الدرس في تعليق - الرد على الأخنائي 7، الدرس السابع : من : (قال المجيب في تمام الجواب وقد احتج أبو محمد المقدسي ... وقد بسطت الكلام على هذه المسائل في غير هذا الموضع ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول حكم السفر لزيارة المساجد غير الثلاثة المذكورة في الحديث النبوي، ويشرح آراء الفقهاء في وجوب الوفاء بالنذر بزيارة المساجد الثلاثة. يعتبر السفر لزيارة غيرها بدعة.
يذكر أن الأحاديث المتعلقة بزيارة قبر النبي ضعيفة أو موضوعة، ويشير إلى آراء الأئمة في هذا الشأن، ويبين أن الصحابة والتابعين كانوا لا يدخلون إلى الحجرة النبوية للصلاة أو الدعاء عند القبر.
يناقش مسائل فقهية متعلقة بزيارة القبور ومسجد قباء، ويشرح آراء العلماء في شد الرحال إلى القبور ونذر الزيارة، ويبين أن شد الرحال إلى القبور يعد من البدع.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة، لأنه كان يزور المفرق، يزور المرور، وأجاب عن حديث: «لا تشد الرحال»، لأن ذلك محمول على الاستحباب، وأما الأولون فإنهم يزنون رمي السلاح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد هذا، والمسجد الأقصى». وهذا الحديث اتفق الأئمة على صحته والعمل به. فلو نذر الرجل أن يصلي بمسجد أو مشهد أو يعتكف فيه ويسافر إليه، غير المساجد الثلاثة، لم يجب عليه ذلك باتفاق الأئمة. ولو نذر أن يسافر إلى المسجد الحرام بحج أو عمرة، وجب عليه ذلك باتفاق العلماء. ولو نذر أن يأتي مسجد النبي صلى الله عليه وسلم أو المسجد الأقصى لصلاة أو اعتكاف، وجب عليه الوفاء بهذا النذر عند مالك والشافعي في أحد قوليه، وأحمد. ولم يجب عليه عند أبي حنيفة؛ لأنه لا يجب عنده بالنذر إلا ما كان من جنسه واجبًا بالشرع. وأما الجمهور، فيجبون الوفاء بكل طاعة؛ لما ثبت في صحيح البخاري عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصيه». والسفر إلى المسجدين طاعة، فلهذا وجب الوفاء به. وأما السفر إلى بقعة غير المساجد الثلاثة، فلم يوجب أحد من العلماء السفر إليها إذا نذره، حتى نص العلماء على أنه لا يسافر إلى مسجد قباء؛ لأنه ليس من الثلاثة، مع أن مسجد قباء تستحب زيارته لمن كان بالمدينة؛ لأن ذلك ليس بشد رحل، كما في الحديث الصحيح: «من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء لا يريد إلا الصلاة فيه، كان كعمرة». وهذا الحديث رواه أهل السنن، كالنسائي وابن ماجة والترمذي، وحسنه. وقالوا: لأن السفر إلى قبور الأنبياء والصالحين بدعة، لم يفعلها أحد من الصحابة ولا التابعين، ولا أمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا استحب ذلك أحد من أئمة المسلمين. فمن اعتقد ذلك عبادة وفعلها، فهو مخالف للسنة ولإجماع الأئمة. وهذا مما ذكره أبو عبد الله بن بطة في الإبانة الصغرى من البدع المخالفة للسنة. وبهذا يظهر ضعف حجة أبي محمد المقدسي؛ لأن زيارة النبي صلى الله عليه وسلم لمسجد قباء لم تكن بشد رحل، والسفر إليه لا يجب إلا بالنذر. وقوله في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تشد الرحال»، محمول على نفي الاستحباب، عنه جوابان. أحدهما: أن هذا تسليم منه أن هذا السفر ليس بعمل صالح، ولا قربة، ولا هو من الحسنات. فإذا من اعتقد السفر لزيارة قبور الأنبياء والصالحين أنه قربة وعبادة وطاعة، فقد قال: فالإجماع. وإذا سافر لاعتقاد أنها طاعة، كان ذلك محرمًا بإجماع المسلمين. فصار التحريم من هذه الجهة. ومعلوم أن أحدًا لا يسافر إليها إلا لذلك. وأما إذا قدر أن الرجل سافر إليها لغرض مباح، فهذا جائز، وليس من هذا الباب. والوجه الثاني: أن هذا الحديث يقتضي النهي، والنهي يقتضي التحريم. وما ذكره السائل من الأحاديث في زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وكلها ضعيفة باتفاق أهل العلم بالحديث، بل هي موضوعة. لم يخرج أحد من أهل السنن المعتمدة شيئًا منها، ولم يحتج أحد من الأئمة بشيء منها. بل مالك، إمام أهل المدينة النبوية، الذين هم أعلم الناس بحكم هذه المسألة، كره أن يقول الرجل: «زرت قبر النبي صلى الله عليه وسلم». ولو كان هذا اللفظ معروفًا عندهم، أو مشروعًا، أو مأثورًا عن النبي صلى الله عليه وسلم، لم يكرهوه. والإمام أحمد، أعلم الناس في زمانه بالسنة، لما سئل عن ذلك، لم يكن عنده ما يعتمد عليه في ذلك من الحديث، إلا حديث أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من رجل يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام». وعلى هذا اعتمد أبو داود في سننه، وكذلك مالك في الموطأ. وروا عن عبد الله بن عمر أنه كان إذا دخل المسجد، قال: «السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتي». ثم ينصرف. وفي سنن أبي داود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تتخذوا قبري عيدًا، وصلوا علي حيث ما كنتم؛ فإن صلاتكم تبلغني». وفي سنن سعيد بن منصور أن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب رأى رجلًا يختلف إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تتخذوا قبري عيدًا، وصلوا علي حيث ما كنتم؛ فإن صلاتكم تبلغني». ما أنتم ومن بالأندلس منه إلا سواء. وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في مرض موته: «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، يحذر ما فعلوا. قالت عائشة: «ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجدًا». قال: «وهم دفنوه في حجرة عائشة، خلاف معتادهم من الدفن في الصحراء؛ لئلا يصلي أحد عند قبره، ويتخذه مسجدًا، فيتخذ قبره وثنًا». وكان الصحابة والتابعون، لما كانت الحجرة النبوية منفصلة عن المسجد، إلى زمن الوليد بن عبد الملك، لا يدخل أحد إلى عنده، لا لصلاة هناك، ولا لتمسح بالقبر، ولا دعاء هناك. بل هذا كله إنما يفعلونه في المسجد. وكان السلف من الصحابة والتابعين إذا سلموا على النبي صلى الله عليه وسلم وأرادوا الدعاء، دعوا مستقبل القبلة، لم يستقبل القبر. وأما وقوف المسلم عليه، قال أبو حنيفة: يستقبل القبلة أيضًا، لا يستقبل القبر. وقال أكثر الأئمة: بل يستقبل القبر عند السلام عليه خاصة. ولم يقل أحد من الأئمة أنه يستقبل القبر عند الدعاء، أي الدعاء الذي يقصده لنفسه، إلا في حكاية مكذوبة تروى عن مالك، ومذهبه بخلافها. واتفق الأئمة على أنه لا يمس قبر النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يقبله. وهذا كله محافظة على التوحيد؛ فإن من أصول الشرك بالله اتخاذ القبور مساجد، كما قال طائفة من السلف في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح:23]، قالوا: «هؤلاء كانوا قومًا صالحين في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم». وقد ذكر بعض هذا المعنى البخاري في صحيحه، لما ذكر قول ابن عباس: «إن هذه الأوثان صارت إلى العرب». وذكره ابن جرير الطبري وغيره في التفسير، عن غير واحد من السلف. وذكره وثيمة وغيره في قصص الأنبياء، من عدة طرق. وقد بسط الكلام على هذه المسائل في غير هذا الموضع. وتضمنت هذه الفقرات مجموعة من المسائل والأحاديث والآثار، أولها تأكيده رحمه الله تعالى على مسألة عموم النهي في شد الرحال، أنه يشمل كل البقاع، ومنها قبور الأنبياء، ومنها قبر النبي عليه الصلاة والسلام. ثم انتقل إلى مسألة النذر والوفاء به، وأنه إذا علم أن هذا معصية، فإنه لا وفاء في نذر المعصية، لحديث عائشة الذي أشار إليه في البخاري. ثم أشار رحمه الله تعالى إلى فضيلة زيارة قباء؛ لأن المقدسي رحمه الله استدل بذلك، فبين رحمه الله أنه فرق بين الذهاب لمسجد قباء لمن كان في المدينة، ولمن كان خارج المدينة. فإن النبي صلى الله عليه وسلم، كما في حديث ابن عمر، كان يأتيه كل سبت -يعني كل أسبوع-؛ لأنه في المدينة، وكان ابن عمر يقتدي به لذلك. وأما خارج المدينة، فكيف يمكنه أن يأتي كل أسبوع؟ فهذا يدل أنه إنما يكون لمن كان في المدينة. ولهذا قال: «من تطهر في بيته»، وهو حديث سهل بن حنيف، «ثم أتى مسجد قباء، لا يريد إلا الصلاة فيه، كان كعمرة». وهذا يؤكد أنه بغير شد رحل؛ لأنه يتطهر ويمشي ويصلي، وما زال على نفس الطهارة، فهو في نفس المكان. وكذلك أشار رحمه الله بعد ذلك إلى كلام الأئمة في عموم نهيهم عن شد الرحال إلى القبور، وأن ذلك من البدع. كما أشار أن أبا عبد الله بن بطة أشار إليه بالإبانة الصغرى، وهو مطبوع. ولا يريد تعيين قبر النبي عليه الصلاة والسلام، ولكن عموم القبور؛ أن من البدع شد الرحال إلى القبور. ثم بهذا تبين خطأ قول المقدسي رحمه الله. ثم بعد ذلك رد على المقدسي بالحديث من وجهين، وهما ظاهران. وما ذكروا عن إمام مالك، قد مر معنا من كراهته أن يقال: «زرت قبر النبي صلى الله عليه وسلم». وسيأتي. ووجه الاستدلال بما: «ما من رجل يسلم علي إلا رد الله عليه روحي»، تفسيره فيما سيأتي من أثر الحسن بن علي. فإن السلام على النبي عليه الصلاة والسلام يبلغ من القريب ومن البعيد، فلا حاجة لتكرار الزيارة، ولا للسفر، وهو من باب أولى. والحديث الصحيح ذكره الشيخ الألباني رحمه الله في السلسلة الصحيحة. وأشار إلى صحته بالتعليق، وهو في الصحيحة حديث (2126). وما أشار إليه من حديث عبد الله بن عمر من فعله، أنه إذا دخل المسجد قال: «السلام عليك يا رسول الله»، أولًا، ليس ظاهره أن ذلك على وجه الاستمرار. فإن كان عند أهل العلم لها معاني، من معانيها الاستمرار، ومن معانيها كثرة الوقوع، ومن معانيها كذلك الوقوع ولو مرة واحدة. فليس صريحًا بأن ابن عمر كان يفعل ذلك ويستمر. ومع هذا، فقد روى عبد الرزاق بإسناد حسن، وذكره شيخ الإسلام رحمه الله في كتب أخرى له، أن عبيد الله بن عمر قال: «ما نعلم أحدًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك إلا ابن عمر». ومعنى أنه مما تفرد به ابن عمر، فلو قدر أن ابن عمر كان يكرره، فقد أنكر التابعون هذا الفعل على ابن عمر، وأنه من فرائده. **يتبع**