تفسير سورة ق من تفسير الجلالين 4

تفسير سورة ق من تفسير الجلالين 4

الدرس في تفسير سورة ق من تفسير الجلالين 4، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تفسير الآيات الخاصة بمصير الكفار

يفسر المقطع الآيات التي تتحدث عن مصير الكفار وعنادهم ومحاسبتهم يوم القيامة، ويشرح معاني الكلمات مثل 'كفار عنيد' و'معتد مريب'. كما يبين معنى قراءة الحسن لبعض الآيات وتفسيريتها.

صفات المعذبين في جهنم ودور القرين السيئ

يشرح المقطع صفات المعذبين في جهنم مثل الكفر والعناد ومنع الخير والتعدي والشك في الدين، ويبين دور القرين السيئ في إغواء الإنسان ودخوله جهنم.

خطورة الرفقة السيئة وتأثيرها على الدين

يشرح المقطع خطورة الرفقة السيئة وتأثيرها على دين الإنسان، مستشهدا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم 'المرء على دين خليله' وقصة فرعون ورفاقه.

تعليق على قراءة سبعية وختام الدرس

يتضمن تعليقا على قراءة سبعية في آية قرآنية، ويختتم بالتأكيد على علم الله تعالى والصلاة على النبي محمد وآله.

التفريغ النصي الكامل

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ﴿وقال قرينه هذا ما لدي عتيد * ألقيا في جهنم كل كفار عنيد * مناع للخير معتد مريب * الذي جعل مع الله إلها آخر فألقِياه في العذاب الشديد﴾. قال قرينه: «ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد». قال: «لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد * ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد». قال المفسر رحمه الله: فقال قرينه، الملك الموكل به: «هذا ما لدي عتيد»، حاضر. فيقال لمالك: «ألقِ في جهنم». أي ألقِ، ألقِ، أو ألقيا. وبه قرأ الحسن: «ينب»، وبه قرأ الحسن. فأبدلت النون ألفا. «كل كفار عنيد» معاند للحق، ومن ناع للخير كالزكاة، «معتد» ظالم، «مريب» شاك في دينه. الذي جعل مع الله إلها آخر، ملحد، ضمن معنى الشر، وخبره «فألقياه». تفسيره مثل ما تقدم. ﴿قال قرينه ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد﴾، فدعوته فاستجاب لي. قال: هو أطغاني بدعائه له. ﴿قال لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد﴾، أي ما ينفع الخصام هنا. ﴿وقد قدمت إليكم بالوعيد﴾ بالعذاب في الآخرة لو لم تؤمنوا، ولا بد منه. ﴿ما يبدل القول لدي﴾، في ذلك. ﴿وما أنا بظلام للعبيد﴾، فأعذبهم بغير جرم. وظلام بمعنى ذي ظلم، لقوله: ﴿لا ظلم اليوم﴾. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، ما زلنا في تفسير هذه السورة العظيمة من سور القرآن الكريم. وتقدم معنا أن هذه السورة في الرد على شبهة المشركين في البعث والنشور، وما هم عليه من محاربة ومعاندة الرسول عليه الصلاة والسلام. وقد مرت فقرات في أوائل السورة فيها محاججة هؤلاء المشركين في أمر البعث والنشور، وكذلك التخويف والتذكير والعظة بما يأول إليه حال هذا الإنسان، مع إظهار وبيان الحجج الشرعية والقدرية الكونية على صدق ما جاءت به الرسل، وجاء به الرسول صلى الله عليه وسلم خاصة. ومن ذلك هذه الآيات في هذه الفقرة، فإن هذا المقطع الذي تضمن مجموعة من الآيات هو تأكيد لما سبق، فيخوف الله عز وجل بما يأول إليه حال هذا الإنسان. وكيف أن الشيطان يغوي هذا الإنسان، ويزين له الباطل الذي وضح بالشرع والعقل بطلانه، ويصر على عناد يأول به إلى ما فيه خسارته وهلاكه في الدنيا والآخرة. وهذا هو ما أفاد به هذه الآيات. وقوله: «فيقال لمالك»، أي مالك جهنم: «ألقِ في جهنم». هذا الاسم جاء بما دلت عليه السنة. وقوله: «أي ألقِ، ألقِ، أو ألقيا». وبه قراءة الحسن، ترون عندكم في التعليق أنها ليست قراءة، ولم تصح، بل هي انبنت قراءة تفسيرية. ولهذا قال: هي قراءة شاذة. وقال القاضي: أن الجلال محقق أخطأ في هذا وأوسعه. فقراءة الحسن هي بهمزة مكسورة، وبألف ممدودة بعد القاف، أي إلقاء، فهي تفسير، وليست قراءة. وكذلك ليس فيها «ألقيا»، وإنما يعني من اللقاء، وإنما إلقاء من الرمي. ومعناه: يرمى هؤلاء المشركون في نار جهنم بما كان من كفرهم وعنادهم ومحاددتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وما جاء به جملة وتفصيلا. فقوله: «فأبدلت النون ألفا»، هذا إن صحت هذه الرواية، ولكن لم تصح عن الحسن رحمه الله تعالى. وقوله: «كل كفار عنيد»، كما قال: معاند الحق. وهذا يشمل كفار قريش، ومن كان قبلهم ممن ضربت بهم العظة والعبرة، ومن يأتي بعدهم ممن يعاند الحق المنزل من عند الله عز وجل، ولو بعد رسالة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهذه الحكمة في إيراده بهذه الصيغة التي تفيد الإطلاق والتعميم. وهكذا كذلك «مناع للخير»، قال: كالزكاة، لأن المقصود ما هو أعم من الزكاة، كل خير. وهذا حال أهل الشرك والكفر والفجور، فإنهم يحرمون أبواب الخير، ومن ذلك الزكاة. وإلا فالخير أوسع من الزكاة، فهناك أبواب من أبواب الخير والبر الكثيرة دعا إليها هذا الدين، وجاء بها رسولنا الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم. والمعتدي لفظ يدل على معنى زائد عن الظلم، فالظالم له فعل، والمعتدي عنده ظلم وزيادة. وكما مر معنا القاعدة: اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى. فهذا تقريب للمعنى، والمقصود كل من حصل منه تعدي بأي نوع من أنواع التعدي، ومن ذلك الظالم لنفسه، فهو معتدي اعتدى بخروجه عن شريعة الله وما جاء به الرسل عليه الصلاة والسلام. وهكذا من أنكر شيئا من الشرع فهو معتدي. «ومريب» قال: شاك في دينه. وهذا كذلك من التقريب للمعنى، وإلا فالأصل اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى. فصاحب الريب هو الذي دخل معنى الشك في قلبه، وإن ظهر ذلك على قوله أو فعله تحقق الشك. وهذا معناه أن من الناس من يعذب على ما يكون من عدم يقينهم بما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام، أو ما جاء بكتاب الله، وما صحت به سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولهذا جاء في الآيات الكثيرة الأمر باليقين في الإيمان جملة وتفصيلا. ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما﴾. الحرج معنى من معاني الريب. وهكذا كذلك في أول سورة البقرة: ﴿ألف لامميم * ذلك الكتاب لا ريب فيه﴾، أي ليس فيه معنى يوجب أو يورث الشك والريب، ما هو دون ذلك، فليس فيه أي شيء يورد التردد، بل آيات محكمة متقنة، لا يقرأها ويسمعها منصف إلا علم أن حقا وصدقا من عند الله، وأن سببا لسعادة هذا الإنسان في الدنيا والآخرة. وهكذا كذلك «الذي جعل مع الله إلها آخر»، قال: ملحد، ضمن معنى الشر، وخبره «فألقياه». ومعناه أن هذا سبب درجه إلى هذا العذاب، فالذي جعل مع الله إلها آخر أورثه ذلك أنواع البوائق التي تدخله في العذاب الشديد، فالشدة العذاب بقدر كثرة أنواع المعاصي والشركيات والكفر. وقوله: «تفسيره مثل ما تقدم»، يعني في الآيات السابقة. وقوله: «قال قرينه»، أي الشيطان. والقرين قد يكون جنيا، وقد يكون إنسيا. والشياطين شياطين جن وإنس، كما قال الله عز وجل: ﴿وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن﴾. فهناك شياطين من الجن، وهناك شياطين من الإنس. وشياطين الجن والإنس هم كل من خرج عن معنى الاستقامة التي أرادها الله وبعث بها الرسل عليهم الصلاة والسلام. وهذا معناه التحذير من قرين السوء، سواء أكان إنسيا، وهذا كثير، أو كذلك الجن، بما يوسوس في قلب الإنسان. فيحذر من هذا كله ومن أسباب دخول جهنم والوقوع في العذاب الشديد القرين السيئ، متابعة وساوسه، خواطره، وكذلك إغواءاته. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح المشهور: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل»، أي من يصاحب. فدينك -يا أيها الإنسان- بحسب من تصاحب. ولهذا قد يكون الرجل مؤمنا موحدا، فإذا صاحب المشرك الفاجر الفاسق الماكر، يمكر به، ويجره خطوة خطوة حتى يخرجه من البر والتقوى إلى الفجور والفساد، وربما -وعياذ بالله- إلى الكفر والردة. وكم في هذه الدنيا وفي تاريخ البشرية من هذه النظائر التي تدل على هذا الأمر. وانظروا رفقاء فرعون: هامان بوزارته، وقارون بماله، ورفقة سوء أورثتهم نار جهنم، ودفعهم إلى الكفر بما جاء به رسول الله موسى وهكذا هارون عليهم الصلاة والسلام. وكانت النتيجة: النار يعرضون عليها غدوا وعشية، ﴿ويوم تقوم الساعة أدخل آل فرعون أشد العذاب﴾، بما كان من أنواع الكفر والشرك والشر، ومن أسبابه هذه الرفقة والقرين السيئ. وهكذا كذلك مدافعة الإنسان شيء متوقع، كما أنه يجادل في الدنيا، فإنه يجادل في الآخرة، ولكن لا ينفعه ذلك الجدال. والله عز وجل يحكي ذلك ليحذر قبل وقوعه من الوقوع فيه. فيقول: «سيقول -يا أيها الإنسان- هذه المقولة، ولكن لن يستجاب لك». وهذا هو قوله: «ربنا ما أطغيته»، قال: أي أضللته، ولكن كان في ضلال بعيد، أي فدعوت فاستجاب. أي تبرأ القرين من قرينه، والتابع من متبوعه. وهكذا أهل الشر بعضهم من بعض، كما أخبر الله عز وجل عن إبليس كيف يتبرأ ممن اتبعه. وهكذا كذلك التابع والمتبوع. وقوله: «لا تختصموا لدي»، قال: أي ما ينفع الخصام هنا، أي بين التابع والمتبوع، والغاوي والمغوى، والكل في نار جهنم، بما كان منهم من شر وفساد ومحادة وخروج عما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام. وقوله: «قد قدمت إليكم»، أي قال في الدنيا، وهو كما قال. والمقصود بما جاءت من أنواع الحجج الشرعية والكونية بالوعيد، قال: بالعذاب في الآخرة لو لم تؤمنوا، ولا بد منه، أي أن الله عز وجل يعذب بعدل، كما أنه يثيب بفضل سبحانه وتعالى. وهذا حكم الله الشرعي والقدري الذي جعله في خلقه سبحانه وتعالى. بل قد يعجل الله العقوبة في الدنيا قبل الآخرة. ولهذا بالوعيد عام يشمل العذاب الدنيوي والأخروي. وقوله سبحانه: «ما يبدل القول لدي»، قال: يغير. والتبديل غير التغيير، فمن معانيه التغيير، فقد يكون التبديل بما يكون فيه إبدال الخير بالسوء أو السوء بالخير، وهذا لا يكون. والله عز وجل قد حكم، وحكمه العدل. ولكن قد يعفو عن أهل الإيمان، فهذا في حق أهل الشرك والكفر. وأما أهل الإيمان فمن الناس من يخرج من نار الجهنم بفضل الله ورحمته سبحانه وتعالى. فهؤلاء يغير في حقهم بعد ما يكون ما يكون من عدل الله سبحانه وتعالى. وقوله: «القول لدي»، أي في ذلك، أي فيما حكم الله من حال المشركين والمؤمنين، وكذلك المتقين والفاجرين، فيدخلون ويثابون بفضله، ويعاقبون بعدله سبحانه وتعالى. «وما أنا بظلام للعبيد»، قال: فأعذبهم بغير الجرم. وظلام كما قال: ذي ظلم، أي مبالغ في دفع كل معنى من معاني الظلم، كل معنى من معاني الظلم. فهو سبحانه وتعالى منزه عن الظلم صغيره وكبيره، وكل نوع من أنواعه سبحانه وتعالى. وهو يعذب بعدل، ويكرم بفضل جل وعلى. والمعنى التخويف والتهديد بما يقول إليه الحال، وهذا الإنسان إلا من يجيب ويستجيب إلى دين الله وإلى شرعه. وأشار بالتعليق إلى قراءة سبعية في قوله: «عفوا»، هذا في الآية التي بعدها. إلى هنا والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله.