الدرس في شرح أصول في التفسير للعثيمين 33، الدرس الثالث والثلاثون : من (1-علي بن أبي طالب ... ليلة السابع عشر من رمضان سنة أربعين من الهجرة ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل ترجمة حياة علي بن أبي طالب وزوجته ابنة الرسول صلى الله عليه وسلم، ويبرز مكانته وفضائله. كما يوضح بعض المفاهيم الخاطئة حول خلافته ونبوته التي يروج لها بعض الشيعة والرافضة.
يناقش هذا الفصل أهمية نوع الروايات عن الصحابة وليس كميتها، ويشير إلى أن بعض الروايات المكذوبة عن علي بن أبي طالب تسيء إليه بدلاً من أن تثني عليه. كما يستشهد برأي ابن تيمية في أن بعض المناقب المنسوبة لعلي رضي الله عنه هي في الحقيقة مثالب.
يذكر هذا الفصل أهمية رواية علي بن أبي طالب في التفسير، ويحذر من قبول الروايات الضعيفة مثل رواية الحارث الأعور وعمر بن شمر عن جابر الجعفي. كما يبين أن بعض الأسانيد التي قد تبدو قوية تحتوي على انقطاع أو ضعفاء في السند.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخنا أبو عبد الله محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى في كتاب "الوصول إلى التفسير": قال المشتهرون بالتفسير من الصحابة: اشتهر بالتفسير جماعة من الصحابة، ذكر السيوطي منهم الخلفاء الأربعة: أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعليًا، رضي الله عنهم. إلا أن الرواية عن الثلاثة الأولين لم تكن كثيرة؛ لانشغالهم بالخلافة، وقلة الحاجة إلى النقل في ذلك -يعني في ذاك الزمان- وفي أمر التفسير؛ لكثرة العالمين بالتفسير. فأكثرهم من الصحابة الذين شهدوا التنزيل، وحضروا الوحي، وعايشوا العمل بالإسلام، فلم يخفَ عليهم الشيء الكثير مما هو في كتاب الله. لكن لما كان علي رضي الله تعالى عنه وأرضاه أدركه الكثير من التابعين، ومن حدثاء الإسلام، احتاج الناس أن يفسر لهم كتاب الله مما قد لم يحتجه من كان قبلهم. قال رحمه الله تعالى: ومن المشتهرين بالتفسير من الصحابة أيضًا عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس. فلنترجم لحياة علي بن أبي طالب مع هذين، رضي الله عنهم. قال: علي بن أبي طالب هو ابن عم الرسول صلى الله عليه وسلم، وزوج ابنته فاطمة، رضي الله عنه وعنها، وأول من آمن به من قرابته. اشتهر بهذا الاسم، وكنية "أبو الحسن" و"أبو تراب". أما "أبو الحسن" -أرحمك الله-، فلأن ابنه الأكبر الحسن. وأما "أبو تراب"، فلما روى البخاري في صحيحه في قصة ما وقع بين علي وفاطمة رضي الله عنهما، فكان ثمرة ذلك أن خرج علي رضي الله عنه فنام في المسجد وتوسد التراب، فأيقظه النبي عليه الصلاة والسلام وهو على إثر ذلك والتراب على جنبيه، فقال له: "قم أبا تراب، قم أبا تراب". وكان هذا من أسباب كنيته. وكان نحو ذلك تكنية العرب؛ ربما يكنون بشيء يقع للرجل أو بشيء يشتهر به، مثل "أبي هريرة"، كانت له هرة، رضي الله عنه، فكني بها. قال: ولد قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم بعشر سنين، وتربى في حجر النبي صلى الله عليه وسلم، وشهد معه المشاهد كلها، وكان صاحب اللواء في معظمها، ولم يتخلف إلا في غزوة تبوك؛ خلفه النبي صلى الله عليه وسلم في أهله، وقال له: "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي". وهذا الحديث ليس فيه -كما يزعم بعض أهل الضلال من الرافضة والشيعة- إثبات الخلافة لعلي قبل الثلاثة، فضلًا عما ادعاه غلاتهم من إثبات النبوة لعلي، رضي الله عنه وأرضاه. وكل ذلك هراء وخيال يعيش فيه أولئك الضلال. فهذا -من المشتبه- لو قدر أنه مشتبه يرجع إلى المحكم الواضح. وما أكثر المحكم الواضح في إثبات الخلافة لأبي بكر، ثم لعمر، ثم لعثمان، ثم لعلي، رضي الله تعالى عنهم جميعًا وأرضاهم، فضلًا عن نبوة وغير ذلك من الخرافات التي يتعلق بها هؤلاء الرافضة. قال: نقل له من المناقب والفضائل ما لم ينقل لغيره. وكما يروى عن إمام أحمد رحمه الله في هذا المعنى: أنه وإن كان نقل عن علي رضي الله عنه من الفضائل ما لم ينقل عن غيره، لكن لا يعني ذلك أنه أفضل من غيره؛ فالعبرة بالنوع لا بالكم. العبرة بالنوع لا بالكم؛ يعني نوع المروي من الفضائل في أبي بكر، أو لا من الفضائل المروي في علي. ولو كان الذي روي في علي أكثر مما روي في أبي بكر، فلنفهم هذا؛ فليست العبرة بالكثرة، لكن العبرة بالمعنى المروي. فقد قال نبينا عليه الصلاة والسلام صريحًا -كما في الصحيح-: "أدع لي أباك وأخاك أكتب كتابًا لا يختلف المسلمون فيه أو عنه يا أبا الله". والمسلمون إلا أبا بكر. واهت به طائفتان: النواصب الذين نصبوا له العداوة، وحاولوا إخفاء مناقبه، وهم من أهل الضلال. والروافض الذين بالغوا فيما زعموه من حبه، وأحدثوا له من المناقب التي وضعوها ما هو في غنى عنه، بل هو -عند التأمل- من المثالب. وهذا معنى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في "المنهاج"؛ فقد أشار إلى أن الرافضة أحدثوا لعلي رضي الله عنه مناقب هي كذب يريدون بذلك زيادة رفعته، وهي -في الحقيقة- عند التأمل من المثالب. ووجه كونها من المثالب أنها إن صحت فهي تدخل النقص في حقه، رضي الله عنه وأرضاه. مثل المثال المشهور: أن عليًا رضي الله عنه كان يصلي بين المغرب والعشاء ألف ركعة. بين المغرب والعشاء ألف ركعة. كم بين المغرب والعشاء؟ أطول وقت في الدنيا ساعة ونصف، ونصف، أكثرت، قل ساعتين. كم ستكون الركعة إذا أعطينا الركعة الواحدة دقيقة؟ كم ستكون ألف دقيقة؟ كم تساوي الألف دقيقة ساعات؟ اقسموها. من معاودة حاسبة، اقسم ألف قسمة ستين. كم سيصير؟ بعد النقطتين، النقطة بالنقطة، يبقى مئة قسمة ستة. مئة قسمة ستة كم؟ مئة قسمة ستة يعني سبعة عشر تقريبًا، حولها، يعني أكثر من خمسة عشر ساعة. وهي ما هي إلا ساعتان. يعني معناه أنه يركع الركعة في جزء من خمسة عشر جزء من الدقيقة. جزء من خمسة عشر جزء من الدقيقة الركعة الواحدة. كيف ستكون هذه الركعة؟ ها. جزء في خمسة عشر جزء من الدقيقة الركعة الواحدة. إذا كان يصلي ألف ركعة، هل يقرأ فاتحة؟ ما يمكن فاتحة تحتاج أكثر من هذا الوقت. هل يسبح بركوعه واعتداله؟ هل يعتدل ويركع؟ فلو تأمل إنسان هذا لوجده ذنبًا وليس بمدح؛ لأن معناه عدم الطمأنينة في الصلاة، عدم الطمأنينة في الصلاة، وحصول ما تفسد به الصلاة. بل يظهر من هذا تمام الكذب عليه، رضي الله عنه وأرضاه. فبعض الكذابين يكذب الكذبة ولا يتأملها. لو تأملها وأحكمها تمامًا ممكن تكون مقبولة، لكنه ما يحكم الكذبة، يخرج الكذبة ما يتأمل فيها. فإذا تأمل فيها ونظر، وجد الإنسان الكذب ظاهرًا عليها. وهكذا غير ذلك من الأكاذيب التي تكذب ويفترى بها، ويزعم أنها من مناقب علي. قال رحمه الله تعالى: اشتهر رضي الله عنه بالشجاعة والفروسية مع العلم والفقه، حتى كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه يتعوذ من معضلة ليس لها "أبو حسن". ومن أمثلة النحويين قضية "ولا أبا حسن لها"؛ يعني قضية نحوية معضلة، فما يجدون من يحلها. وكان من أهل مشورة عمر رضي الله عنه؛ فهو -كما في الصحيح- أحد الستة الذين خلفهم عمر رضي الله عنه وأرضاه للخلافة؛ أي للمشورة بالخلافة. قال: وروي عن علي أنه كان يقول: "سلوني، سلوني، وسلوني عن كتاب الله تعالى؛ فوالله ما من آية إلا وأنا أعلم أنزلت بليل أو نهار". وقال ابن عباس رضي الله عنه: "ما إذا جاءنا ثب عن علي لم نعدل به"؛ يعني صح. قال: وروي عنه أنه قال: "ما أخذت من تفسير القرآن فعن علي بن أبي طالب"؛ يعني كثيرًا، ليس كله. وكان علي ممن لازم رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرًا قبل الهجرة وبعد الهجرة. وتعرفون أن من أسباب حصول العلم الكثير كثرة الملازمة؛ من أسباب حصول العلم الكثير كثرة الملازمة. قال: كان أحد أهل الشورى الذين رشحهم عمر رضي الله عنه لتعيين الخليفة، فعرضها علي عبد الرحمن بن عوف كما جاء في الصحيح، فأبى إلا بالشروط، لم يقبل بعضها، ثم بايع عثمان، فبايعه علي والناس، ثم بويع بالخلافة بعد عثمان، حتى قتل شهيدًا بالكوفة ليلة السابع عشر من رمضان سنة أربعين من الهجرة، رضي الله عنه وأرضاه. هذه سيرة مختصرة من سيرة علي، رضي الله عنه وأرضاه. والشاهد أن علي أحد من روي عنه التفسير، وروي التفسير عن علي بأسانيد ضعيفة وأسانيد صحيحة، والصحيح كثير. ومن هذا الكثير: رواية سعيد بن المسيب عنه، ورواية عبد خير عنه، ورواية وكيع بن الجراح وعاصم والحارث بن مضرب عنه، رضي الله عنهم ورحمهم الله. ومن الأسانيد الضعيفة وأشهرها وأضعف الأسانيد: رواية الحارث الأعور عن علي. وهذا كثير في كتب التفسير. فينبغي لقارئ التفسير أن ينتبه: هل الذي روي عن علي هذا روي بالأسانيد الصحيحة أو الأسانيد الضعيفة؟ فمن الأسانيد الضعيفة رواية الحارث الأعور. ومن أضعف ما روي عن الحارث الأعور -كما نص عليه الحفاظ- رواية عمر بن شمر عن جابر الجعفي عن الحارث الأعور عن علي، رضي الله عنه وأرضاه. وهذا عندهم أضعف الأسانيد عن علي، بل أضعف الأسانيد عن أهل البيت مطلقًا. وهكذا من أضعف الأسانيد أو من ضعيفها المروية عن علي. وإن كان بعضهم ذكره أنه من أصح الأسانيد -كما ذكر الحاكم رحمه الله تعالى-، والصواب أنه من ضعيف الأسانيد المروية عن علي. ما يروى من طريق جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي عن أبيه عن جده عن علي. فإن هذا الإسناد أولًا ينبغي أن ننتبه أنه كثيرًا ما يروى بضعفاء قبل جعفر بن محمد. وثانيًا أنه لو روي بما هو صحيح قبل جعفر بن محمد، فإنه يروى كذلك، وفيه انقطاع؛ لأن قوله "عن جده" إما هو علي أو محمد. وسواء أكان علي بن الحسين أو كان محمد، فكلاهما لم يسمع من علي، رضي الله عنه وأرضاه، لم يسمع من علي. فيكون الإسناد فيه انقطاع، الإسناد فيه انقطاع. فننتبه. والخلاصة أن التفسير روي عن علي، ولكن على القارئ والناظر فيما يروى عن علي من التفسير أن يميز بين الصحيح والضعيف. فالصحيح يقبل، والضعيف يتوقف فيه. فإن كان ليس بضعف شديد -مثل رواية جعفر بن محمد عن أبيه عن جده- فإنه يعضد بغيره من الشواهد أو المتابعات. وإن كان ضعفه شديد -كرواية الحارث الأعور، وهو الكذاب، ومن طريق جابر الجعفي- فهذا مما لا يصل حتى للشواهد المتابعات. قال القحطاني في "النونية": "ولزم رواية جعفر بن محمد فمكانها فيها أجل مكاني". هذا إذا أراد به رواية جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن علي، رضي الله عنه، فهذا ضعيف. وإن قال الحاكم: إنه من أصح الأسانيد، لكن الصحيح عند المحققين أنه ليس من أصح الأسانيد. وإن أراد به رواية جعفر بن محمد بما صح من طريق جعفر بن محمد، فصحيح. فإن بغينا أن ننتبه لهذا. والله تعالى أعلم.