تفسير سورة الطور من تفسير الجلالين 7

تفسير سورة الطور من تفسير الجلالين 7

الدرس في تفسير سورة الطور من تفسير الجلالين 7، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تهديد المشركين بالعذاب

يتناول هذا الفصل تهديد المشركين والمعاندين بالعذاب في الدنيا والآخرة بسبب كفرهم وإيذائهم للنبي. يُبين أن العذاب قد يكون من خلال أمور السماء أو الأرض.

التوجيه للصبر والذكر

يوجّه هذا الفصل النبي والمؤمنين بالصبر والتصبير على إيذاء المشركين، ويُشدد على أهمية التسبيح وذكر الله في تسهيل الصبر وتخفيف المشاق.

ختام السورة والتبرك بالصلاة على النبي

يشير هذا الفصل إلى انتهاء الحديث أو الخطاب الديني مع التبرك بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، مع التأكيد على أن الله تعالى هو الأعلم.

التفريغ النصي الكامل

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ إِلَهًا غَيْرُ اللهِ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ، وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ، فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ، يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ، وَإِنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ، وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ، وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ. قَالَ الْمُفَسِّرُ: «وَاللهُ تَعَالَى أَيْ لَهُ إِلَهًا غَيْرُ اللهِ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ بِهِ مِنْ الْآلِهَةِ، وَالِاسْتِفْهَامُ بِأَمْرٍ فِي مَوَاضِعِهِ لِلتَّقْبِيحِ وَالتَّوْبِيخِ، وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا بَعْضًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا عَلَيْهِمْ كَمَا قَالُوا فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ أَيْ تَعْذِيبًا لَهُمْ، يَقُولُوا هَذَا سَحَابٌ مَرْكُومٌ مُتَرَاكِبٌ مُرْتَوِيٌ بِهِ وَلَا يُؤْمِنُونَ، فَذَرْهُمْ حَتَّى يَلْقَوْا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ يَمُوتُونَ، يَوْمَ لَا يُغْنِي بَدَلٌ مِنْ يَوْمِهِمْ عَنْ كَيْدِهِمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ يُنْجَوْنَ مِنْ الْعَذَابِ فِي الْآخِرَةِ، وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا بِكُفْرِهِمْ عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا قَبْلَ هَوْلِهِمْ، فَعُذِّبُوا بِالْجُوعِ وَالْقَحْطِ سَبْعَ سِنِينَ وَبِالْقَتْلِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ الْعَذَابَ يَنْزِلُ بِهِمْ، وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ بِإِمْهَالِهِمْ وَلَا يَضِقْ صَدْرُكَ، فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا بِمَرْأَىً مِنَّا نَرَاكَ وَنَحْفَظُكَ، وَسَبِّحْ مُتَلَبِّسًا بِحَمْدِ رَبِّكَ أَيْ قُلْ سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ حِينَ تَقُومُ مِنْ مَنَامِكَ أَوْ مِنْ مَجْلِسِكَ، وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ حَقِيقَةً أَيْضًا، وَإِدْبَارَ النُّجُومِ مَصْدَرٌ أَيْ عُقْبَ غُرُوبِهَا سَبِّحْهُ أَيْضًا، أَوْ صَلِّ فِي أَوَّلِ الْإِسْفَارِ وَفِي الثَّانِي الْفَجْرَ». أَمَّا بَعْدُ، فَهَذِهِ خَوَاتِمُ آيَاتٍ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ الْعَظِيمَةِ سُورَةِ الطُّورِ الَّتِي فِيهَا مُحَاجَّةُ الْمُشْرِكِينَ الْكَافِرِينَ وَتَهْدِيدُهُمْ وَوَعِيدُهُمْ بِمَا كَانَ مِنْ كُفْرِهِمْ وَشِرْكِهِمْ وَعِنَادِهِمْ وَأَذِيَتِهِمْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ مَعَهُ، وَتَسْلِيَةٌ وَتَبْرِيدٌ وَتَصْبِيرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَكَذَلِكَ هُوَ لِكُلِّ مَنْ كَانَ بَعْدَهُمْ مِنْ أَتْبَاعِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَفِي خَوَاتِمِ هَذِهِ الْآيَاتِ كَمَا نَرَى تَخْوِيفٌ مِنْ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى كُفْرِهِمْ وَشِرْكِهِمْ وَمَا كَانَ مِنْ عِنَادِهِمْ وَأَذِيَتِهِمْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ مَعَهُ، وَقَوْلُهُ: «أَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ إِلَهًا غَيْرُ اللهِ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ»، قَالَ: «أَيْ بِهِ مِنْ الْآلِهَةِ، وَالِاسْتِفْهَامُ بِأَمْرٍ لِلتَّوْبِيخِ وَالتَّقْرِيعِ»، وَتَقَدَّمَ مَعَنَا أَنَّ هَذَا الِاسْتِفْهَامَ فِيهِ مِنَ التَّوْبِيخِ وَالتَّقْرِيعِ إِذْ أُتِيَ بِهِ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ، فَفِيهِ إِضْرَابٌ وَنَهْيٌ فِي نَفْسِ الْوَقْتِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَا إِلَهَ مَعَ اللهِ وَأَنَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَتُسِرُّونَ عَلَى ذَلِكَ، فَلِذَلِكَ انْتَظِرُوا عُقُوبَةَ اللهِ الْآتِيَةَ. وَهَذَا هُوَ مَا جَاءَ بَعْدَهُ مِنْ الْآيَاتِ «وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ»، فَهَذَا كَذَلِكَ مِنْ التَّهْدِيدِ وَالْوَعِيدِ، وَأَنَّ الْعَذَابَ قَدْ يُرْسِلُهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ إِمَّا بِمَا يَكُونُ مِنْ أَمْرِ السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ أَوْ رِيَاحٍ أَوْ مَا يَكُونُ مِنْ أَمْرِ الْأَرْضِ، وَكُلُّهُ قَدْ أَوْقَعَهُ اللهُ فِي الْأُمَمِ السَّابِقَةِ كَمَا مَرَّ مَعَنَا، وَعَذَّبَهُمْ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ كَمَا ذَكَرَ عَذَابًا بِالدُّنْيَا قَبْلَ الْآخِرَةِ، فَهُدِّدُوا وَوَقَعَ بَعْضُ هَذَا التَّهْدِيدِ مَعَ مَا تَوَعَّدَهُمْ وَعَذَّبَهُمْ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ «يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ»، وَأَوَّلُهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَمَا بَعْدَهُ مِنْ أَهْوَالٍ إِلَى أَنْ يُدْخِلَ أَهْلَ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ وَأَهْلَ النَّارِ النَّارَ. وَقَوْلُهُ: كَمَا ذَكَرَ «وَإِنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا» بِكُفْرِهِمْ كَذَلِكَ مَعَ الْكُفْرِ أَذِيَتُهُمْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنِينَ مَا كَانَ فِي مَكَّةَ وَبَعْدَ ذَلِكَ عَذَابًا لِذَلِكَ، قَالَ: بِالدُّنْيَا قَبْلَ مَوْتِهِمْ، فَعُذِّبُوا بِالْجُوعِ وَالْقَحْطِ سَبْعَ سِنِينَ، يَعْنِي الْقَحْطَ الَّذِي أَصَابَ أَهْلَ مَكَّةَ حَتَّى أَكَلُوا الْجُلُودَ وَمَا وَجَدُوا شَيْئًا أَنْ يَأْكُلُوهُ حَتَّى آتَوْا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَغِيثُونَ بِهِ، وَبِالْقَتْلِ يَوْمَ بَدْرٍ كَمَا تَقَدَّمَ مَعَنَا، قُتِلَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ وَأُسِرَ سَبْعُونَ، وَكَانَ مَا كَانَ مِنْ مَذَلَّتِهِمْ وَمِهَانَتِهِمْ، وَتَعَدَّى بِصَنَادِيدِهِمْ بِالْقَتْلِ وَالْأَسْرِ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ أَيْ أَنَّ هَذَا مِنَ الْعَذَابِ، وَهَذَا مِنَ الْعَمَى عَمَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ لِبَصَائِرِهِمْ يَقَعُ بِهِمُ الْعَذَابُ وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَرَوْنَهُ عَذَابًا. وَفِي هَذَا كَذَلِكَ عِظَةٌ لِكُلِّ ظَالِمٍ وَكَافِرٍ وَمُعَانِدٍ أَنَّهُ قَدْ يُصِيبُهُ الْعَذَابُ وَلَا يَظُنُّ أَنَّ ذَلِكَ عَذَابًا، بَلْ هُوَ عَذَابٌ مِنْ اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. ثُمَّ خَتَمَ الْآيَاتِ بِالتَّسْلِيَةِ وَالتَّصْبِيرِ لِلْمُؤْمِنِينَ وَنَبِيِّهِمُ الْكَرِيمِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالتَّسْلِيمِ «وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ» هُوَ لَهُ وَلِأُمَّتِهِ وَلِأَتْبَاعِهِ مِمَّنْ مَعَهُ، قَالَ: «بِإِمْهَالِهِمْ وَلَا يَضِقْ صَدْرُكَ» يَعْنِي بِتَأَخُّرِ الْعَذَابِ، فَسُرْعَانَ مَا مَرَّتِ السِّنُونَ حَتَّى جَاءَهُمْ عَذَابُ اللهِ وَتَحَقَّقَ وَعْدُهُ وَوَعِيدُهُ، وَعَدُهُ بِنَصْرِ الْمُؤْمِنِينَ وَوَعِيدُهُ بِتَعْذِيبِ الْكَافِرِينَ الْمُشْرِكِينَ. «فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا» قَالَ: «بِمَرْأَىً مِنَّا نَرَاكَ نَحْفَظُكَ»، وَلَا يَعْنِي ذَلِكَ أَنْ نَنْفِيَ إِثْبَاتَ الْعَيْنِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، «بِأَعْيُنِنَا» فِيهِ إِثْبَاتُ الْعَيْنِ عَلَى مَا يَلِيقُ بِجَلَالِ اللهِ وَعَظَمَةِ سُبْحَانَهُ، مَعَ إِثْبَاتِ الرُّؤْيَةِ وَالْحِفْظِ وَالرِّعَايَةِ، وَلِهَذَا نَظَائِرُ كَثِيرَةٌ، فَاللهُ عَزَّ وَجَلَّ أَثْبَتَ لِنَفْسِهِ عَيْنًا، وَكَذَلِكَ رِعَايَةً وَرُؤْيَةً، وَكُلُّ هَذَا أَثْبَتَتْهُ الْأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ. «وَسَبِّحْ» قَالَ: «مُتَلَبِّسًا بِحَمْدِ رَبِّكَ إِلَى آخِرِهِ»، وَفِي هَذَا مَوْضِعٌ مِنْ مَوَاضِعِ إِعَانَةِ الْعَبْدِ عَلَى الصَّبْرِ التَّسْبِيحُ وَذِكْرُ اللهِ وَالصَّلَاةُ، وَلِهَذَا أَمَرَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِالصَّبْرِ مَعَ الصَّلَاةِ، وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ، فَإِنَّهَا مِنْ أَعْظَمِ مَا يُعِينُ الْعَبْدَ عَلَى الصَّبْرِ. وَذِكْرُ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ يَدُلُّ عَلَى فَضِيلَتِهِمَا، وَلِهَذَا شَرَعَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْوَاعًا مِنْ الْعِبَادَاتِ فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ، حِمَايَةً وَحِفْظًا لِهَذَا الْإِنْسَانِ، وَكَذَلِكَ إِعَانَةً لَهُ عَلَى أُمُورِ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ، فَجُعِلَتِ الصَّلَاةُ صَلَاةُ الْعِشَاءِ، وَكَذَلِكَ أَذْكَارُ الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ، وَمِنْهُ كَذَلِكَ التَّسْبِيحُ فِي الصَّبَاحِ وَفِي الْمَسَاءِ، وَكُلُّ هَذَا مِمَّا يُعِينُ عَلَى حِفْظِ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِعَانَتِهِمْ عَلَى كَذَلِكَ مَا يَمُرُّ بِهِمْ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا وَالدِينِ، وَمِنْ ذَلِكَ الصَّبْرُ فِي مَوَاضِعِ الشِّدَةِ. وَهَذَا مِنْ كَذَلِكَ كَمَا ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ مِنْ بَلَاغَةِ الْقُرْآنِ فِي خَتْمِ الْآيَاتِ وَافْتِتَاحِهَا، افْتُتِحَتْ بِوَعِيدٍ وَتَهْدِيدٍ وَتَسْلِيَةٍ وَتَصْبِيرٍ وَتَبْرِيدٍ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَكَذَلِكَ خُتِمَتْ كَمَا نَرَى فِي هَذِهِ الْآيَاتِ. وَإِلَى هُنَا وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ.