الدرس في Lesson 1 Part 8، tafseer of soorah al-masad ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تناول المقطع تفسير سورة تبت وسبب نزولها في أبي لهب عم النبي صلى الله عليه وسلم، مشيرًا إلى أهمية تعلمها وحفظها للمسلمين. السورة نزلت لتخبر عن خسارة أبي لهب وهلاكه.
شرح المقطع أن الجزاء من جنس العمل مستشهدا بقصة أبي لهب، ويبين أن الفلاح في طاعة الله والاستقامة على شريعته، ويشير إلى أن الآية دليل على نبوءة النبي. كما يحذر من شدة العداوة للحق.
فسر المقطع الآيات التي تتحدث عن عذاب أبي لهب وزوجته يوم القيامة، ويبين تفاوتهم في العذاب بحسب كفرهم وأفعالهم، ويستشهد بآيات من القرآن لتوضيح ذلك.
بين المقطع أن السورة دلت على صدق نبوته عليه الصلاة والسلام من خلال عدم إسلام أبي لهب وزوجته رغم نزول القرآن، ويعد هذا دليلا قويا على نبوته صلى الله عليه وسلم.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فاليوم إن شاء الله هو الكلام على ما تيسر من سورة تبت، وكما سبق نقرأ هذه السورة ثم ينبه على ما يحتاج التنبيه إليه. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿تبت يدا أبي لهب وتب، ما أغنى عنه ماله وما كسب، سيصلى نارا ذات لهب، وامرأته حمالة الحطب، في جيدها حبل من مسد﴾. هذه السورة هي كذلك من السور القصار التي أشار شيخنا الإمام العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله في هذه الرسالة إلى أهمية تع�لمها والاعتناء بتلقينها ومعرفة شيء من تفسيرها، لأن المسلم يحتاج إلى حفظ ما تيسر من إصار السور يستعين بها في صلواته أن يقرأ بها، فينبغي للمعلم والمدرس أن يعيد قراءة هذه السورة على الطلاب، وأن يتابع كذلك متقنهم في صحة مخارج الحروف، وكذلك ما يتعلق بما يتيسر من التجويد. ثم بعد ذلك يشرع الكلام فيما يتعلق بتفسير هذه السورة. هذه السورة هي من السور المكية التي نزلت على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو في مكة. فإن السور المكية هي التي نزلت عليه قبل هجرته عليه الصلاة والسلام. وسبب نزول هذه السورة كما جاء في البخاري وغيره من حديث عبد الله بن عباس هو ما جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج على الناس في أحد الأيام فناداهم بعد إذ صعد على أحد الجبال فنادى أهل قريش فاجتمع الناس حوله، فقال عليه الصلاة والسلام بعد أن اجتمعوا: أرأيتم إن حدثتكم أن العدو مصبحكم أو ممسكم أكنتم تصدقوني؟ ومعناه أنه عليه الصلاة والسلام اشتهر بين أهل مكة أنه الصادق الأمين. فلهذا قال لهم: أرأيتم إن حدثتكم أن العدو مصبحكم أو ممسكم أكنتم تصدقوني؟ قالوا: نعم، يعني مصدقك، لأنهم ما جربوا عليه الكذب عليه الصلاة والسلام. فقال بعد ذلك نبينا صلى الله عليه وسلم: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. ومعنى نذير أي أرسل إليكم نذيرا أرسله الله سبحانه وتعالى ينذرهم ما يجب الحذر منه مما بعث به عليه الصلاة والسلام، وبين يدي عذاب شديد يعني لمن لم يتابع ويستجب لما جاء به عليه الصلاة والسلام. فعند ذلك قال أبو لهب: ألي هذا جمعتنا؟ تبا لك. فدعا على النبي عليه الصلاة والسلام بالتباب، وهو الخسارة والهلاك. دعا عليه بخسارة والهلاك، فأنزل الله عز وجل هذه السورة إلى آخرها، كما جاء في البخاري وغيره من حديث بن عباس. وأما معاني هذه السورة وما تضمنته في آياتها، فقوله سبحانه وتعالى: ﴿تبت يدا أبي لهب وتب﴾ دعاء على أبي لهب. وأبو لهب هو عم النبي صلى الله عليه وسلم، واسمه عبد العزة بن عبد المطلب، ويكنى بأبي عتبة، وكنى بأبي لهب لأنه كان ذا جمال، كان فيه جمال، ومن جماله أنه وضيء الوجه، أي منير، فلذلك قيل له: إنه أبو لهب. وقوله سبحانه وتعالى: ﴿تبت يدا أبي لهب وتب﴾ كما قال ابن كثير وغيره في هذه الآية: دعاء، وهكذا كذلك خبر. فـ "تبت يدا أبي لهب" دعاء، وأصل التباب: تباب، مأخوذ من الخسارة والهلاك في منتهاه، فهو مأخوذ من السفول في الشيء والسقوط. والمعنى: غاية الخسارة والهلاك، يدعى بها ليدي أبي لهب. وذكر اليد أو اليدين من ذكر البعض المراد به الكل. فلما كانت قد كسبت السوء في الدنيا خصتا بالذكر. والمقصود أن أبا لهب له الخسارة والهلاك يوم القيامة. وجملة "وتب" خبر فيها تأكيد حصول الخسارة والهلاك لأبي لهب. وفي هذه الآية ثلاث مسائل على وجه الاختصار نستفيدها. أولها: أن من سنة الله عز وجل الشرعية والكونية أن يكون الجزاء من جنس العمل. أن يكون الجزاء من جنس العمل، فما أكثر الشواهد على هذا المعنى، ومن ذلك ما في هذه الآية في هذه السورة. وقد علمنا في سبب نزولها كيف أنه دعا على النبي عليه الصلاة والسلام بالتباب، وهو عليه الصلاة والسلام لا يستحقه، فرد ذلك على أبي لهب، وأبو لهب يستحقه بكفره وفجوره وأذيته لمن يجب أن يكرم، وهو النبي عليه الصلاة والسلام، فقد كان يؤذي النبي عليه الصلاة والسلام أيما أذية. فلهذا خص من بين الكفار بهذا الدعاء وهذا الوعيد بما يدل أن الجزاء من جنس العمل. وهكذا ينبغي أن يعتبر المسلم في نفسه وفي غيره، ينبغي أن يعتبر المسلم في نفسه وفي غيره أن سنة الله كذلك: الجزاء من جنس العمل. إن أحسنت أحسن الله إليك، وإن أسأت فالتخف أن يساء إليك بقدر إساءتك. ولهذا كان بعض السلف يقول: إني أعلم أثر معصيتي في سوء خلقي، دابتي، وزوجتي. فالجزاء من جنس العمل. وهذا ذا كذلك بالنسبة للآخرين، إذا كنت موقنا أن الجزاء من جنس العمل، فاعلم أن من أساء ولم تستطع أن تدفع إساءته، فاصبر، فإن الجزاء من جنس العمل، الله عز وجل سيتولى معاقبته والانتقام منه. وللناس في هذا عبر قديما وحديثا، كم من العظماء والمتكبرين والمتجبرين في الأرض فعلوا وفعلوا، تعاقبوا بجنس أعمالهم. وهكذا كذلك في هذه الآية تنبيه للمسلم أن فلاحة الإنسان في الدنيا والآخرة ليس بالحسب ولا بالنسب ولا بالمال ولا بالجمال، ولكنه بطاعة الله سبحانه وتعالى والاستقامة على شريعته. فلا ينبغي لمسلم عاقل أن يغتر بشيء من ذلك متع به بعض الكفار أو الفجار. فمتاع الدنيا قليل زائل، لكن ينبغي أن يعتني بما هو أهم وأعظم، وما ينتفع به الانتفاع الحقيقي في الدنيا وفي الآخرة، وهو الإيمان بالله سبحانه وتعالى والعمل بشريعته، الاعتناء بالعلم النافع والعمل الصالح، فهذا هو الذي ينفع المرء، وبهذا لا يتحسر إن قدر عليه أن فاته شيء من متاع الدنيا. لا يتحسر إن قدر أن فاته شيء من متاع الدنيا، لأنه يعلم أن حقيقة الحسرة ليس على هذا، ولكن على شيء ينفع المرء في حياة الخلود في جنة فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. وفيه كذلك في هذه الآية ثالثا مما يستفاد منها: بيان دليل من دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام. فإن الله عز وجل أخبر بهذا الخبر الحق والصدق بأن أبا لهب في هلاك وخسارة، ودعي عليه، ولا يزال المسلمون يدعون عليه وهو حي وبعد موته إلى يوم هذا، ولم يستطع أبو لهب حتى من باب الجحود والعناد والمكابرة أن يكذب فيدخل في الإسلام نفاقا تكذيبا للنبي عليه الصلاة والسلام، مع أنه بإمكانه أن يفعل ذلك. فإن دل ذلك على شيء، دل على صدق ما بعث به النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا يتضمن كذلك أمرا آخر، وهو أنه كيف تؤثر شدة العداوة للحق على صاحبها الحرمان؟ كيف تؤثر شدة العداوة للحق على صاحبها الحرمان؟ وشدة العداوة لا يلزم أن يكون كفرا، قد يكون حتى في معصية من المعاصي. احذر، احذر أيها المسلم أن تعادي على حساب الحق ولو لأشياء شخصية، لأن هذا يثمر حرمانا عظيما. وانظر إلى حرمان أبي لهب، فشدة بغضه وعداوته للحق أثمرته هذا الحرمان. وهكذا كل حق كان إيمانا أو كان فرضا أو ما هو دون ذلك، فالناس تفاوتوا في هذا الحرمان. وقوله سبحانه: ﴿ما أغنى عنه ماله وما كسب﴾ أي ما نفعه ماله وما كسبه من هذا المال. والمعنى أنه كان يغتر بماله وبكسبه، فقد كان رجلا غنيا، أي أبا لهب. فبين ربنا جل وعلا أن الخسارة والهلاك قد كتبت عليه، ولن ينتفع بهذا المال وهذا الكسب. وهكذا يوم القيامة فهو لن يغني عنه ماله من عذاب الله عز وجل من شيء. وهذا يتضمن تأكيد ما سبق من فوائد وزيادة: أن لا يغتر أحد بشيء من الدنيا، أو يظن أن ذلك يمنع منه عذاب الله عز وجل غضبه، حتى ولو كان مؤمنا. المؤمن إذا أسرف على نفسه بالذنوب والمعاصي واغتر بما أعطاه الله عز وجل من نعم، لم تمنعه هذه النعم من عذاب الله. ينبغي أن يتأمل مثل هذه الآيات ويعرف حكم الله عز وجل فيها. وقوله: ﴿سيصلى نارا ذات لهب﴾ أي أنه قد أعد له نارا فيها من اللهب الشديد، وهكذا كذلك الشرر والإحراق ما ليس في غيرها. وفيه دليل أن الكفار يتفاوتون في العذاب يوم القيامة، وكلهم في النار، لكنهم يتفاوتون بحسب كفرهم وشدة هذا الكفر. كما أنه كذلك يستفاد منه أن سائر أهل النار ولو كانوا من عصاة المسلمين، فإنهم يتفاوتون كذلك، ولو كانوا من أهل معاصي واحدة. فالزناة مثلا ليس سواء من أسرف على نفسه واستحق النار، ليس كمن لم يسرف. وهكذا يقال في سائر أحوال أهل النار أنهم يتفاوتون. وقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه "مفتاح دار السعادة" ما معناه فيما أشار من ذكر طبقات المكلفين حين أذكر طبقات الكفار، وأنهم مع كفرهم وكلهم في النار، فهم يتفاوتون في العذاب. فالكافر الرحيم المسالم ليس كالكافر الذي هو معدوم الرحمة وشديد الأذية، وكلهم كفار، لكنهم يتفاوتون في العذاب. وهذا من عدل الله عز وجل. فإذا كان كذلك، فينبغي كذلك أن يعلم المسلم أن أهل الإسلام في طاعاتهم ومعاصيهم كذلك يتفاوتون. وما ربك بظلام للعبيد، فمن أحسن وزاد في إحسانه زيد في إكرامه، ومن أساء فزاد في إساءته واستحق النار، فإنه يزاد في عقابه. وهذا من عدل الله سبحانه وتعالى. وقوله جل وعلا: ﴿وامرأته حمالة الحطب﴾ أي زوجته، لما كانت في الدنيا مشاركة لزوجها في الكفر وفي العناد وأذية النبي عليه الصلاة والسلام وأهل الإسلام، كذلك كانت مشاركة لزوجها في الخسارة والهلاك والعذاب يوم القيامة. والجزاء من جنس العمل، كما كانت في الدنيا تعينه في كفره وأذيته، فكذلك هي يوم القيامة تشاركه في الجزاء. وامرأته هي أم جميل أروى بنت حرب، أخت أبي سفيان بن حرب. توعدها الله عز وجل بهذا الوعيد الشديد. وفيه كذلك ما تقدم من فوائد، ومن ذلك أن فيه علما من أعلام نبوته ودليل من دلائل رسالته عليه الصلاة والسلام. فقد ماتت كزوجها على الكفر، ونزلت هذه الآيات في حقها وحق زوجها، ومع ذلك ما كان منهم إلا البقاء على الكفر. وفي هذه الآية كذلك دليل لمسألة فقهية تنازع فيها العلماء، وذكر ابن القيم رحمه الله وغيره التحقيق في هذه المسألة، وهي أن عقود الكفار معتبرة عند أهل الإسلام، فتبقى على أصلها. لأن ربنا جل وعلا سمى زوجة أبي لهب بامرأة، فاعتبر هذا النكاح مع أن أنكحة الكفار يتخللها ما يتخللها من نقص وخلل كبير. والمقصود هنا أنه لو قدر أن رجلا كان كافرا فأسلم وأسلمت زوجته، هل يطلب منهم إعادة عقد النكاح؟ الجواب: لا. والدليل هذه الآية. وكذلك كما قال ابن القيم وشيخه شيخ الإسلام وغير واحد من أهل العلم: أسلم الكثير من الصحابة وأزواجهم، ولم يؤمرهم النبي عليه الصلاة والسلام بتجديد أنكحتهم. وعلى الصحيح كذلك لو حصل تأخر أحدهما في الإسلام، مثلا أسلم الزوج أولا، وهذا قد يكثر السؤال عنه عندكم في بلاد يكثر فيها مثل هذه المسائل. أسلم الزوج مثلا أولا، وبعد سنة أو سنتين أسلمت الزوجة، هل يبقى عقد النكاح على ما كان عليه في الكفر أم يطلب التجديد؟ الصحيح: لا يحتاج إلى التجديد. وهذا هو قول المحققين من أهل العلم، واستدلوا بأدلة منها هذه الآية. وقوله سبحانه: ﴿في جيدها حبل من مسد﴾ أي في طرف عنقها حبل من نار، جزاء وفاقا كما كانت تحمل حطب الفتنة في الدنيا وتعين زوجها على الشر وأذية الإسلام وأهله، فكذلك هي تحمل في جيدها أي في طرف عنقها النار، فتلهب زوجها ونفسها. والجزاء من جنس العمل. وهذه السورة في الحقيقة سورة عظيمة، تضمنت عبرا وآيات، ومن ذلك هذه المعجزة الظاهرة الباقية الواضحة الدالة على صدق نبوته عليه الصلاة والسلام. فإنه مع ما نزل لم يحصل الإسلام لأبي لهب ولا لمرأته لا بالسر ولا بالعلن، فكان هذا من أقوى الأدلة الدالة على نبوته عليه الصلاة والسلام.