Lesson 1 Part 15

الدرس في Lesson 1 Part 15، tafseer of soorah al-humazah ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في تفسير سورة الهمزة وخطابها للمشركين والمسلمين

سورة الهمزة سورة مكية تهدف إلى تهذيب المسلمين وتحذيرهم من الأخلاق الذميمة، كما أنها خطاب للمشركين يبين أثر عدم الإيمان بالله. السورة تحذر من عذاب شديد لكل همزة لمزة.

تفسير الآيات التي تتحدث عن الهمز واللمز والبخل

الآيات القرآنية في سورة الهمزة توضح أن الهمز واللمز هما طعن وتنقص بالآخرين، وأن البخل وحب الدنيا من الصفات السيئة التي توعد الله أصحابها بالنار. هذه الصفات مذمومة وتؤدي إلى العذاب.

التحذير من صفات الكفار وعذاب جهنم وتأثير المعاصي

السورة تصف عذاب أهل النار وتحذر من صفات الكفار مثل الطعن في الآخرين والبخل والتعلق بالدنيا. كما تنبه المسلمين إلى أهمية الإصلاح في حياتهم وتحذر من أن المعصية قد تؤدي إلى معاصي أخرى وتدخلهم النار.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، درسنا اليوم إن شاء الله عن سورة الهمزة، أو يقال سورة ويل، ويل لكل همزة لمزة، وهي سورة مكية، وتقدم معنا ما يصاحب مثل هذه السورة، أو مثل هذه السورة المكية من معاني ينبغي أن تستحضر، فهي في الغالب خطاب للمشركين، ولا يلزم من كونها خطاب للمشركين أن يكون الحكم هو خاص بهم، بل من تشبه بهم أو ببعض صفاتهم لحقه من الحكم ما يستلزمه بحسب حال صاحبه. ونقرأ أولا السورة كالعادة: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، ﴿ويل لكل همزة لمزة، الذي جمع مالا وعدده، يحسب أن ماله أخلده، كلا لينبذن في الحطمة، وما أدراك ما الحطمة، نار الله الموقدة، التي تطلع على الأفئدة، إنها عليهم مؤصدة، في عمد ممددة﴾. كما قيل في السورة السابقة: تقرأ السورة من المدرس على الطلاب، ومن المدرس على الطالبات، مع التدقيق فيما يحتاج التدقيق فيه، خصوصا إذا كان الطالب قد يحصل عنده لحن في نطق بعض الحروف، فيتتبع تلك المواضع، ويدقق في تصحيح نطق الحرفي بحسب الإمكان. فاتقوا الله ما استطعتم، وإن تيسر كذلك تصحيح القراءة بتجويدها، فهو أمر حسن. وأما ما يتعلق بتفسير هذه السورة، فهي كما مر معنا سورة مكية، نزلت على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في العهد المكي، وهو ما قبل الهجرة، فهي خطاب للمشركين، ولمن يتصف بصفاتهم. فهي أولا تهذيب للمسلمين فيما قد علموا من أحكام هذا الدين العظيم، الداعية إلى خير الدنيا والآخرة، من إقامة توحيد الله عز وجل، وعبادته، والإحسان في ذلك، وهكذا كذلك الإحسان في معاملة الخلق. وهي كذلك بيان لأثر عدم الإيمان بالله عز وجل، وعدم القيام بعبادته على صاحبه، من مشرك وكافر، كيف أنها تورده مهالك شتى، وأخلاق سيئة، فهو يخسر دنياه وأخراه. قال جل وعلا في أول هذه السورة: ﴿ويل لكل همزة لمزة﴾، ومر معنى الويل: أنه العذاب الشديد، وقيل: إنه الهلاك، فإنه يدعى في الدنيا، ويراد به الهلاك: ويل لك، أي هلاك لك أو عليك، وهكذا كذلك في الآخرة العذاب الشديد. وقيل: إنه واد في قعر جهنم، أعاذني الله وإياكم منها، وكل الأقوال الثلاثة يصلح تفسيرها بها. ومر معنا في سورة سابقة: أن ويل في القرآن ترد في حق الكفار كثيرا، وقد ترد في حق الفساق والمجرمين من المسلمين. وكما قال العلماء، ونبه على هذا المعنى ابن القيم رحمه الله: أنها وردت في حق المجرمين من المسلمين، والفساق منهم، في موضعين في القرآن، في قوله جل وعلا: ﴿ويل للمطففين﴾، وهكذا كذلك في قوله: ﴿ويل لكل همزة لمزة﴾. وليس معناه أنها نزلت خاصة في حقهم، ولكن معناه أنها تصلح أن تكون لبعض من يقع منه مثل هذا الخلق، ولو كان من المسلمين أو المؤمنين. وآية ثالثة هي محتملة، وهي ما مر معنا في قوله جل وعلا: ﴿فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون﴾، ومر التفصيل في ذلك في تلك السورة. والمقصود من هذا التنبيه هو بيان أن هذه الآية، وإن نزلت في العهد المكي، وأكثر القرآن في العهد المكي خطاب للكفار، إلا أنه لا يمنع أن يكون فيها كذلك تنبيه للمؤمنين أن يتجنبوا مثل هذه الأخلاق الذميمة. فقوله سبحانه: ﴿ويل لكل همزة لمزة﴾، قوله جل وعلا: ﴿لكل﴾، كل من ألفاظ العموم عند أهل اللغة والشرع عموما، ومعنى أن كل من اتصف بهذا الوصف، فإنه له الويل. لكن كما مر: ويل المؤمن والمسلم ليس كويل الكافر، من مشرك أو منافق أو ملحد، وإن كان لفظ الويل يتناول الجميع. وقوله: ﴿همزة﴾، معنى همزة مأخوذ من همز الوجه، كما قيل: همزة في وجهه، فما كان من شيء مواجه يطلق عليه هذا المعنى. كما نقل عن بعض الأئمة: أن الهمز ما كان من طعن في الوجه، وأن اللمز ما كان من طعن بخفاء أو من وراء الظهر. وفسر بتفسير آخر، فقيل: إن الهمز ما كان باليد أو العين، يعني بالفعل، سواء بغمز العين، يعني تنقص وطعن بغمز العين. نعم، هذا الهمز، يعني قلنا: التفسير الأول أن الهمزة فسرت بأنها الطعن والتنقص بالمواجهة، وفسر اللمز بالطعن والتنقص بالخفاء، ومن وراء الظهر. والتفسير الثاني فسر الهمز بالطعن بالفعل، كغمز العين، أو إخراج اللسان، أو لي الشفاة، الشفايف، يعني أو كذلك تمععر الوجه، أو حركة الكف، أو كذلك حركة الإصبع، أو غير ذلك من فعل يكون فيه التنقص والطعن. توعد الله عز وجل من يفعل ذلك بالويل، واللمز هو ما كان من طعن آخر، لكنه باللسان. ولكن انظر: الهمز واللمز لفظان يدلان على طعن فيه خفاء، يعني ليس صريح، ليس صريح، فكيف بالصريح، والعياذ بالله، من الغيبة والنميمة، فهي أشد. فإذا كان غير الصريح وهو ما كان من حركة فعل يكون فيها تنقص، أو من عبارة ليست صريحة فيها تنقص، فهذا عدّه العلماء من الهمز واللمز، وقد توعد الله عز وجل فاعله بالويل، وهو العذاب الشديد، أو ما سبق، فكيف بغيره من الصريح، كالغيبة والنميمة، والعياذ بالله. فإن النبي عليه الصلاة والسلام فسر الغيبة: ذكرك أخاك بما يكره، وقال: «لا يدخل الجنة قتات»، أي نمام، كما جاء في حديث في الصحيح. نعم، يفسر هذا أخونا أبو عبد الرحمن، ثم نكمل إن شاء الله. قال جل وعلا: ﴿الذي جمع مالا وعدده﴾، يعني من نوع الذي يجمع المال ويعده، بعض العلماء قالوا: إن هذه الآية نزلت في بعض المشركين، ممن كان معروفا بحرصه الشديد على جمع المال، وهذا لشحه وبخل، ولحب الدنيا الشديد. قال جل وعلا: ﴿جمع مالا﴾، جمع مالا: نكرة، وهو يجمع المال، من تنوع المال، يعني لا يبالي من أين يجمع المال، حلالا كان أو حراما، لا يبالي بذلك، سواء أكان يأخذه بطريق صحيح أو بطريق غير صحيح، بظلم الناس وغير ذلك. لأن فطرته قد فسدت بسبب كفره، فبعض الناس وإن كانوا كفارا، تجد أن فيهم شيئا من الفطرة السليمة، فيحاول أن يبتعد عن ظلم الناس، لكن هؤلاء الذين وصفهم الله عز وجل بهذا الوصف، ليسوا كذلك. ثم قال: ﴿وعدده﴾، وهو يحصي المال، ولا يفوته شيء منه، هذا وصف البخيل، ووصف الشحيح، ووصف محبي الدنيا، أصحاب الأخلاق السيئة. قال: ﴿يحسب أن ماله أخلده﴾، وهو يظن أن جمعه للمال سيجعل له الخلود في الدنيا، أو الخلود في النعيم، فالله عز وجل أخبر أنه ظن خاطئ، وليس بصحيح. قال: ﴿كلا لينبذن في الحطمة﴾، أي ما يظنه هذا الظان، أو هذا الإنسان صاحب هذا الوصف، ظن خاطئ، ليس بصحيح، بل توعده الله عز وجل أن ينبذ، يعني يرمى ويترك في الحطمة، وهو اسم من أسماء النار. والنار سميت بأسماء كثيرة، وهي صفات لها، ومن طريقة العرب أنهم إذا عظموا الشيء سموه بأكثر من اسم، ومسمياته صفات له، تلك المسميات صفات له. وسميت النار حطمة؛ لأن من صفات النار أنها تحطم من فيها، لشدة حرها، وكذلك لهبها وتعذيبها، أعاذنا الله وإياكم منها. فالحطمة لذلك سميت النار؛ لينبذن في الحطمة، أي ليترك وللقيا في هذه النار التي تحطم كل شيء. ومعنى أنه سيحطم تحطيما في نار جهنم، فلن ينفعه ذاك الكبر، ولا ذاك البخل والشح. قال: ﴿وما أدراك ما الحطمة﴾، تعجب فيه معنى التعظيم والتهويل، يعني كأنه يقول جل وعلا: أمر الحطمة شيء عظيم، لا تدركه العقول، ولا تتصوره لعظمه ولهوله وشدته. ﴿نار الله الموقدة﴾، هذه الحطمة هي نار الله الموقدة، معلوم أن الحطمة هي النار، فزاد تأكيد تعريفها بقوله جل وعلا: ﴿نار الله الموقدة﴾، لبيان شيء من صفاتها التي يدل على عظم أمرها. ومعنى الموقدة: أي التي أوقدت على وصفها الخاص، كما جاء في السنة عن النبي عليه الصلاة والسلام: أنها أوقدت آلاف السنين، وذلك ليشتد حرها على أهلها. ﴿التي تطلع على الأفئدة﴾، أي التي يصل لهبها وحريقها إلى القلوب، ليس فقط الأجساد، فكلما أحرقتهم أعادهم أعادهم الله عز وجل كما كانوا، وهو على كل شيء قدير، فتحرقهم، أي تحرق الأجساد حتى تصل إلى القلوب، وهم أحياء لا يموتون، وهذا من زيادة التعذيب والتنكيل. وكلما هلكت هذه الأجساد أعاد الله عز وجل الأجساد مرة أخرى، وهكذا. قال جل وعلا: ﴿إنها عليهم مؤصدة﴾، أي هذه النار مع هذا العذاب الذي وصف، هي مغلقة عليهم، فهم في عذاب مستمر، لا يعرفون شيئا غير النار، وما فيها من عذاب. فمعنى مؤصدة: أي مغلقة عليهم، لا خروج لهم منها، ولا رؤية لهم لغيرها، ولا يتغير حالهم عما هم فيه من أمرها. وقوله جل وعلا: ﴿في عمد ممددة﴾، قيل: إن العمد الحديد في النار، وقيل: إنه زيادة في تغليق أبواب جهنم، فهي مؤصدة عليهم بعمد ممددة، يعني أعمدة مددة في زيادة إغلاق أبواب جهنم على أهلها. آذن الله منها، وقوله: ﴿ممددة﴾، أي مدة مأخوذة من المد، قيل: إنها القيود الطويلة على أعناقهم، وعلى أجسادهم، وقيل: إنها للأبواب، وكل المعنيين يصح. وقد ورد به القرآن، أي في إغلاق الأبواب، وظاهر الآية هنا يدل عليه، وهكذا كذلك في السلاسل: أنها على الأعناق، ويسحبون بها، ويعذبون بها. فكل هذا شيء من وصف عذاب أهل النار في النار، وهو ما أعده الله عز وجل للكافرين، ولمن اتصف بهذه الصفات، أعادنا الله عز وجل من ذلك كله. وفي هذه السورة مجموعة من المسائل، من أهمها: مع ما سبق الإشارة إليه في ثنايا التعليق على الآيات السابقات، فيه التحذير من أمر الطعن والتنقص للآخرين، وأنه من صفات الكفار التي لا ينبغي أن يتصف بها المسلم، سواء كان الطعن باللسان أو كان الطعن بالفعل. وكما قلنا: إذا كان هذا في غير الصريح، فهو في الصريح من باب أولى وأشده اللسان، ولهذا صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: «أكثر ما يورد الناس النار اللسان»، كما قال عليه الصلاة والسلام: «هل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم»، يعني بسبب ألسنتهم. وقال عليه الصلاة والسلام: «من يضمن لي ما بين لحييه وما بين فخذيه أضمن له الجنة»، والمعنى: من يحفظ ما بين لحييه، أي اللسان، وما بين فخذيه، أي الفرج، يكون قضمن لنفسه بإذن الله تعالى الجنة. ومعنى أن أكثر أسباب دخول النار هو من هذين الجزئين من الجسد، فينبغي للمسلم أن يتق الله عز وجل فيهما. وفي هذه السورة كذلك التحذير من صفة أخرى، هي من صفات الكافرين، وهو البخل والشح والتعلق بالدنيا، فإن المؤمن والكافر كل منهما يعلم أن الدنيا قصيرة، ولكن المؤمن لعلمه أنها قصيرة يتخذها وسيلة وزاد يتزود فيها أو منها للآخرة دار الخلود، فهو يحرص على الإحسان فيها. وأما الكافر فهو يحرص على العكس، أن يأخذ منها كل شيء بحلال أو بحرام ليستمتع ويتقلب؛ لأنه يعلم أنه سيخرج منها، فلذلك ينبغي للمسلم أن يحرص على الإحسان في هذه الدنيا، فلا يتعلق قلبه فيها، بل يتخذها وسيلة للآخرة، وسيلة للآخرة. وفي هذه السورة كذلك من المسائل: أن حب الدنيا سبب للغرور وتغير الحقائق، حتى أن صاحبها يفهم الشيء على خلاف حقيقته، كحال من ذكر الله في هذه السورة. ولهذا حذرنا الله عز وجل من الغرور بالدنيا، فقال: ﴿فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور﴾. وهكذا كذلك في هذه السورة التحذير من عذاب جهنم، أعاذنا الله منها، فينبغي للمسلم أن يجتنب كل الأسباب الموصلة إليها، أي لعذابها، ومن ذلك ما ذكر في هذه السورة. وفي هذه السورة كذلك بيان أن الكافر يعذب على كفره، ويعذب على تفاصيل إجرامه الذي يفعله مع كفره، فالكافر الذي يهمز ويلمز ليس كالكافر الذي لا يهمز ولا يلمز، والكافر الذي يغتاب وينم ليس كالكافر الذي لا يغتاب ولا ينم. فإذا كان قد بيّن لنا ربنا جل وعلا أن الكفار يتفاوتون في العذاب، فكيف بالمؤمن؟ كيف بالمؤمن؟ فينبغي للمؤمن أن لا يأمن من مكر الله، أن لا يأمن من مكر الله، أن يعذبه الله بذنبه. وأخيرا في هذه السورة كذلك تنبيه عظيم للمسلم أن يحسن في حياته كلها، وأن يحرص على إصلاح أموره؛ فربما معصية واحدة تدخل عليه معاصي أخرى، فيرد بسببها النار، وبئس القرار. هذا ما تيسر ذكره في هذه السورة، وبه نكتفي، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.