كتاب الطهارة 4

كتاب الطهارة 4

الدرس في كتاب الطهارة 4، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في شرح كتاب الطهارة وباب الآنية

يبدأ الدرس بشرح كتاب الطهارة من الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية، حيث يتناول مسائل متعلقة بالطهارة وأحكام المياه ثم ينتقل إلى شرح باب الآنية.

حكم استخدام الذهب والفضة في الآنية

يناقش المقطع تحريم استخدام الذهب والفضة في الآنية واستثناءات هذا التحريم، حيث يُستثنى من النهي استخدام الذهب والفضة في حالتي الضرورة والحاجة.

تفصيل استخدام الفضة في الحالات الضرورية

يُبيّن المقطع جواز استخدام الفضة في حالات الضرورة مثل تطبيب الإناء أو استخدام اللجام والسرج للدواب، مع التأكيد على المنع الأصلي لاستخدام الذهب والفضة.

ضوابط استخدام الفضة في الضرورات

يشرح المقطع ضوابط استخدام الفضة في الحالات الضرورية، حيث يُشترط عدم وجود بديل آخر ووجود حاجة أو ضرورة طبية، مع التدرج في استخدام المعادن.

التفريغ النصي الكامل

يصرّ إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم شرح كتاب الطهارة من الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. شرح فضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن مريك، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس الرابع. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، مرّ معنا في الدرس الماضي ما ذكره المؤلف رحمه الله من اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وما ألحق ذلك من بعض المسائل المختلف فيها، وترجيحي الراجح من تلك الأقوال. ومما مرّ معنا من المسائل التي هي من اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، ما ذكره رحمه الله تعالى في مسائل الطهارة وأحكام المياه. ومن ذلك ما ذكره في المسخن بالنجاسات، وأنه ذكر للكراهة وجهين اثنين. فمن يذكر الوجهين؟ نعم، من يذكر الوجهين؟ الوجه الأول، الوجه الثاني. عند من؟ نعم، باختلاط النجاسة، إذا خالطت النجاسة الماء، فيتكون الماء نجسًا، فإذا كان مظنة ذلك، فتكون الكراهة لأجل هذه المظنة. طيب، والمأخذ الثاني، لا، هذا الأول، وجود الشك، إذا وقع الشك. الثاني، نعم، الثاني: أن الاستعمال بالنجاسة يكره، ولو لم يكن هناك مظنة وصول هذه النجاسة إلى الماء. والصحيح، قلنا في المأخذ الثاني: أنه ليس بصحيح. نعم. ومرّ معنا أن المؤلف رحمه الله ذكر الخلاف في حوض الحمام، إذا كان يجري، فهل هو في حكم الجاري أو في حكم الراكد؟ ها، حمزة، إذا كان تكلم على حوض الحمام، إذا كان فائضًا يجري، هل في حكم الراكد أو في حكم الراكد الدائم أو في حكم الجاري؟ حكم الجاري، نعم، وهو الصحيح. فليس من شرط الجاري أن يكون على الأرض، بل قد يكون في الإناء، والمسابح. ما حكمها؟ جاري أم راكد دائم؟ نعم، إذا كان الماء واقفًا، فهو راكد دائم، وإذا كان يتغير، مثل بعض المسابح الحديثة، يدخل الماء ويخرج، وتكون هناك بعض المصفيات، فهذا يعتبر من الجاري. السد كذلك، إذا كان السد واقفًا، فهو دائم راكد، وإذا كان متحركًا، مثل أن يكون الماء يجري فيخرج الزائد عن السد من فوق السد، فهذا في حكم إيش؟ الجاري، هذا في حكم الجاري. نعم. هذه المنافذ لا تفتح، يعني وقت فتحها هو جاري، وقت لا تفتح، هي إيش؟ راكد. نعم. وعلمنا الخلاف كذلك في وقوع النجاسة في الماء الكثير. فالصحيح: أن الماء ينجس أو لا ينجس؟ ها، عند من؟ الماء ينجس أو لا ينجس؟ إذا كان كثيرًا، لا ينجس. توافقه، ها، صحيح، ليس على الإطلاق، إذا لم يتغير لونه وريحه وطعمه بنجاسة. فالبحر، على كبره، قد يتغير جهة منه بالنجاسة، فلا نقول: نكون ظاهرية، فنقول: البحر هو الحل، ميتته طهور، ماء، إذن طاهر، حتى ولو رأينا النجاسة فيه. هذا ليس بالصحيح، إذا تغير الماء، ولو كان بحرًا، فهو نجس، إذا تغير بالنجاسة. والعبرة بماذا؟ بوجود العلة التي تكون بها التنجيس، هو وجود أثر التنجيس، من ريح أو لون أو طعم. وما الفائدة إذن بين التفريق بين القليل والكثير؟ ها، ما الفائدة؟ الفائدة، ها، يا بنافع، تفريق بين القليل والكثير. نعم، يعني إذا كان الكثير، إذا تغير، يتنجس، ونفس الشيء القليل، إذا تغير، يتنجس، إذن ما الفرق؟ ها، صحيح، القليل مظنة التنجس، والكثير مظنة عدم التنجس، لكن ليست هي قاعدة مضطردة، هذا هو الغالب، والعبرة بماذا؟ بحصول التغيير، بحصول التغيير، هذا هو الصحيح الذي رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. وقال: أنه رواية عن الإمام أحمد، وأصحاب أحمد، وهي رواية كذلك عن مالك، والزهري، والبخاري، وجماعة من أهل الحديث. نعم. ذكر كذلك من المسائل المختلف فيها: إذا حصل الالتباس بالثياب الطاهرة مع النجسة، فما هو الراجح في هذه المسألة؟ نعم، ها، محمد، يتحرى. نعم، أرفع صوتك، ما أسمعك. يتحرى بين الثوبين. طيب، إذا أمكن التحري، يتحرى. طيب، وإذا لم يمكن التحري، كيف يفعل؟ ها، قال بعض العلماء: بالقرعة. والراجح والصحيح: ماذا؟ يجتهد. الصحيح: أنه يجتهد، ويبذل الجهد في ذلك. ومرّ معنا الخلاف في الماء الساقط أو الراكد الذي هو مضنة النجاسة، أو يشك أنه نجس أو لا، في حكمه، وحكم السؤال عنه. ما هو الراجح والتفصيل في هذه المسألة؟ ها، عند من؟ مشاركة، ها، أحد من هذه الجهة؟ ها، عندك. نعم، فضل. نعم، الصحيح: إذا وجدت مضنة النجاسة، فيسأل، وإذا لا، فلا يسأل، لأن هذا من التكلف، وفتح باب الوسواس. نعم. ومرّ معنا من المسائل: إذا شك في إصابة النجاسة للثوب أو جزء منه، فما هو الصواب في هذه المسألة؟ ها، هل الصحيح أننا نغسله احتياطًا؟ ها، عند من نغسله احتياطًا؟ ها، من يجيب؟ من يجيب؟ من يجيب؟ حد من الخلف، ها، من يرفع يده ويقول: عندي. ها، يا باب عبد الكريم، نغسله احنياطًا؟ لا، أكيد. وماذا نصنع بما استدل به في حديث أنس: أنه غسل حصيرًا قد يسود من طول ما لبس، لأجل أن يصلي عليه النبي صلى الله عليه وسلم؟ أشيء الجواب على هذا؟ استدلوا بهذا الحديث، ما هو الجواب؟ فضل، يا باب عبد الكريم. لماذا أنس غسل؟ هل لأجل وجود نجاسة في الحصير؟ ها، نعم، للتنظيف، ولإكرام النبي صلى الله عليه وسلم، وليس لأجل النجاسة. وهذا هو الصحيح: لأجل إكرام النبي صلى الله عليه وسلم، بأن يصلي على حصير نظيف، وليس فيه هذا السواد. إذن، في هذا فائدة كذلك: أنه إذا وجد في الحصير أو السجاد السواد، فالإكرام أن يغسل وينظف لأجل الصلاة، لأنه ربما بعض الناس يتأذى من وجود مثل هذا. ومرت معنا مسألة المشمس، وذكرت: أنه فيما يتعلق بالثوب، ولكن كذلك قد يكون المراد به الماء المشمس. لما جاء في أثر عائشة في الماء المشمس، والنهي عنه. والصحيح: لم يصح شيء في الباب في النهي عن الماء المشمس. وبعض الفقهاء نقل عن بعض أهل الطب: أن الماء المشمس يسبب البرص، ونحو ذلك. ولكن الصحيح: أن هذا كذلك ليس عليه دليل، لا من الشرع، ولا من أهل الطب. فلا يكره، الصحيح: استعمال الماء المشمس، ما دام طاهرًا. والله أعلم. طيب، درس اليوم، قال رحمه الله تعالى: باب الآنية. يحرم استعمال آنية الذهب والفضة، واتخاذها. ذكره القاضي في الخلاف. ويحرم استعمال مفضض إذا كان كثيرًا، ولا يكره يسيره لحاجة، ويكره لغيرها. وقد نص أحمد على هذا التفصيل في رواية الجماعة. قال في رواية أبي الحارث: رأس المكحلة، والميل، وحلقة المرآة، إذا كانت من فضة، فهي من الآنية. وما لا يستعمل، فهو أسهل، مثل الضبة في السكين، والقدح. وكذلك نقل جعفر بن محمد: لا تعجبني رؤوس القوارير، وحلقة المرآة، والمكحلة، والمرود. وقال في رواية أحمد بن نصر، وجعفر بن محمد: لا بأس بالضبة، وأكره الحلقة. وقال في رواية مهنى، وابن منصور: لا بأس بالشرب في إناء مفضض، إذا لم يقع فمه على الفضة. قال القاضي: قد فرق بين الضبة والحلقة، ورأس المكحلة. وأجاز الضبة، فإنها بالعادة تستعمل في الحاجة، وكسر الإناء، ومنع من الحلقة، لأنها تستعمل عند عدم الحاجة. ولهذا تستعمل مع صحة الإناء. وكذلك رأس المكحلة، والقوارير، تستعمل للزينة. قال أبو العباس، يعني شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: قال، وكلام أحمد، والناقل من البعلي رحمه الله. قال: وكلام أحمد رحمه الله: لمن تدبره، لم يتعرض للحاجة وعدمها. وإنما فرق بين ما يستعمل، وبين ما لا يستعمل. فإنه قال: رأس المكحلة، والميل، وحلقة المرآة، إذا كان من الفضة، فهو من الآنية. وما لا يستعمل، فهو أهون، مثل الضبة في السكين، والقدح. فقد نص على أن محل الفرق في الاستعمال. فالحلقة يمسك بها الإناء، وكذلك رأس المكحلة يلمس، وكذلك الميل. بخلاف السكين، فإنها لا تستعمل. ثم أطلق قوله: لا بأس بالضبة، وأكره الحلقة، ولم يعتبر الحاجة. وقال أيضًا في رواية مهنى، وابن منصور: لا بأس بالشرب في قدح مضبب، إذا لم يقع فهمهم على الضبة، مثل العلم في الثوب. فقد رخص في الشرب في المفضض، ولم يشترط حاجة، ولم يقيده بالقلة، بل قاسه على العلم في الثوب. وهذا بيّن في أن الفضة تباح على سبيل التبع، كالحرير. ومقتضى هذه الرواية: أن يباح الكثير، إذا كان أقل مما هو فيه، ولم يستعمل. وهذا هو الصواب. طيب، هذه التفريعات قائمة على مسألة واحدة، وهي مسألة استخدام الذهب والفضة في الآنية. قوله: باب الآنية، الباب، لغة: ما يدخل منه ويخرج. والمراد، وهنا: الدخول والخروج المعنوي، أي: هذا مدخل في معرفة أحكام الآنية. والآنية، جمع إناء، أي: الوعاء الذي يستخدم، سواء للأكل أو للشرب، وما يلحق بذلك، كالملاعق، والسكاكين، وكل ما يلحق بهذا الباب، فهو من الآنية. وقوله: يحرم استعمال آنية الذهب والفضة، لما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن ذلك في أحاديث كثيرة. وهذا متفق عليه. لكن الخلاف في استعمال بعض الذهب أو الفضة في بعض الآنية. فما هو المأذون فيه؟ وسبب الخلاف: أنه صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أنس: أنه استعمل وعاء، أن يشرب فيه، قد انكسر، بأن ضبب بالفضة. ومعنى ضبب: يعني أصلح الشق الذي كان فيه، فإصلاح هذا الشق بإدخال الفضة فيه، حتى لا يتسرب ما في الإناء من شراب أو طعام، هذا جائز بفعل النبي صلى الله عليه وسلم، كما في حديث أنس. فبناء على هذا الحديث، اختلف العلماء: هل المراد من هذا الحديث استعمال القليل فيرخص فيه، أو المقصود استعمال ما لا يلامس؟ إن قالوا: القليل، فما هو الفرق بين القليل والكثير؟ وما هو حد القليل؟ اختلف بهذا. وبعضهم قال: لا، إنما المقصود أن يستعمل فيما لا يلامس، فإن لامس الشفة أو اليد، فهذا يكره. وأما إذا كان ليس كذلك، فهذا لا يكره. وسمعنا عدة تفريعات تنبني على خلافهم في فهم الرخصة. فمنهم من ظن أن الرخصة لأجل التفريق بين القليل والكثير. ومنهم من ظن أن الرخصة لأجل أنه لا يباشر بالملامسة، لا باليد ولا بالفم. فما باشر الملامسة باليد أو الفم، فهو محرم. وما لم يكن، فهو ليس بمحرم، قليلًا كان أو كثيرًا. ومنهم من فهم: أنه كذلك الرخصة جاءت فيما تقع فيه الحاجة، وما لا تقع فيه الحاجة، مما يكون زينة ونحو ذلك، فإنه لا يؤذن به. والصحيح في هذا التفصيل: وذلك أن الأدلة والآثار استثنت صورتين اثنتين. الصورة الأولى: مقتضى الحاجة، مما لا يحسن استخدامه إلا بهذا المعدن، أي: الذهب والفضة، فإنه يجوز. والدليل هذا الاستثناء، مثلا: إذا انشق الإناء، فليس شيء متين يحفظ الإناء من الانكسار، إذا قد انشق، مثل الفضة. فإن الفضة من المعادن القوية التي إذا ضبب بها، كانت سببًا في جعل ذلك الشق متماسكًا، أكثر من غيرها من المعادن، مع ما فيه كذلك من النقاوة، لا يكون فيه تعكير لما في الإناء. لذلك الفضة تستخدم في أشياء كثيرة، في الطب. وأحسن من الفضة: الذهب. ولذلك جاء في حديث عرفجة الإذن باستخدام الأنف. ويحسن، ويحسنه بعض أهل العلم. فإذا كان الموضع لمثل هذه الحاجة، فإنه يؤذن فيه. والصحيح: أن الرخصة ليس للقليل منه، وإنما بحسب الحاجة. فإذا كان الإناء كبيرًا، واحتيج إلى التطبيب بالفضة، فإنه يضبب به، ولو كان التطبيب يأخذ كمية كبيرة من الفضة، لأن معنى التطبيب: ماذا؟ واقع. ولم يفرق الشرع بين تطبيب الإناء الصغير، وتطبيب الإناء الكبير. وهذا هو الصحيح. والاستثناء الآخر: أن يكون المستخدم شيئًا يسيرًا، اقتضته الحاجة. فالشيء اليسير المستخدم، هذا يدخل في قاعدة: يثبت تبعًا، ما لا يثبت ماذا؟ استقلالًا. الأصل أن الإناء ليس فضة ولا ذهب. الأصل أن الإناء ليس فضة ولا ذهب، ولكن احتيج إلى استخدام القليل من الفضة والذهب لِبعض الأغراض. مثلا: القرن الذي يمسك به السكين، قد يستخدم بعض الناس أنواعًا من المعادن لمسك ذلك القرن الذي يمسك السكين، لكن هذه المعادن في الغالب سرعان ما تنكسر وتنفك، بخلاف الفضة، فإن الفضة معدن قوي، ثم لونه في الغالب إذا استخدم، يزيد لمعانًا، ولا يتغير، ولا يضر الآكل والشارب. بخلاف غيره من المعادن، إذا استخدم الحديد، فالحديد: ماذا؟ يصدأ. وإذا استخدم النحاس أو الصفر، فإنه كذلك: ماذا؟ يصدأ. فصدأ النحاس الأخضر، والصفر ونحوه، وصدأ الحديد الأسود، والأحمر ونحوه. فالفضة بالنسبة للآنية، تعتبر: يعني حلا يجمع بين شيئين، أولًا: النقاوة، والثانية: القوة. فلذلك إذا استخدم في مثل هذا الموضع، فهو على قاعدة: يثبت تبعًا، ما يثبت استقلالًا. والشرع لا يفرق بين مجتمع، ولا يجمع بين متفرق. ضبب النبي صلى الله عليه وسلم، إنه لا نقف على ظاهر النص، نقول: فقط التضبيب يصلح للآنية، لا، الصحيح: يصلح للآنية، ويصلح للسكاكين، ويصلح لغيرها، مما يحتاج إلى ماذا؟ إصلاحه، مما يحتاج إلى إصلاحه، إذا كان هو الأفضل. فهاتان الصورتان، وما كان بمعنى هاتين الصورتين، هو المستثنى من النهي، على الصحيح من أقوال أهل العلم. وهذا هو الذي رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، تبعًا لما نقل عن إمام أحمد. ورجح بين الأقوال المروية عن الإمام أحمد، بهذا الترجيح. وهو الصواب. والله تعالى أعلم. ثم قال رحمه الله: مثل العلم في الثوب. ويشير إلى أن كما أنه في الثوب، يرخص فيه بالشيء اليسير من الحرير، كما جاء في الأحاديث التي تستثني ذلك، قدر أربعة أصابع، لمن به حكة، لأجل أن يخفف ذلك من حكة هذا المريض. الحرير لين، ونهى النبي صلى الله عليه وسلم استخدامه للرجال، فهو للنساء خاصة. ولكن إذا وقعت الحاجة، يجوز أن يخلط الثوب بقدر أربعة أصابع. معناه: المجموع الذي يخلط مع الثوب الواحد، يعادل أربعة أصابع، أربعة أصابع عرضًا للثوب. معناه: أن الذي يصنع الثوب، يوزع هذه الأربعة الأصابع على كامل الثوب، حتى يلين ذلكم الثوب، حتى يلين ذلكم الثوب. ويفهم هذا من يصنع الثياب: كيف يخلط القليل مع الكثير، حتى يكتسب الليونة التي تذهب الضرر المراد من هذا القياس: أن هذا القليل أذن به لدفع ماذا؟ لدفع الضرر. ما هو الضرر؟ الضرر: الحكة التي ترخص فيها هذا السائل للنبي صلى الله عليه وسلم، فأذن له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وكذلك في مسألة الفضة، أذن النبي صلى الله عليه وسلم في تطبيب الإناء بالفضة، لأجل دفع الضرر. الآنية في ذاك الزمان، ليست كالآنية في هذا الزمان، يعني في ذاك الزمان، كانت الآنية من الخشب، أو كذلك من غيرها من الأوعية. وفي هذا مشقة أن يصل إليه الإنسان، وأن تبقى طويلًا. فإذا أخذوا وعاء من شيء آخر، فإنه قد ينكسر، فإذا انكسر، بماذا يصلحونه ويسدون الشق؟ الفضة أحسن ما يستخدم في ذلك. فإذا الحفاظ على الإناء، كان شيء ثمين في ذاك الزمان، ليس مثل اليوم، ما شاء الله، تذهب إلى أدنى محل، تجد أنواع الآنية، إن تريد الزجاج أو تريد المعادن أو غيرها من الآنية. فالشاهد: كأنه يقول رحمه الله: فكما رخص لدفع الضرورة في الحرير، فكذلك، والضرر، فكذلك بالنسبة لاستخدام الفضة. فالخلاصة: لا تستخدم الفضة للترفيه، كما لا يستخدم الحرير للترفيه. فاستخدامه في المكحلة، وما ذكر، هذا من الزينة التي تدخل على الصحيح في النهي، المحرم. والله تعالى أعلم. قال رحمه الله: وكذلك في التعليق القديم: إنما كره أحمد الحلقة في الإناء، ولم يكره الضبة، لأن الحلقة يحصل الانتفاع بها في الانفراد، لأنها تستعمل بما هو المنفصل، وهو الزيادة. والضبة لا تنفرد باستعمالها. ولأن الحلقة قد يمكن الانتفاع بها لو انفردت. قال: وذكرت في موضع آخر: أن أحمد إنما كره الحلقة في الإناء، اتباعًا لابن عمر. والمنع هنا مقتضى النص، والقياس. فإن تحريم الشيء مطلقًا، يقتضي تحريم كل جزء منه، إلا ما استثني. إذ النهي عن الشيء، نهي عن بعضه. لأن الحلقة من الإناء، أو الميل من المكحلة، أو كذلك رأس المرود، أو طرف المكحلة، هي أجزاء من آنية. ليس وجود الفضة فيها حاجة، ولا لدفع ضرر. فلهاتين العلتين، كان الصحيح أن نهي عنها. ولهذا جاء عن ابن عمر: أن نهي عن ذلك. ولو تأملنا ما أذن به النبي صلى الله عليه وسلم من التضبيب، علمنا أن المقصود هو دفع ضرر، وليس ترفهًا، وزينة. قال رحمه الله: فأما يسير الذهب، فلا يباح بحال. نص عليه في رواية الأثرم، إبراهيم بن الحارث: في الفص، إذا خاف عليه أن يسقط، هل يجعل له مسمار من ذهب؟ فقال: إنما رخص في الأسنان على الضرورة، فأما المسمار، فلا. فإذا كان هذا في اللباس، في الآنية أو لا؟ وقد غلط الطائفة من أصحاب أحمد، حيث حكوا قولًا بإباحة يسير الذهب، تبعًا لقولهم بالآنية. عن أبي بكر عبد العزيز، وأبو بكر إنما قال ذلك في باب اللباس، والتحلي. وباب اللباس أوسع. ويجوز تمويه السقوف بالذهب والفضة. ولا يجوز تمويه السقوف بالذهب والفضة. طيب، هذه مسائل أخرى، نقف هنا أولًا. يقول رحمه الله: أما يسير الذهب، فلا يباح بحال. لماذا؟ لأن الرخصة إنما جاءت في الفضة، ولم تأت في الذهب. ولأنه كذلك في مثل هذا الموضع، الآنية، يمكن الاستغناء بالفضة عن الذهب، فلا حاجة للذهب، إلا إذا كان في شيء يعلم أن الفضة تضر، فإنه يجوز أن يستخدم من الذهب. مثلا: ذكر الأطباء بخبرتهم، وتتبعهم: أن استعمال بعض الأدوات الدقيقة من الذهب، سواء الأصفر أو الأبيض، أدق وأنقى للسلامة من الفضة. ففي مثل هذه الحال، نقول: الحكم يدور مع علته، ماذا؟ وجودًا وعدما. فيرخص؛ لأنه تندفع الضرورة به، ولا تندفع بالفضة. ويستأنس بما وقع الإذن في الذهب في مثل هذه المواضع، كحديث من أرفجة، كحديث أرفجة: اتخذ أنفًا من فضة، فعفن، ثم اتخذ أنفًا من ذهب. نعم، وهذا هو الضابط، إذن، هذا هو الضابط. فاستخدام المسمار من الذهب، الأصل أنه لا يجوز، إلا في المواضع التي لا يمكن إصلاحها إلا بالذهب، فإنه عند ذلك يجوز. وكما قال: كما رخص في الأسنان على الضرورة، فكذلك على الصحيح في المسمار، إذا احتيج إليه، لكن في ماذا؟ في مكان فيه مجال للطب. لأن حديث عرفجة أذن باستخدام الذهب لأجل ماذا؟ لأجل الطب في الجسد. وهكذا كذلك إذا كان الإناء يستخدم للطب، مثل أن يكون ذلك من الإناء يلامس الجسد، أو يستخدم للجسد، فإنه لا بأس باستخدامه من الذهب. أما إذا كان على وجه الترفيه والزينة، فإنه لا يجوز، ولو كان يسيرًا؛ لأن الاستثناء إنما جاء في الفضة. والذهب يبقى على أصل التحريم. وهذا هو الصحيح. وثم نبه رحمه الله: أن طائفة من أصحاب الإمام أحمد أخطأوا حين قاسوا الاستثناء في اللباس بالاستثناء في الآنية. وبين اللباس والآنية فرق. ومعناه: أنه جاءت بعض الآثار، جاءت بعض الآثار في استثناء يسير الذهب في اللباس، كالسيف ونحوه، ولم يستثنى ذلك في الآنية. فلهذا استثنى جماعة من العلماء والفقهاء يسير الذهب في اللباس، ولم يستثنوه في الآنية. وهذا هو الصحيح، كما ذكر رحمه الله. قال رحمه الله تعالى: ولا يجوز تمويه السقوف بالذهب والفضة، يعني تزيين السقوف بالذهب والفضة. ولا يجوز. لدخل لجامي والسروج بالفضة. نص عليه وعنه ما يدل على إباحته. ومذهب الحنفية: والصحيح: أنه لا يجوز إلا للحاجة. فإذا كان بعض الدواب تعرفون: اللجام هو الذي يوضع في فم الخيل، يوضع في فم الخيل لأجل أن يتحكم بذهابه وإيابه، وسرعته ووقوفه. فهذا اللجام الذي يوضع، في الغالب يوضع من ماذا؟ من معدن الحديد، الستيل. ولكن نظافة الحديد الستيل تتفاوت، خصوصًا في ذاك الزمان المتقدم، ما كانوا يجدون حديدًا لا يصدع. والحيوان يتأذى إذا بملاسمة الماء والأكل، يتأذى بصدى هذا الحديد في فمه. فلهذا من كان منهم غنيًا، بدل من أن يذهب ويغير هذا اللجام أكثر من مرة، ويبحث عن الحديد النقي، يأخذ من فضة ويرتاح؛ لأن الفضة لا يحصل لها من الصدأ والأذية والضرر لهذا الحيوان. فهذا استثناه بعض الفقهاء، وهي رواية عن الإمام أحمد، كما ذكر: إذا كان لا يمكن استخدام غيره، أو كان فيه ضرر على نفس القاعدة التي تقدمت في هذا الباب. فالحكم يدور مع علته وجودًا وعدما. وهكذا كذلك السرج الذي يوضع على الحيوان، الخيل ونحوه، إذا كان طرف السرج المباشر المباشر للحيوان يؤذيه؛ لأنه يكون في بعض أطرافه حلق الحديد. إذا كانت هذه الحلق تؤذي، ولا يمكن استبدالها بغير مؤذي إلا بالفضة، فلا بأس أن تستخدم الفضة، على الصحيح. فإذن الأصل هو المنع، وإذا لم يندفع الضرر إلا بهذا، فيجوز، على ما تقدمت الإشارة إليه. وما جاز في الإنسان، جاز في الحيوان. وما جاز في الإنسان، جاز في الحيوان، إذا كان لأجل دفع الضرر. وقوله عليه الصلاة والسلام: لا ضرر ولا ضرار، عام. والله أعلم. قال رحمه الله تعالى: وحيث وبيح الضبة، فإنما مراد من أباحها: أن يحتاج إلى تلك الصورة، لا إلى كونها من ذهب أو فضة. فإن هذه ضرورة. ويتبيح المنفرد. ويباح الاكتحال بميل الذهب والفضة؛ لأنها حاجة. ويباحان لها. وقال أبو المعالي بن المنجي: وهذا وقع فيه الخلاف، حيث وبيح الضبة، يعني: هل يقاس عليها غيرها إذا احتيج إليها؟ الصحيح: أن الأصل هو المنع، لكن إذا فعلًا وقعت الحاجة، مثلا: إنسان عنده تحسس، بعض الناس فعلًا تحسسه شديد، أي معدن يستخدم، يحصل له ماذا؟ يحصل له تضرر. فمثلا: المكحلة تعرفون: تستخدم من الخشب الناعم، أو تستخدم كذلك من النحاس أو نحوه، وقد تستخدم من الفضة. الأصل أنه لا يجوز أن تستخدم من الفضة، لكن إذا حصل التحسس، ونصح الطبيب بأن هذا الإنسان لا تصلح له المعادل، وإنما يصلح له أن يستخدم الفضة، فإذا كان بخبرة خبير، فلا بأس في ذلك. لأنه كما تقدم: العلة واحدة. وإذا وقع مثل هذا، فهل يباح الاكتحال بمثل هذا؟ الصحيح: أنه يباح، إذا لم يكن غيره، يستطيع أن يستخدمه. وأما إذا أمكن، فلا. فكما لا ينتقل من المعادل إلى الفضة، كذلك لا ينتقل من الفضة إلى الذهب، إذا كان الفضة: ماذا؟ تغني عن الذهب. لماذا؟ لأن الشرع رخص في الفضة في مواضع، ولم يرخص في الذهب. فعلم أن التدرج في هذا مطلوب. هذا خلاصة ما يذكر في هذا الباب. والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم عن نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.