الدرس في كتاب الصلاة 36، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تطرق الشيخ إلى جواز جمع الصلاة في السفر بأذان وإقامتين، سواء جمع تقديم أو تأخير، مستندا إلى أدلة من القرآن والسنة. يُجمع العلماء على جواز جمع التأخير بينما اختلفوا في جمع التقديم.
يُبيّن الشيخ جواز جمع الصلاة تقديمًا وتأخيرًا للمشقة، مستدلا بحديث ابن عباس وحديث جابر بن عبد الله. يُفصّل أهمية هذا الترخيص خاصة في حالات السفر.
يناقش المقطع أحكام صلاة المسافر مثل القصر عند مفارقة البنيان وإتمام الصلاة عند العودة إلى البلد، وأحكام صلاة المسافر خلف المقيم والعكس. يُوضح الشيخ تفاصيل هذه الأحكام.
المقطع يتضمن اعتذارا عن إقامة درس بعد صلاة العشاء مع شكر للجمهور وتمني الخير لهم. يُقدم المعتذر اعتذاره باختصار.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. قال الشوكاني -رحمه الله تعالى- تتمة لمسائل باب صلاة السفر، قال: وله الجمع تقديما وتأخيرا بأذان وإقامتين. وهذه المسألة الخامسة من مسائل هذا الباب، أن يجوز للمسافر أن يجمع بين الصلاتين التي يجمع بينهما، مثل الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، جمع تقديم أو جمع تأخير، بأذان وإقامتين. وقد أجمع العلماء على جواز جمع التأخير، لا خلاف بين أهل العلم في جواز جمع التأخير. وقد دلت عليه أدلة كثيرة، بعضها عمومات من القرآن، وبعضها نصوص قاصة من السنة، مثل قول النبي ﷺ: «وكان إذا جد به السير أخر» -أي كان النبي ﷺ إذا شد في سيره أخر الصلاة إلى الأخرى- فهذا منطوق صريح في جواز جمع التأخير. واختلف أهل العلم في جواز جمع التقديم، جمهور أهل العلم على جوازه، لما جاء في هذا الباب من الأحاديث الصريحة التي جاءت بنصي بالتنصيص على جمع التقديم، وكذلك ما دل عليه المعنى من عمومات ونصوص أخرى. وخالف بعض أهل العلم لأن أصرح حديث في الباب حديث معاذ، وقد أشار إليه المؤلف -رحمه الله- في شرحه، فيه ضعف. وهذا الحديث وإن كان فيه ضعف، لكن الصحيح أن معناه صحيح، فيجوز جمع التقديم كما يجوز جمع التأخير. أولاً، مما دلت عليه النصوص بالمفهوم، فمثلاً هذا الحديث الذي مر معنا قبل قليل، حديث عبد الله بن عمر: «أن النبي ﷺ كان إذا جد به السير أخر»، طيب إذا جد به السير أخر المغرب حتى يغيب الشفق، ثم يجمع بينه وبين العشاء. وبمعناه حديث جابر بن عبد الله كذلك، فمفهومه -مفهوم المخالفة- كان إذا لم يجد به السير ربما قدم. وهذا المفهوم أكدته نصوص أخرى. من هذه النصوص الأخرى: «أن النبي ﷺ صلى الظهر في المدينة أربعاً، والعصر بذي الحليفة ركعتين»، صلى الظهر بالمدينة أربعاً، والعصر بذي الحليفة ركعتين، ثم بين المدينة وبين ذي الحليفة ما بينهما إلا ما يسير، الراكب بما لا يزيد عن نصف ساعة، هذا إذا كان على راحلة، أما اليوم بالسيارة ربما قدر عشر دقائق أو ربع ساعة، يعني الميقات -ميقات ذي الحليفة- ومسجد النبي ﷺ ما بينهما إلا قدر ربع ساعة بالسيارة. إذا كان صلى الظهر في جماعة المسلمين في المدينة، ثم صلى العصر، هل إذا انطلق العصر في وقت الظهر أو في وقت العصر؟ الغالب أنه إذا صلاهما في أول وصوله يكون في وقت العصر. فإن قال قائل: هذا ليس بصريح، يقال له: كذلك دليل آخر يدل على جواز جمع التقديم، وهو حديث عبد الله بن عباس الذي جاء بصريح مسلم: «أن النبي ﷺ جمع بين الصلاتين من غير سفر ولا مطر». وقد أجمع العلماء في مفهوم حديث ابن عباس على جواز الترخيص به في جمع التقديم وجمع التأخير. ولما سئل ابن عباس: ماذا أراد بذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته، يعني أن يرفع عنهم المشقة. أراد النبي ﷺ أن يرفع عنهم المشقة، فيجوز إذا وجدت المشقة أن يجمع صاحب المشقة جمع تقديم، وجمع تأخير، مثل من؟ مثل المريض. المريض يجوز له أن يجمع جمع تقديم أو يجمع جمع تأخير. والمسافر من أشد الناس احتياجا للترخص بالمشقة، خصوصا في هذه الأزمنة المتأخرة. وما ضعُف في إيمان الناس، بعض الناس إذا لم يصل في وقتها الصلاة ربما لا يصلي، مثلا طائرة ستطير، أو قطار سيمشي، أو باص سيتحرك بعد صلاة الظهر، ولن يقف إلا بعد صلاة العشاء، معناه أن صاحب هذه الرحلة إما أن يقدم في طريق سفره، يعني يقف فقط في وقت الظهر، وما سيقف أبدا، سيقف للغداء، وما سيقف إلا بعد العشاء. تنبيه، لأن القليل من سائقي السيارات من عنده تقوى لله، يقف للبطون وما يقف للصلاة، يقف للغداء ويقف للعشاء. فإذا قلنا للناس: ما يجوز صلاة جمع التقديم، إنما فقط جمع التأخير، أكثر الناس ما سيصلي العصر. إذا ترخصنا بحديث ابن عباس على أشد الأحوال، فإذا ترخصنا بحديث عبد الله بن عباس كان ذلك دليل على جواز جمع التقديم، وهو من باب أولى، وهو أشد ما يحتاج الناس إليه، خصوصا كما قلنا في مثل هذه الأزمنة التي ضعف فيها الوازع الديني عند الكثير من الناس. وهكذا كذلك مما يدل على جواز جمع التقديم: ما ثبت بحديث جابر بن عبد الله: «أن النبي ﷺ صلى -جمع بين الظهر والعصر- في وقت الظهر في عرفة». وقد اختلف أهل العلم: هل جمع النبي ﷺ كان جمع لأجل السفر وقصر لأجل السفر، أم لأجل النسك؟ وعلى كل القولين فإنه يدل على جواز الجمع تقديم للمسافر. فالمسافر أشد حاجة للترخص من الحاج. لو قلنا: أنه للسفر، لكان نصا صريحا أنه يدل على جواز جمع التقديم. وإن قلنا: أنه لغير السفر بل للنسك، فهنا يأتي سؤال: لماذا رخص للحاج أن يجمع جمع تقديم؟ يقول القائل: لأجل أن يتفرغ للعبادة، لأجل كذلك أن لا يشق عليه، وتندفع المشقة عن الحجاج. فيقال: أليس المسافر كذلك عليه مشقة يحتاج أن تدفع؟ فإن كان الجواب نعم، فهذا كذلك يدل على جواز جمع التقديم. وبه نخلص أن هذا القول -الصحيح من أقوال أهل العلم، ومذهب جمهور أهل العلم- من أنه يجوز جمع التقديم وجمع التأخير. وهكذا قوله: بأذان وإقامتين، لما جاء في حديث مالك بن الحويرث: «أن النبي ﷺ قال: يؤذن أحدكما وليأمكما أكبركما». فضلاً، ليس صريح، وقلنا: نحن هو محتمل. وقرب المسافة يدل أنه صلى في وقت الظهر. وكذلك من مسائل هذا الباب -ويضاف في هذا الموضع- أن القصر يكون من مفارقة البنيان. القصر يبتدئ من مفارقة البنيان. ودليل حديث أنس في الصحيحين الذي تقدم: «أن النبي ﷺ صلى بالمدينة أربعا، وبذي الحليفة ركعتين»، فدل على أنه لما فارق البنيان جاز القصر. ومثله كذلك للراجع من السفر، قد يقول القائل: أنا سافرت إلى عدن، وفي رجوعي نزلت في المكلا، هل أتم الصلاة وأنا في المكلا؟ أم إذا وصلت إلى الشحر؟ إذا كان هو من أهل الشحر، الجواب: إذا وصلت إلى الشحر ورأيت بنيان الشحر فإنك تتم. وأما إذا كنت في الطريق فإنك تستمر في القصر حتى ولو كنت في زغفة -نزلت زغفة- تعرفون الذي في المدخل إلى هنا، وأنت نويت السفر تبدأ بالقصر لأن بنيان الشحر يغيب عنك. وأنت آتي إلى هنا تستمر في القصر، إذا دخلت الشحر تبدأ بماذا؟ تبدأ بالإتمام إذا كنت من أهلها. وهكذا من مسائل كذلك هذا الباب: أن صلاة المسافر خلف المقيم تتم، لما جاء عن ابن عباس وعن ابن عمر ما يدل على ذلك، أي من السنة: أن المسافر إذا صلى خلف المقيم أتم. وفي الصحيحين من حديث ابن عمر من فعله -أي من فعل عبد الله بن عمر- ومثل هذا في الغالب لا يفعل من قبيل الرأي. وقد جاء بحديث ابن عباس خارج الصحيحين وهو صحيح: «أن ذلك من السنة»، أي إذا صلى المسافر خلف المقيم أتم. وأما العكس إذا صلى المقيم خلف المسافر فإن المقيم يتم، يسلم المسافر والمقيم يتم، لقول عمر -رضي الله عنه-: «إنا قوم سفر فأتموا صلاتكم». نكتفي بهذا، وإلى هنا والحمد لله رب العالمين. وأعتذر إن شاء الله عن الدرس بعد صلاة العشاء. لكم الله خير شكرا.