من قضاء الله جل وعلا وحكمه أن من أخذ بشريعة الله واستقام على دين الله فإنه يوفق لحياة طيبة في الدنيا وكذلك في الدار الآخرة. ومن حاد عن ذلك فأعرض عن شريعة الله وعن دين الله، كانت له الخسارة والعيش الضنك في هذه الدنيا وكذلك في الدار الآخرة. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾، من أعرض عن ذكر الله سبحانه وتعالى، عباد الله، كانت له الحياة الضنك التعيسة في هذه الدنيا وكذلك ما ينظره من غضب الناس وتخويف سبحانه وتعالى في الدار الآخرة. ولذلك، عباد الله، وضع أرشدنا سبحانه وتعالى صراطا مستقيما في هذه الدنيا، من سار فيه سيرا مستقيما فحيحا وفق الله للنجاة من الصراط المفضي على نار جهنم يوم القيامة. ولهذا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن الناس يزنون في الآخرة على الصراط على قدر سيرهم في هذه الدنيا. فمنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كأجاويد الخيل والإبل، ومنهم من يعدو عدوا، ومنهم من يزحف زحفا، ومنهم من يكرر في نار جهنم والعياذ بالله. أرأيتم أحوال الناس في ذلك اليوم العظيم؟! إنما هو بحسب ما كان من أعمالهم في هذه الدنيا. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسادكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم». وعن النعمان بن بشير رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب». فلنتق الله، عباد الله، إن أردنا خير الدنيا والآخرة. وقد قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يبقينا بالدين، وأن يبرم لنا بأمر رشيد، والحمد لله رب العالمين. بعد إن سمعنا ما سمعنا، فلنعلم أن ما أصاب المسلمين من ضعف المطهر إنما هو بسبب بعدهم عن دين الله جل وعلا. وقد قال عليه الصلاة والسلام كما في مسند الإمام أحمد بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أنه قال: «العزّة لله ولرسوله وللمؤمنين». إنا نأسى أذى شديدا عظيما أن نرى في أوساط المسلمين من قد انغمس في أنواع الشبهات، فصار لا يحترم شيئا من حدود الله سبحانه وتعالى. ولا يقف عندها، ربما بعد الدناء وشرب الخمر وتعامل بالمخدرات والمسكرات، ومع ذلك يدعي أنه مسلم. الإسلام الحقيقي هو أن تعمل بما أمرك الله وألزمك به، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «المؤمن من أمنه المسلمون على دمائهم وأموالهم، والمسلم من سلم الناس من لسانه ويده». وكم من الناس من لم يسلم الناس من لسانه ويده، وكم من الناس من لم يأمنه الناس على أموالهم ودمائهم وأعراضهم؟! فأين هؤلاء من الإيمان؟! الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وقد يذهب والعياذ بالله ببعض المعاصي. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن». فالمؤمن، عباد الله، هو الذي زين إيمانه بطاعة الله سبحانه وتعالى، بفعل الواجبات وترك المعاصي وما يغضبه سبحانه وتعالى. وهكذا، عباد الله، الإيمان كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن نبينا عليه الصلاة والسلام: «بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من شعب الإيمان». فمن استكمل هذه الشعب فقد كمل إيمانه، ومن انتقض من هذه الشعب انتقض من إيمانه بقدر انتقاصه من هذه الشعب. فلذلك، عباد الله، كان أهل الإيمان درجات، كما أن أهل الجنة درجات. وكان أهل المعاصي درجات، كما أن أهل النار درجات في نار جهنم والعياذ بالله. وما ذلك إلا بحسب درجاتهم ودركاتهم في هذه الدنيا في العمل بهذا الدين الذي جاء به نبينا الكريم صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فها نحن، عباد الله، نرى في أوقات المسلمين من يشوه هذا الإسلام بغلوه وتنطع وغلوه عن حقيقة الإسلام وسماحته ورف، الذي أمر الله به وكان عليه رسولنا صلى الله عليه وسلم. دين الله، عباد الله، بين الغالين والجافين. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «هلك المتنطعون». وإن من الغلو، عباد الله، ما وقع من بعض الناس من تكفير المسلمين، ومن إثارة الفتن في أرض الشعوب، فإن ذلك من الإرهاب ومن الإجرام الذي حرم دين الإسلام. فليس في دين الإسلام هذا الفتنة التي يفعله بعض الناس بإسم الدين، حتى شوه صورة الإسلام والمسلمين. وربما تبع هؤلاء من حين شعروا أو لم يشعروا بعض أعداء الدين ليستغلهم لأغراض وأهداف، فيكون بذلك تشويه لجمال هذا الدين، ويكون بذلك فتح للثغرات لضرب الإسلام والمسلمين. والكثير من هؤلاء جهل هذا الأمر العظيم. وأكثر هؤلاء ممن وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم من صغار السن وسبهاء الأحلام، الذين ليس عندهم من العلم ولا من كبر السن والمعرفة والدراية ما يجعلهم أهلا لأنفسهم لهذه الأمة. وكان ورثة الأنبياء هم العلماء الراسخون، علماء الكتاب والسنة، الذين تربوا بسير سلف الأمة رضي الله عنهم وأرضاهم. وبمستدرك الحاكم عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «البركة مع أكابركم». فالبركة، عباد الله، مع الأكابر سنة. والأكابر علم من هم سبب لخير هذه الأمة، والأخذ بيدها لما فيه سلامتها وما فيه نجاتها وما فيه خيريتها في هذه الدنيا وكذلك في الدار الآخرة. وأن دين الله الذي تعبدنا به هو ما أنزله بكتابه، وما تركه بسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وما كان عليه صحابة نبيه رضوان الله عليهم. فقد قال سبحانه وتعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾، وقال سبحانه وتعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾. وفي مستدرك الحاكم عن أبي هريرة ومعناه عن ابن عباس بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبدا: كتاب الله وسنتي». نسأل الله سبحانه وتعالى أن يلهمنا رشدنا، وأن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات. اللهم أصلح وعلى المسلمين جميعا، واجعلهم هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين. اللهم ارزقنا رضاك ومرضاة المسلمين يا رب العالمين. اللهم أصلح شبابنا وفتياتنا يا رب العالمين. اللهم أصلح آباءنا وأمهات المسلمين، واجعل أبناؤهم وبناتهم هداة مهتدين. اللهم اعز شباب الإسلام بالتمسك بهذا الدين، واعز فتيات الإسلام بالتمسك بهذا الدين، واحفظهم بالعفاف والعفة، واحفظهم بالإيمان يا رب العالمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين.