كتاب الصيام 11

كتاب الصيام 11

الدرس في كتاب الصيام 11، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أحكام الصيام والتبرع به عن غير القادر

يناقش هذا الفصل مسألة التبرع بالصوم عن شخص غير قادر على الصيام، ويستعرض آراء الفقهاء في جواز هذا الفعل. كما يخلص إلى أن الراجح هو عدم وجوب الصيام في هذه الحالات.

رخصة الفطر في رمضان للجهاد وحفظ الضرورات

يشرح هذا الفصل رخصة الفطر في رمضان للجهاد وحفظ الضرورات الخمس، ويبين أن الفطر يجوز لمن يريد الجهاد أو حفظ الضرورات إذا كان لا يستطيع ذلك إلا بالفطر. كما يذكر آراء أهل العلم في هذه المسألة.

أحكام النية في الصيام وآثار الجهل بدخول الشهر

يناقش هذا الفصل حكم نية الصيام عند الجهل بدخول الشهر، ويبين أن النية للصيام لا تحتاج إلى استحضار لفظي أو معنوي. كما يوضح أن الجهل بدخول الشهر لا يضر إذا كانت النية مبيتة.

ختام بالدعاء للنبي محمد

يتضمن هذا الفصل الدعاء للنبي محمد بالصلاة والسلام عليه وعلى آله وصحبه، ويعتبر هذا الدعاء من السنن المستحبة في الإسلام. يُقال في مختلف المواقف.

التفريغ النصي الكامل

يصر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم الآن مع الدرس الحادي عشر: الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. لو تبرع اليوم، قال رحمه الله تعالى: وقال لو تبرع إنسان بالصوم عما لا يطيقه لكبر ونحوه، أو عن ميت وهما معسران، توجه جوازه؛ لأنه أقرب إلى المماثلة من المال. هذه مسألة من المسائل التي ذكرها الفقهاء، وقد اختلفوا فيها، وبعضهم نقل فيها الإجماع، لكن الصحيح أنه لا إجماع. فلو أن إنسانًا أراد أن يتبرع بالصوم، خصوصًا إذا كان وليًا له، لمن لا يطيق الصيام، ككبير أو ميت، كان عليه طعام؛ يعني مثلًا إنسان كان عنده مرض مزمن، لم يصم، ولم يكن عنده مال يخرج الإطعام، فمات، أو لا زال حيًا، فهاتان مسألتان. أما إذا مات، ففيه خلاف؛ فمن أهل العلم من يقول: يجوز أن يصام عنه، لعموم حديث «من مات وعليه صوم، صام عنه وليه». وهذا كان عليه طعام، ولم يتيسر المال، والولي لا يستطيع إخراج المال كذلك لفقره، فهل يجوز أن ينتقل من الإطعام إلى الصيام؟ في هذا خلاف. هذا بالنسبة إذا كان ميتًا، فيه خلاف، ورجحه هنا أنه يجزئ، فيقول: هو أقرب إلى المماثلة من المال، ونقل هذا عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى كذلك. والمسألة الثانية وهي: إذا كان المريض صاحب المرض المزمن لا يزال حيًا، ولم يستطع لإطعام، وأولياؤه فقراء لا يستطيعون الإطعام كذلك، فهل يسقط عنه؟ أم ينتقل إلى الصيام كذلك؟ في هذا خلاف، وبعضهم نقل فيه هذه المسألة الإجماع، والصحيح أنه ليس فيها إجماع؛ نقل الإجماع أنه لا يجوز الانتقال إلى الصيام، والصحيح أنه فيها خلاف. بقي ما هو الراجح بالمسألتين؟ الراجح بالمسألتين أنه لا يجب الصيام إذا لم يستطع لإطعام؛ لا يجب، وأما من صام، فهذا أمر آخر؛ يعني يجوز ولا يجب. وهذا بالنسبة للمسألة الأولى إذا كان ميتًا. وأما إذا كان حيًا، فلا يتعجل بالصيام لأنه قد يتيسر الحال فيستطيع ماذا؟ الإطعام. ما دام الرجل لا زال حيًا، فلا يتعجل بالصيام عنه؛ لأن حقه هو الإطعام، حقه الإطعام. فإذا الراجح بالمسألتين هو هذا؛ بالنسبة للحي لا يتعجل بالصيام له حتى ينظر لعله يتيسر مال فيطعمون، وبالنسبة للميت فلا يجب، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، وهذا ليس في وسع الميت ولا أوليائه. وأما الانتقال إلى الصيام فليس بواجب بحق الميت الذي عليه إطعام وليس عليه الصيام، والحديث إنما في حق الصيام. والله أعلم. قال رحمه الله تعالى: واختار الفطر للتقوي على الجهاد، وفعله هو، وأمر به؛ لما نزل العدو مشقة. يريد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أنه اختار جواز الفطر للتقوي على الجهاد، وتقدم معنا حديث النبي صلى الله عليه وسلم في فطره وأمره أصحابه في الفطر في عام الفتح في العشر الأولى من رمضان، وأمرهم بذلك ليتقووا على الجهاد. وفي هذا دليل على جواز الفطر للتقوي على الجهاد؛ يعني ولو لم يكن سفرًا، ولو لم يكن سفرًا، بل قد يجب. ولهذا غضب النبي صلى الله عليه وسلم على من لم يفطر، وقال: «أولئك العصاة، أولئك العصاة». لماذا؟ لأنهم تركوا شيئًا واجبًا، وهو التقوي للجهاد الواجب في حفظ الدين والمال والنفس والعرض. وهذا لا شك أنه من الضرورات الخمس التي لمثلها يكون الفطر. ولهذا كان على القول الصحيح - والمسألة فيها خلاف - من أقوال أهل العلم: أن من رخص الفطر في رمضان الفطر لأجل التقوي على الجهاد، ولو كان في الحضر، ليس من شرطه السفر، ولو كان في الحضر. فلو هاجم عدو بلدة ما في رمضان، ولم يستطع الناس دفع هذا العدو إلا بالفطر، وجب عليهم الفطر ليتقووا في مدافعة هذا العدو. بل الصحيح من أقوال أهل العلم أن هذه العلة تتعدى الجهاد في كل ما فيه حفظ للدين أو النفس أو الضرورات؛ فإذا كان لا يندفع هذا الضرر إلا بالفطر، فإنه يفطر. مثاله كما مثل الفقهاء: الحريق والغريق. مثل الفقهاء بهذا؛ فلو وقع حريق - نسأل الله أن يدفع عنا وعنكم وعن جميع المسلمين - أو وقع غرق، فلم يستطع من يريد أن ينقذ بإطفاء الحريق أو إنجاد الغريق وهو صائم متعب ضعيف إلا أن يتقوى بفطر، فهل يجوز له أن يفطر لأجل أن يتقوى بذلك على إطفاء الحريق أو إنجاد الغريق؟ في هذا خلاف، والصحيح أنه يجوز. والشرع لا يجمع بين مفسدة ولا يفرق بين مصلحة. وهذا هو ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وجماعة من أهل العلم محققين قديمًا وحديثًا. قال رحمه الله تعالى: وقال يباح للمسافر الفطر ولو كان السفر قصيرًا. وفي هذا خلاف، والصحيح هو ما ذكر رحمه الله، وهو ترجيح شيخ الإسلام، وهي رواية كذلك أو وجه للإمام أحمد، وجماعة من الفقهاء قديمًا وحديثًا؛ فالرخصة في وقوع مسمى السفر، سواء كان السفر قصيرًا أو طويلًا، فيه مشقة أو ليس فيه مشقة، وجود هذا الوصف سبب للرخصة في الفطر، وهي رخصة من الله سبحانه وتعالى. قال: قوله: «وَلَا يَصِحُّ صَوْمُ وَاجِبٍ إِلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ مِنَ اللَّيْلِ مُعَيِّنًا مِنْ رَمَضَانِ أَوْ قَضَائِهِ أَوْ نَذْرِهِ أَوْ كَفَّارَتِهِ». وعنه: لا يجب تعيين النية لرمضان، ولا يصح بنية مقيدة بنذر أو غيره؛ لأنه ناوٍ تركه، اختاره الشيخ. إن كان جاهلًا، ومن كان عالما فلا. هذه مجموعة من المسائل كذلك في النية. أولها: هل يجب لمن يريد أن يصوم رمضان أن يعين النية للصيام؟ أن يعين النية؟ تقدم معنا أنه إن وقع الاشتباه واللبس وجب التعيين، وإن لم يكن فلا حاجة للتعيين؛ يعني لا يجب كل يوم أن يعين نية الصيام. فلكن إذا وقع اللبس، كأن يكون مسافرًا وأراد أن يصوم في السفر، أو كذلك في أول يوم من أيام رمضان مع يوم الشك. مع أن هذا حتى ما قد ذكره الفقهاء، ولكن في الحقيقة ما من مسلم ينتظر دخول شهر رمضان إلا وفي قلبه انعقاد ماذا؟ النية. إلا وفي قلبه انعقاد النية. ولهذا كما سيأتي معنا: أن النية ليس من شرطها استحضارها لا لفظًا ولا معنى، بل قد يفعل الإنسان فعلًا يكون فيه معنى النية. ولهذا قال الفقهاء: من تعشى فقد نوى الصيام؛ يعني عشاء الصائم؛ يعني معناه الصائم لما يأكل في الليل يريد أن يستعين بهذا الأكل لصيام اليوم التالي، أكله هذا عبارة عن ماذا؟ تأكيد للنية. تأكيد للنية. المتسحر حين يتسحر، وإن لم ينوِ تسحره، يعتبر ماذا؟ نية. تسحره يعتبر تأكيد لهذه النية. إذن النية ليس من شرطها استحضارها لا لفظًا ولا معنى، وإنما إذا وقع معنى من معانيها فقد وقعت النية. ولهذا قال الفقهاء كذلك: كل من خطر بباله أنه صائم فقد نوى؛ كل من خطر بباله أنه صائم فقد نوى. وهذا يتحقق سواء في دخول الشهر أو في خروجه أو في أثنائه؛ لكل من مر على خاطره أنه في شهر الصيام أو مقبل على شهر الصيام. فلهذا كان الصحيح في هذه المسألة والمسائل التي بعدها كلها: أنه ما لم يكن فيه اشتباه فلا حاجة لتعيين النية؛ فالنية موجودة، النية موجودة. وأما التفريق بين الجاهل والعالم، ففي الحقيقة هو يرجع إلى الاشتباه؛ إذا وقع الاشتباه وقعت حاجة النية، وإذا لم يكن اشتباه فلا حاجة. والجهل أمر نسبي؛ كونه مثلًا لا يدري أنه غدًا رمضان لأنه يوم الشك أو لا، هذا لا يغير نيته؛ لأنه في قلبه وفي خاطره: إن كان رمضان فهو ماذا؟ صائم مع الصائمين. فكونه لم يبلغه وجهل أنه رمضان إلا في وسط النهار علم بذلك، وهو لم يأكل ولم يشرب؛ فالصحيح أنه قد نوى؛ لأن النية قد بيتها من الليل، وإن لم يتلفظ بها، ولا كذلك مر على ذهنه أمرها؛ لكن هو في قلبه: إن كان يوم الشك هو رمضان مع الصائم مع الصائمين. فلا يضره كونه بلغه الصيام في وسط النهار. وهذا يحصل لبعض من في البوادي البعيدة ما عنده إذاعة، ما عنده هاتف، ما عنده شيء في مكان بعيد، فينتظر ما يدري اليوم رمضان أم لا، ويريد أن ينظر إلى الهلال، ما رأى شيء، مثلًا سحب غبار، شيء من هذا القبيل، فيبقى ممسكًا، ما أكل شيء، ماذا ينتظر؟ ينتظر تأكيد الخبر. جاءه المخبر في الظهر، قال له: اليوم أول يوم من رمضان. أتى من بعيد من المدينة مثلًا، وأخبره أن اليوم أول يوم من رمضان. فهو وإن لم يكن صائمًا في أول النهار، لكنه لم يأكل شيئًا، لكن النية مبيتة أم لا؟ النية مبيتة. فهو جاهل بكونه دخل رمضان أم لا، لكن جهله هذا لا يضر؛ جهله هذا لا يضر. هذا هو الصحيح، والله تعالى أعلم. على هذا يحمل الكلام شيخ الإسلام ابن تيمية. ولهذا قال: إن كان جاهلًا، ومن كان عالما فلا؛ يعني عالم بالعكس. إذا علم أنه ليس من رمضان، معناه هنا أزاح النية؛ إذا علم أنه ليس من رمضان أزاح النية. لكن يبقى إذا كان هذا العلم وقع بسبب خطأ يحصل أحيانًا خطأ في النقل؛ يقول له الإنسان: هل اليوم رمضان؟ قال: لا، ليس رمضان. ويكون قد استمع مثلًا لإذاعة دولة أخرى، فيأتي وهو لم يأكل، ويأتي المخبر على الوجه الصحيح، ويقول: اليوم رمضان. فهنا حصل خطأ. ففي هذه الحالة يواصل أو لا يواصل؟ يواصل. وقد تقدم معنا أن الخطأ في مثل هذه الأوجه لا تمنع من مواصلة الصيام. طيب هل إذا أكل يضر أو لا يضر؟ الجواب: يضر. فرق بين من أكل من دون نية الصيام؛ فهنا أبطل على نفسه سبب الصيام. وأما من نوى الصيام، وحصل خطأ فأكل، فهذا لا يضر. وهذا هو الصحيح في مثل هذه المسائل، والله تعالى أعلم. طيب إلى هنا نكتفي لانتهاء الوقت، ونكمل إن شاء الله بدرس لاحق. صلى الله وسلم على أبينا محمد وآله وصحبه وسلم.