الدرس في تفسير سورة الحديد من تفسير الجلالين 11، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تفسير الآيات التي تتحدث عن إرسال الله لرسله بالبينات والكتاب والميزان، وتوضيح أهمية ذلك في إثبات صدق الرسل. يُظهر المقطع أيضًا مناسبة ذكر الحديد مع الكتاب والميزان في السياق القرآني.
يتناول تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾، ويفسر العلماء معنى إنزال الحديد ويربطونه بعظمة الله ودينه، ويشيرون إلى دلالة الآية على صدق رسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
يشرح معاني الآيات القرآنية المتعلقة بعلم الله سبحانه وتعالى وعلاقته بنصر رسله ودينه، ويتطرق إلى قوة الله عز وجل واستغنائه عن عباده، ويوضح أهمية اتباع الرسل والكتب السماوية.
يتضمن الدعاء بحفظ الله تعالى والتوبة والإنابة إليه، ويختم بالحمد لله والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويظهر الختام والتضرع إلى الله.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾. ولقد أرسلنا نوحًا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهم النبوة والكتاب، فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون. قال مفسر رحمه الله: «لقد أرسلنا رسلنا -الملائكة- إلى الأنبياء بالبينات، بالحجج القواطع، وأنزلنا معهم الكتاب -بمعنى الكتب- والميزان -العدل- ليقوم الناس بالقسط. وأنزلنا الحديد -أخرجناه من المعادن- فيه بأس شديد يقاتل به، ومنافع للناس. وليعلم الله -علم مشاهدة معطوف على ليقوم الناس- ومن ينصره؛ لأن ينصر دينه بآلات الحرب من الحديد وغيره، ورسله بالغيب -حال منها ينصره- أي غائبًا عنهم في الدنيا. قال ابن عباس رضي الله عنه: ينصرونه ولا يبصرونه. إن الله قوي عزيز -لا حاجة له إلى النصرة- ولكنها تنفع من يأتي بها». ولقد أرسلنا نوحًا وإبراهيم وجعلنا في ذريته -من- نبوة والكتاب -يعني الكتب الأربعة: التوراة والإنجيل والزبور والفرقان- فإنها في ذرية إبراهيم. فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، ما زلنا في هذه الآيات العظيمات من هذه السورة -سورة الحديد- وفي سياق ما ذكره الله عز وجل من أحوال الناس مع دين الله عز وجل وقضاء الله وقدره، وما بعث به أنبياءه ورسله. وهذه الآية يخبر الله عز وجل فيها مؤكدًا إرساله لرسله بالبينات، أي الحجج القواطع، كما قال المفسر رحمه الله تعالى. وإذا رأيت «لقد»، فإنها مشيرة إلى قسم، فإن اللام في «لقد» تدل على قسم بعدها، كأنه يقول: «والله لقد أرسلنا رسولنا بالبينات». وقد يقول قائل: كيف يقول الله عز وجل ذلك وهو أصدق الصادقين وهو رب العالمين؟ والجواب من وجهين: الوجه الأول أن لغة العرب -لغة الفصاحة والبيان- تأتي بالتوكيد بالقسم في الجمل التي هي لأمر عظيم، ولا يعني ذلك أن المتحدث بذلك متهم بالكذب، بقدر ما يفيد أنه تكلم بشيء عظيم. فكأن الجملة تشير إلى أن ما سيأتي ذكره هو من الأمور العظيمة التي يقسم لمثلها على طريقة العرب في القسم في الأمور العظيمة دون أن يطلبهم أحد بالقسم. والأمر الآخر أن القسم يؤتى به لأجل إثبات شيء نفاه آخرون، فكأنه يؤكد أنه حق وصدق. وكلا الأمرين قد وقع من الكافرين. فإن الله عز وجل أراد أن يبين بهذا القرآن الذي هو غاية في الفصاحة والبيان أن ما ذكره هاهنا من إرسال الرسل أمر عظيم، وفيه بينة عظيمة وآية كبيرة. وهكذا كذلك يؤكد سبحانه وتعالى وقوع ذلك، وخصوصًا أنه أرسل رسوله بالبينات، أي الآيات الواضحات. فالبينات موصوفة بصفة محذوفة، فالله عز وجل أرسل شيئًا موصوفًا بأنه بين. ما هو هذا الشيء؟ هو الآيات. فالبينات صفة لموصوف محذوف، علم بهذه الصفة المذكورة. فالله عز وجل يخبر أنه أرسل رسوله بالآيات البينات، أي الواضحة في الحجج القاطعة التي لا يجحدها ولا ينكرها بعد ذلك إلا مكابر. ولو تأملت رسالة كل رسول ونبي لوجدت شواهد تلك الآيات البينات كثيرة جدًا، سواء كانت من الأدلة الشرعية المنزلة من الله سبحانه وتعالى تأييدًا لرسله، أو من الآيات الكونية التي أيد الله عز وجل بها أنبياءه ورسله عليهم الصلاة والسلام. وقول المفسر رحمه الله: «لقد أرسلنا رسولنا -الملائكة- إلى الأنبياء»، هذا أحد التفسيرين. وتفسير الآخر: «أرسلنا رسولنا -أي الأنبياء والرسل-». فالله أرسلهم بما أوحى إليهم سبحانه وتعالى. وكلا الأمرين صحيح. وقول سبحانه: ﴿وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ﴾، الكتاب المراد به الجنس، جنس الكتاب. ولهذا فسره المفسر رحمه الله في قوله: «بمعنى الكتب»، أي ليس كتابًا واحدًا، بل جنس الكتاب الذي بعث الله عز وجل به الرسل عليهم الصلاة والسلام، وهو من الآيات البينات الدالة على صدق الرسل عليهم الصلاة والسلام. وفي قوله: ﴿أَنْزَلْنَا﴾، موضع من مواضع كثيرة تدل على إثبات العلو لله سبحانه وتعالى، فإن الإنزال إنما يكون من الأعلى إلى الأسفل. ولهذا استدل غير واحد من أهل العلم بهذه الآية على أن فيها دليلًا على علو الله عز وجل، علوًا يليق بجلاله وعظمته، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. وقوله سبحانه: ﴿وَالْمِيزَانَ﴾، قال: «العدل»، وهو كذلك. وذلك أن الرسل أرسلوا بالكتاب الذي به يقيمون الناس على دين الله عز وجل. ولما كان الكتاب لا يمكن أن يحوي جميع ما يحتاجه الناس، أنزل معهم الميزان، أي المقاييس التي تقاس بها الأحكام. وفي هذا دليل كما استدل به غير واحد من أهل العلم على إثبات القياس المعتبر الصحيح في شريعة الله سبحانه وتعالى، وفي دين الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام. فإن الشرع لا يفرق بين مجتمع، ولا يجمع بين متفرق، ويلحق المتشابهات بعضها ببعض في الأحكام. ولهذا كانت شريعة الله شريعة منزلة محكمة، أنزل أحكامًا وكتبًا ووحيًا، فيه من الألفاظ والمعاني ما يغني عن القوانين الكثيرة التي يصنعها البشر. ولهذا تجد قوانين البشر كبيرة، لو وقفت على قانون من قوانين البشر لوجدته كتابًا كبيرًا، وكذلك أحكامًا كثيرة. ومع ذلك كل يوم يزيدون، يحتاجون إلى الزيادة فيه؛ لأنه لا يكفي تحاجات البشر؛ لأنهم ينظرون إلى المنطوق أكثر مما ينظرون إلى المفهوم. أما دين الله وشريعته، فإنه نزل كتابًا ووحيًا، ومعه من المقاييس المعروفة من الثوابت الشرعية والضوابط المرعية المأخوذة من نصوص ذاك الكتاب والوحي المنزل على ذلكم الرسول، فتكون به الوصول إلى الأحكام. وهذا من عظمة دين الله سبحانه وتعالى. وقوله سبحانه: ﴿لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾، أي هذا الميزان والمقاييس ليقيم الناس بالقسط، أي العدل الذي يحبه الله سبحانه وتعالى. وقوله سبحانه: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾، قال: «أخرجناه من المعادن». وظاهر الآية خلاف ذلك، فإن إنزال الحديد يقتضي أنه أنزل من علو إلى سفل. ولهذا كان التفسير الصحيح للآية فسر بتفسيرين اثنين: أن الحديد ينزل من رؤوس الجبال، والتفسير الآخر أن الحديد أنزل بالصواعق والشهب التي ضربت الأرض واجتمعت منها المعادن، وخرجت من هذه المعادن أقواها وأصلبها، وهو الحديد. وفي هذا إشارة إلى شيئين اثنين، كما ذكر عدد من أهل التفسير والعلم: فيه علم من أعلام نبوته ودليل من دلائل صدق رسالته عليه الصلاة والسلام؛ إذ العلم بالحديد أثبت هذين المعنيين: الأول أن الحديد أقوى المعادن، والثاني ولذلك ترون إلى يومنا هذا هو الذي يعتمد عليه في أقوى البنيان وأقوى الأعمال وأشقها، وهو كذلك من قديم الزمن. والأمر الآخر أنه أنزل من الشهب والصواعق التي تضرب الأرض، وهذه آية ودليل من دلائل صدق رسالته ونبوته عليه الصلاة والسلام، يخبر بهذا قبل ألف وأربعمائة عام، ويكتشف ذلك العلم الحديث في العصور المتأخرة. وكذلك كونه يستخرج من مجموع المعادن، وكل هذا دلت عليه الآية بعبارة مختصرة موجزة. وقوله: ﴿فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾، قال: «يقاتل به». وهذا قد يقول قائل: ما مناسبة ذكر الحديد مع ذكر إنزال الكتاب والميزان؟ قال المفسرون والعلماء: مناسبة ذلك أن دين الله يعرض على الناس عرضًا، ويرغبون فيه ترغيبًا بالكتاب المنزل والميزان المأمور به. ومن لم يستجب وأبى إلا أن يعارض الحق ويحاربه، فعند ذلك يأتي دور الحديد الذي فيه بأس شديد، أي يقاتل أعداء هذا الدين حتى تكون كلمة الله العليا، وكلمة الذين كفروا هي السفلى. فذكر الحديد إشارة إلى القتال. وقوله سبحانه: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ﴾، قال: «علم مشاهدة معطوف على قوله: ﴿لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾». ومعنى أن الحديد فيه بأس شديد الذي منه تصنع السيوف وأدوات الحروب ونحو ذلك مما فيه معنى البأس الشديد، ومنافع للناس أي أخرى غير القتال، مثل صنع الفؤوس والأواني والمباني وغير ذلك مما هو منافع للناس من هذا الحديد. وليعلم الله -قال- «علم مشاهدة»، أي الله علم بذلك قبل أن يكون، ولكن هذا العلم هو الذي يترتب عليه الثواب والعقاب. فلله سبحانه وتعالى علمان: علم بمخلوقاته قبل أن يخلقهم، وهذا العلم من كمال ربوبيته سبحانه وتعالى. ثم علم آخر به يترتب الثواب والعقاب، وهو ما يكون من عمل العاملين، به يكون من المحسنين أو المسيئين. وقوله سبحانه: ﴿مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ﴾، أي ابتلى الله عز وجل بهذا الدين وهذا الحديد لينظر من ينصره ممن آمن بالأنبياء والرسل، ومن يخذله. فيكون هذا محل ماذا؟ ترتب العقاب أو الثواب. وقوله سبحانه وتعالى: «من ينصره»، قال: «بأن ينصر دينه بآلات الحرب». هذا من أين؟ من قوله: ﴿بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾. قال: «ورسله بالغيب»، قال: «حال منها ينصره»، أي غائبًا عنهم في الدنيا. قال ابن عباس: «ينصرونه ولا يبصرونه»، أي أن الله عز وجل ابتلى بأن جعل هذا الامتحان بإرسال الرسل وإنزال الكتب والميزان، وينظر من يستجيب فينصر، ومن يعرض فيحصل له ما يستحق من عقوبة الله سبحانه وتعالى. وقوله: «إن الله قوي عزيز»، قال: «لا حاجة له إلى النصرة، ولكنها تنفع من يأتي بها». ومعناه: بعد أن ذكر الله عز وجل الآيات الشرعية وما جعل الله عز وجل كذلك من امتحان بها، وما جاءت به الرسل، أبان بأنه سبحانه وتعالى قوي عزيز، أي هو مستغن عن عباده، ولكن امتحنهم وابتلاهم بذلك لينفع -لينفع الناس- أنفسهم؛ لأن يكونوا من أتباع الرسل المؤمنين، أو من أعدائهم الكافرين. فإذا هذا هو قوله: «ولكنها تنفع من يأتي بها»، تنفعه بالدنيا بتزكيته وتطهيره بأن يقوم -يقيم نفسه- على الدين القويم الصراط المستقيم الذي جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام. وفي الآخرة بما يكون من رضوان الله وجنته ورحمته وواسع فضله وعطائه سبحانه وتعالى. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم من أهل طاعته ورحمته ورضوانه. وقوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾، كذلك يقال في «لقد» كما قيل في «لقد» في الآية السابقة. والمراد بها هنا تأكيد هذه الجملة وما احتوته من معان عظيمة. ومن ذلك ذكر الكتاب المنزل والرسل المتتابعين. فهذه الآية مثل التفصيل بعد الإجمال، بعد أن ذكر الرسل مجملًا ذكر بعده مفصلًا، وخص بذكر نوح وإبراهيم؛ لأن الله عز وجل جدد بهما رسالته. وإبراهيم جاء بعده الأنبياء والرسل. ولهذا قال: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾، فالأنبياء والرسل المبعوثين بالكتب هم من ذرية هذين الرسولين عليهم الصلاة والسلام. والكتاب كما قيل من قبل المراد به جنس الكتاب، والمراد به الكتب المنزلة على الأنبياء والرسل، ما علمناها وما لم نعلمها. ومن ذلك هذه الأربع المذكورة التي ذكرها المفسر رحمه الله: التوراة والإنجيل والزبور والفرقان. فكلها -قال- في ذرية إبراهيم عليه الصلاة والسلام. والآية أعم من ذلك، بل هي في ذرية نوح وإبراهيم. فهناك من الأنبياء والرسل من هم بين نوح وبين إبراهيم، بعثوا كذلك بكتب علمنا بعضها ولم نعلم البعض الآخر، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك في سنته. وقوله: ﴿فَمِنْهُمْ مَهْتَدٍ وَكَثِيْرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾، أي أتباع هؤلاء الرسل. وهذا هو المقصود أن تكون -يا من خطبت بهذه الآية- من المهتدين، ولا تكن من الفاسقين. ولفظ الفاسقين يشمل من خالف الرسل بالكفر، ومن خالفهم بالمعصية والبدعة. فكل هؤلاء من أهل الفسوق. ومعناه: أن من خرج عن طاعة الرسل ومتابعتهم، فهو إما أن يكون مع الكافرين، وإما أن يكون قد سلك بعض طريق الكافرين بالبدعة والخرافة والفسوق بالمعاصي ونحوها، فيلحقه بعض ما يلحق الكافرين. وهذا هو الذي جاءت به الآيات الكثيرة والأحاديث كذلك عن نبينا صلى الله عليه وسلم. فلا يرضى المسلم لنفسه أن يكون في طريق الكافرين. فطريق المعصية والبدعة والخرافة هي من طريق الكافرين المشركين، وليس من طريق المؤمنين المهتدين. وليس معنى هذا التكفير بالبدعة والمعصية، ولكن معناه أنه لا سلامة من عذاب الله إلا أن يشاء الله، إن لم تكن من المؤمنين المهتدين الذين حفظوا إيمانهم، ليس فقط من الشرك والكفر والنفاق، ولكن كذلك من البدع والخرافات والمعاصي والسيئات. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يحفظنا بحفظه، وأن يعيننا على التوبة والإنابة إليه، ويجعلنا من أهل جنته ورحمته. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم عن نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.