الدرس في تعليق - الرد على الأخنائي 36، الدرس السادس والثلاثون : من : (قال المعترض لكن كم لصاحب هذه المقالة من مسائل ... وهو فعل أهل الجهل والطغيان كالنصارى وعباد الأوثان ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش شيخ الإسلام ابن تيمية الادعاءات الباطلة ضد أهل العلم والإيمان ويبين بطلانها. يشير إلى أمثلة من اليهود والنصارى الذين اتهموا النبي محمدًا وأمته.
يبين المؤلف بطلان ادعاءات تنقيص الأنبياء وخرق الإجماع لعدم معرفة المعترضين بأقوال العلماء. يشرح أن الإجماع لا يمكن الجزم به في مسائل النزاع.
يشرح المؤلف الفرق بين زيارة القبور المشروعة والبدعية، ويبين أن الزيارة المشروعة تتمثل في الدعاء للميت. يشير إلى أن النبي نهى عن اتخاذ قبره عيدًا ومسجدًا.
يشرح المقطع موقف أهل العلم من الخلاف في المسائل الفقهية، ويبين أنهم لا يبدع بعضهم بعضًا. ينتقد المعترض الذي يبالغ في الحكم على المخالفين.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال شيخ الإسلام رحمه الله في رد على الأغناء: قيل، قال المعترض: لكن كم لصاحب هذه المقالة من مسائل خلق فيها الإجماع، وفتاوى أباح فيها ما حرم الله من الإبضاع، وتعرض لتنقيص الأنبياء وحط من مقادير الصحابة والأولياء، فلقد تجرأ بما ادعاه وقاله على تنقيص الأنبياء لا محالة، فتعين مجاهدته والقيام عليه، والقصد بسيف الشريعة المحمدية إليه، وإقامة ما يجب بسبب مقالته نصرة للأنبياء والمرسلين، ليكون عبرة للمعتبرين، وليرتدع به أمثاله من المتمردين. والحمد لله رب العالمين. آخر كلامه. قالوا: الكلام على هذا من وجوه: أحدها أن هذا ليس كلامًا في المسألة العلمية التي وقع فيها النزاع، ولا عينت مسألة أخرى حتى يتكلم فيها بما قاله العلماء، ودل عليه الكتاب والسنة، وإنما هو دعاوى مجردة على شخص معين. ومعلوم أن مثل هذا غير مقبول بالإجماع. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «لو يعطى الناس بدعواهم، لدعى قوم دماء قوم وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه». الوجه الثاني: أن يقال: ثم من المعلوم أنه ما من أهل ضلالة إلا وهم يدعون على أهل الحق من جنس هذه الدعوة، فاليهود يدعون أن الرسول صلى الله عليه وسلم وأمته أباحوا ما حرمه الله كالعمل في السبت، ومثل أكل كل ذي ظفر كالإبلي والبط والإوز، وكشحم الترائب والكليتين وغير ذلك. والنصارى تقول: إنهم تنقصوا المسيح والحواريين. فإن الحواريين عندهم وسل الله، وقد يفضلونهم على إبراهيم وموسى. ويقولون عن المسيح: إنه يكون الله، ويقولون: هو ابن الله. ومن قال: إنه عبد الله، فقد سبه وتنقصه عندهم. والطائفتان يحرمون التسري. والنصارى يحرمون الطلاق. واليهود إذا تزوجت المطلقة حرمت على المطلق أبدًا. والنصارى قد يحرمون التزوج ببنات العم والعم والعمة والخالة. ويحرمون أن يتزوج الرجل أكثر من واحدة. فمحمد صلى الله عليه وسلم وأمته عند الطائفتين قد أباحوا ما حرم الله من الأبضاع على زعمهم. فإذا كان مثل هذا الكلام قد يقوله أهل الباطل من الكفار لأهل الإيمان، كما قد يقوله أهل الحق بمجرد دعواه، لا يقبل، بل على المدعي أن يبين ما ادعاه. ومما يقوله أهل الحق في أهل الباطل دون العكس. الوجه الثالث: إن المتنازعين من الأئمة قد يقول أهل البدع منهم والأهواء مثل هذا في أئمة السنة والجماعة. كما يقول الرافضة: إن الصحابة خالفوا نص الرسول صلى الله عليه وسلم بالخلافة على علي، وبدلوه وكتموه. وذلك أعظم من مخالفة الإجماع. ويقولون: إن جمهور المسلمين أباحوا نكاح الكتابيات عندهم مما حرمه الله من الأبضاع. ويقولون: إن الصحابة وجمهور الأمة حطوا من مقادير أولياء الله علي وأهل بيته، وهم الخلفاء الراشدون، وهم عندهم معصومون، وهم ظلات في عصمتهم. وقالوا: إنه لا يجوز عليهم السهو والغلط بحال. وغلوا في عصمة الأنبياء ليكون ذلك تمهيدًا لمن يدعونه من عصمة الأئمة أولياء الله، إذ هم عند طائفة منهم أفضل من الأنبياء. وجمهورهم يقولون: الناس أحوج إليهم من الأنبياء، وإنهم قد يستغنون عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يستغنون عن الإمام المعصوم، وذلك واجب عندهم في كل زمان. وقالوا: إنه من حين صغره يكون معصومًا، حتى قالوا: لأجل ذلك إن النبي يجب أيضًا أن يكون قبل النبوة معصومًا من الغلط والسهو في كل شيء. وزعم بعضهم: أنه لا بد أن يكون النبي والإمام عارفًا بلغة كل من بعث إليهم على اختلاف لغاتهم وكثرتها. ولا بد أيضًا أن يكون عالما بالصناعات والمتاجر وسائر الحرف، ليكون مستغنيا بعلمه عن الرجوع إلى أحد من رعيته في دين أو دنيا. وذلك يوجب رجوع المعصوم إلى غير المعصوم، وإلى من يجوز عليه الخطأ أو الغلط. ولأن رجوعه إليهم يقضي نفسه عندهم بحاجته. وعندهم أن من نفى هذا عن الأئمة والأنبياء، فقد تعرض لتنقيص الأنبياء، وحط من مقادير الأئمة والأولياء. وعندهم أن من قال ذلك فقد تجرأ بما ادعاه وقاله على تنقيص الأنبياء لا محالة، فتعين عندهم مجاهدته والقيام عليه، والقصد بالسيف الشريعة المحمدية إليه، وإقامة ما يجب بسبب مقالته نصرة للأنبياء والمرسلين ولأولياء الله أئمة الدين. وبهذا ونحوه استحل أهل البدع تكفير جمهور المسلمين وقتالهم، واستحلوا جمعهم وأموالهم وسبي عيالهم، واستعانوا عليهم بالكفار من النصارى والمشركين كالتتار، حتى فعلوا بديار الإسلام ما فعلوه بالعراق وخراسان وبالجزيرة والشام وغير ذلك. وكذلك فعلوا بمصر والمغرب في دولة العبيديين. وإذا كان مثل هذا القول يقوله أهل البدع والضلال بلان الردة والنفاق، كما يقوله الكفار في أهل الإيمان، وقد يقوله المحق فيمن يستحقه. وأثر من عرف أنه يقوله في أهل العلم: هم أهل البدع والنفاق والكفار. ولا ريب أن قول هذا المبتدع الجاهل هو بهم أشبه، إذ هو من أهل البدع الجفال، ليس هو ممن يعرف النظر والاستدلال. الوجه الرابع: يقال: علماء المسلمين وإمة الدين يتنازعون في بعض المسائل، فيبيح هذا من الفروج ما يحرمه هذا. كان يبيح كثير النكاح أم المزني بها وابنتها، ولا يرى الزنا ينشر حرمة المصاهرة، وهو قول الشافعي وغيره. وآخرون يحرمون ذلك، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك. وتنازعوا في الخلية والبرية. فقوم يقولون: هي واحدة رجعية، كما قاله عمر بن الخطاب وغيره، وهو قول الشافعي وغيره. وقوم يقولون: هي ثلاث، كما نقل عن علي، وهو مذهب مالك وغيره. وقوم يقولون: واحدة بائنة، كما نقل عن ابن مسعود، وهو مذهب أحمد. وكان أحمد يتوقف في ذلك، ويرجع عنده إلى الثلاث، ويقرأ أن يفتي به، وإنها واحدة فهي رجعية عنده، وإن كانت بائنة لم تكن إلا رجعية، كقول الشافعي. ورؤي عنه أنها تكون بائنة، كقول أبي حنيفة. وكما تنازعوا فيما إذا خلعها بعد طلقتين، فأباح ابن عباس وطاووس وعكرمة وغيرهم، وقالوا: الخلع ليس بطلاق، واستدلوا بالكتاب والسنة، وواحد قولي الشافعي، وظاهر مذهب أحمد وإسحاق وأبي ثور وابن المنذر وابن قتيبة وغيرهم من فقهاء الحديث. وقيل: بل هو طلقة واحدة، كما نقل عن عثمان وغيره من الصحابة، لكن ضعف أحمد وابن قتيبة وغيرهما كل ما نقل عن الصحابة إلا قول ابن عباس، وهو قول كثير من التابعين، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي في القول الآخر. وتنازعوا فيما سوى ذلك، وهم كلهم مجتهدون مصيبون، بمعنى أنهم مطيعون لله وأمر معنى العلم بحكمه في نفس الأمر، فالمصيب واحد، وله أجران، والآخر له أجر. وقطاؤه مغفور له. لا يطلقون القول على أحدهم أنه أحل ما حرم الله، أو حرم ما أحل الله، بمعنى الاستحلال والتعمد. وإذا أريد أن ذلك وقع على وجه التأويل، فعامة العلماء وقعوا في مثل هذا، والله يأجرهم، ولا يؤاخذهم على خطئهم. الوجه الخامس: أي قال: قول القائل فيما يتكلم فيه العلماء بالأدلة الشرعية، مثل ما إذا قيل: إنه لا يجوز الحلف بالأنبياء، ولا النذر لهم، ولا السجود لقبورهم، ولا الحج إليها، ولا اتخاذ قبورهم مساجد، نحو ذلك. أو قيل: إنه لا تجب الصلاة على النبي في الصلاة، كما قاله مالك، أكثر العلماء. أو قيل: إنه يقرأ الصلاة عليه عند الذكر، أو لا يستحب، كما هو قول مالك وأحمد. وقيل: يستحب، وهو القول الشافعي. فإذا قال قائل في مثل هذه المسائل: إن هذا تنقيص للأنبياء، فإن أراد بذلك أن قائل هذا القول قصد التنقيص لهم، والعيب لهم، والطعن عليهم، والشتم، فقد كذب وافترى كذبًا ظاهرا. وإن قال: إنه نقصهم عما يستحقونه عند الله، فهذا محل النزاع. فصاحب القول الآخر يقول: بل أخطأ فيما يستحقونه، ولم يقول ما ينقص درجتهم التي يستحقونها. وإن قدر أنه أخطأ في اجتهاده، فلا إثم عليه في ذلك. فكيف إذا كان هو المصيب للصواب، المتبع للكتاب والسنة، ولما كان عليه التابعون مع الأصحاب؟ الوجه السادس: أنه إنما يطلق قوم يدعون أن غيرهم يخالف الإجماع، إذا كان ممن يعرف الإجماع والنزاع. وهذا يحتاج إلى علم عظيم يظهر به ذلك. لا يكون مثل هذا المعترض الذي لا يعرف نفس المذهب الذي انتسب إليه، ولا ما قاله أصحابه في مثل هذه المسألة. أليس قد افترى فيها، وصدد فيها؟ فكيف يعرف مثل هذا إجماع علماء المسلمين، مع قصوره وتقصيره في النقل والاستدلال؟ الوجه السابع: أن لفظة «يضي» التكثير، وهذا يجب كثرة المسائل التي خرق المجتهد فيها الإجماع، والذين هم أعلم من هذا المعترض، وأعظم اطلاعًا، اجتهدوا في ذلك غاية الاجتهاد، فلم يظهر مسألة واحدة خرق فيها الإجماع، بل غايتهم أن يظنوا في المسألة أنه خرق فيها الإجماع، كما ظنوا بعضهم في مسألة الحلف بالطلاق، وكان فيها من نزاع النقل، ومن استدلال الفقه، وحديث ما لم يطلع عليه. الوجه الثامن: إن الوجه لله الحمد، لم يطلق في مسألة إلا بطريق قد سبق عليه أيدي العلماء، إن كان قد يغتر له ويتوجه له، فلا يكون إلا إذا عرف أنه قد قال بعض العلماء، كما قال الإمام أحمد: «إياك أن تتكلم في مسألة ليس فيها إمام». فمن كان يسلك هذا المسلك، كيف يقول قولًا يخرق به إجماع المسلمين، وهو لا يقول إلا ما سبق عليه علماء المسلمين؟ فهل تصور أن يكون الإجماع واقعًا في موارد النزاع؟ ولكن من لم يعرف أقوال العلماء، قد يظن الإجماع من عدم علمه النزاع، وهو مخطئ في هذا الظن. ومصير من علمه يحتج على من لم يعلم، والمثبت مقدم على النافي. الوجه التاسع: إن جعل الإجماع مع علم خاصة الذي لا يمكن الجزم فيه بأقوال العلماء، إنما معناها عدم العلم بالمنازع، ليس معناها الجزم بعدم المنازع. فإن ذلك قول بلا علم. ولهذا رد أئمة كالشافعي وأحمد وابن جرير على من ادعاها بهذا المعنى، وغبط الشافعي في ذلك القول. وكان أحمد يقول: هذا كثيرًا، ويقول: «من يدعي الإجماع فقد كذب، وما يدري أن الناس لم يختلفوا، ولكن يقول: لا أعلم مخالفًا». وقال أبو ثور: «إن الذي يذكر من الإجماع معناه أننا لا نعلم منازعًا». ثم ما يغتر من يدعي الإجماع في هذه الأمور، إلا وقد وجد في بعض ما نذكره إجماعات نزاعًا لم يطلع عليه، كما قد بسط الكلام على هذا في مواضع. فإذا كان هذا في ادعاء العلماء الأكابر، فكذب من يدعي هذا المعترض من الإجماع، وهو من حين ادعاء الإجماع في هذه المسألة المتنازع فيها، وهو السفر إلى غير المساجد الثلاثة، فجعل السفر لمجرد زيارة القبور أمرًا مجمعًا عليه. وإن من قال بخلاف ذلك، فقد تنقص الأنبياء، وجاهرهم بالعداوة. والإجماع من علماء المسلمين إنما هو على خلاف ما ظنه، وأمثاله بمن يتحكمون في الدين بلا علم. فإنهم مجمعون على أن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» متناول لشد الرحال زيارة القبور. ثم تنازعوا فيما يوجب الحديث، أنه أو التحرير أو موجب لفي الفضيلة والاستحباب. فمن قال: إنه يستحب شد الرحال إلى غير الثلاثة زيارة القبور، فهذا هو الذي خالف الإجماع بلا ريب، مع مخالفته للرسول صلى الله عليه وسلم، هو ممن خالف الرسول والمؤمنين، واتبع غير سبيلهم. لكن إذا لم يكن قد تبين له الهدى، عرف ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنون، لم يكفر. فإن الله إنما ألحق الوعيد بمن شاق الرسول من بعد ما تبين له الهدى، واتبع غير سبيل المؤمنين، فقد توعده بأنه يوليه ما تولى، ويصليه جهنم، وساءت مصيرًا. ومن قال: إن السفر إلى غير الثلاثة لزيارة القبور مستحب، فقد خالف الرسول صلى الله عليه وسلم، وخالف علماء أمته. وأما السفر إلى مسجده صلى الله عليه وسلم، فهو سفر إلى أحد المساجد الثلاثة، ليس مما نوع عنه. وإذا فعل في مسجده ما شرع من الزيارة الشرعية، وصلى عليه وسلم كما أمر الله وعلم، فهو محسن في هذه الزيارة، كما كان محسنًا في شد الرحل إلى مسجده. وهذا هو الذي أجمع عليه المسلمون أيضًا، كما أجمعوا أنه لا تشد الرحال لمجرد زيارة القبور، فذاك الإجماع على شدها إلى مسجده، وزيارته الشرعية حق. وهذا الإجماع على أنه لا يجوز شد الرحال لغير الثلاثة حقًا. وفرق بين الإجماعين: معه نص عن الرسول صلى الله عليه وسلم، والعالم من اتبع هذا وهذا، ليس هو من طرق النص والإجماع من أحد الجانبين، وتمسك في الجانب الآخر بألفاظ مجملة، يظن الإجماع على ما فهمه منها، ولم تجمع الأمة على ما فهمه، بل ما فهمه قد تكون مجمعة على تحريمه. فمن يفهم من الزيارة لقبورهم الحج إليهم، ودعاءهم من دون الله، فهذا مجمع على تحريمه. قال: الوجه العاشر: أن النهي عن شد الرحال لغير المساجد الثلاثة لزيارة القبور، إنما يكون تنقيصًا بالنبي لو كانت زيارة القبور مشروعة، هي من باب تعظيم الزائر المزور، والقبور له، وإنما شرع زيارة قبره لعظم قبره، وجاهه عند الله، وعليه مرتبته عنده. فيقال: إنه لا يزار قبره، أو لا يسافر إلى زيارة قبره، كان ذلك غضًا ونقصًا لمنزلته المذكورة. وليس الأمر في دين الإسلام كذلك، بل زيارة القبور التي شرعها رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذن فيها، وفعلًا لها، أو ترغيبًا فيها، إنما المقصود بها نفع الزائر، وإحسانه إليه بدعائه له، واستغفاره له، إن كان مؤمنًا. وإن كان كافرًا، فالمقصود بها تذكرة الموت. ليس المقصود بما شرعه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم من زيارة القبور، تعظيم الزائر المزور لعظم جاءه وقدره. وبهذا يظهر الفرق بين الزيارة الشرعية والمباحة والمستحبة، وبين الزيارة البدعية المكروهة المنين عنها. وإذا كان كذلك، فمعلوم أن الأنبياء والصالحين إذا كانت زيارة قبورهم إنما هي الدعاء لهم، كما يصلى على جنائزهم، كزيارة الزائر قبور المؤمنين، ليست قبورًا من الزائر لهم لعظم جاءهم وعظم قدرهم. لم يكن في ترك هذه الزيارة تنقيص بهم، ولا غض من قدرهم. فترك الإنسان زيارتها لكثير من قبور المسلمين، لا يكون تنقيصًا لهم. ولو كان ترك زيارتهم تنقيصًا، لكانوا فعلها واجبًا. وكذلك إذا نهي عن السفر إليها، كما نهي عن السفر للزيارة في سائر القبور. ولا يخطر ببال أحد أن ذلك تنقيص بهم. فألا يكون ذلك تنقيصًا بالأنبياء أولى وأحرى. وإنما ظن الناظر أو الترك تنقيصًا، من ظن أن الزيارة خضوعًا لهم لجاههم وعظم قدرهم، ينمون بهم، وطاعتهم، وتصديقهم، كما أخبروا به عن الله. ولا ريب أن من قال: لا يجب الإيمان بهم، أو لا تجب طاعتهم وتصديقهم، أو طعن في شيء مما أخبروا به عن الله، أو أمروا به، فقد تنقصهم، وهو كافر مرتد، إن أظهر ذلك، ومرتد زنديق، إن أبطنه. وهذا الموضع من شاء الاطلاع عليه، ففي كلام الرسول صلى الله عليه وسلم، وما فعله من الزيارة، لم يكن شيء منها خضوعًا للميت، ولا تعظيمًا له لجاهه وقدره، بل كان ذلك دعاء له، فما يدعى له إذا صلى على جنازته. وإذا كان الذي يصلي على جنازته، ويزار قبره أعظم قدرًا، كان الدعاء له أعظم. لكن فرق بين أن يقصد دعاء الله له ليرحمه، ويزيده من فضله، وبين أن يقصد دعاءه، وسؤاله، والاستشفاع به لجاهه وقدره عند الله. فالزيارة المشروعة من جنس الأول، من جنس الصلاة على الجنازة، لا من جنس الثاني. فرغبة الخلق يوم القيامة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أن يشفع لهم، وقى رغبة أصحابه إليه في حياته أن يدعو لهم، ويستسقي لهم. فهذا الطلب منه كان لعلم جاءه، وعظم من زيته عند الله. ولهذا يأتون يوم القيامة إلى أولي العزم، فيردهم هذا إلى هذا، حتى يردهم المصطفى إليه. وفي حياته كانوا يطلبون منه الدعاء، ويتوجهون به إلى الله، ويتوسلون إليه بدعائه، وشفاعته لجاهه عند الله. ولما مات استسقوا بالعباس عمه، وقال عمر: «اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فسقينا». فيسقون. رواه البخاري في صحيحه. ومعنى قوله: «كنا نتوسل إليك بنبينا»، أي بدعائه وشفاعته. ولهذا توسلوا بعد موته بدعاء العباس، وشفاعته، لما تعذر عليهم التوسل به بعد موته، كما كانوا يتوسلون به في حياته. ولم يرد عمر بقوله: «كنا نتوسل إليك بنبينا» أن يسألوك بحرمته، أو يقسموا عليك به، من غير أن يكون داعيًا شافعًا لنا، كما يفعله بعض الناس بعد موته. فإن هذا لم يكونوا يفعلونه في حياته. إنما كانوا يتوسلون بدعائه. ولو كانوا يفعلونه في حياته، لكان ذلك ممكنًا بعد موته، كما كان في حياته. ولم يكونوا يحتاجون أن يتوسلوا بالعباس. وكثير من الناس يغلط في معنى قول عمر، وهي تدبره، وعرف الفرق. ولو كان التوسل به بعد موته ممكنًا، فالتوسل به في حياته، لما عدلوا عن الرسول صلى الله عليه وسلم إلى العباس. وكذلك معاوية لما استسقى، توسل بدعاء يزيد بن الأسود الجرشي. وكذلك نقل عن الضحاك بن قيس. فمن فهم مراد الرسول صلى الله عليه وسلم بزيارة القبور، وفرق بين الشرعية والبدعية، تبين له الحق من الباطل. وإن نبينا صلى الله عليه وسلم أمر الله بالصلاة والسلام عليه، وأمر عند سماع الأذان أن تطلب المصيلة له، فهذا حق له على الأمة، وهو مشروع مأمور به بكل مكان، لا يقتصر به في مكان عند قبره. فلم يبق في زيارة قبره أمر يقتصر به ذلك المكان، بخلاف غيره. وأيضًا: نهى عن اتخاذ بيته عيدًا، وقال: «لا تتخذوا قبر عيدًا، وصلوا علي حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني». وكذلك السلام، فقال: «إنه لعين ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام». وصلاة الأمة وسلامها يصل إليه من جميع الأمكنة. وقد نهى عن اتخاذ بيته عيدًا، لأن لا يتخذ قبره وثنًا ومسجدًا، بخلاف قبور سائر المؤمنين، فإنه إذا دعي لأحدهم عند قبره، لم يفض ذلك إلى أنه اتخذ وثنًا ومسجدًا، إلا إذا اتخذ مسجدًا. فلهذا نهى عن اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد. فتبين أن الذي يجعل ما أمر الله به ورسوله تنقيصًا، إنما هو رجاله وشركه وظلاله، ونقص علمه وإيمانه بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم. وهو المنقص للرسول، الطاعن عليه، الذام لما جاء به، الآمر بمناعته، الناهي عما أمر به، المدجل لشريعته. وهو حق بالكفر والقتل، فإنه إن كان المخطئ المخالف للرسول صلى الله عليه وسلم في هذه المسألة كافرًا يجب قتله، فلا ريب أنه المخالف، فيكون كافرًا مباح الدم. وإن كان المخطئ معذورًا، لأنه لم يقصد مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنه خطأ عليه سنته، واشتبع عليه الحق، لم يكفر، ولم يقتل. واحد منهما، لكن في المخالف له أقرب إلى الكفر، وحل الدم. فإما أن يكون الموافق له المتبع لسنته، الآمر بما أمر به، عما نهى عنه، كافرًا مباح الدم. والمخالف له المبدل لدينه، الطاعن في شريعته، المعادي لسنته، المعادي لأولياء الله المبلغين لسنته، معصوم الدم. فهذا تبدير للدين، وقلب لحقائق الإيمان، وهو فعل آل الجبت والطاغوت. فالنصارى وعباد الأوثان باركة ريون الحاسب. وهذا الكلام من المؤلف رحمه الله تعالى كذلك، بيان لشيء من مجازفات هذا المعترض، وكذلك بيان لشيء من انحرافه. فالرجل يهيج ويثير، ويريد بذلك تأليب الأعداء على الشيخ رحمه الله تعالى. وهكذا كذلك تلبيس الحق بالباطل، فأبان في أوائل هذا الرد، وقد تضمن كما سمعنا مسائل كثيرة، وأكثرها واضحة، ولكن ننبه على ما يحتاج إلى تنبيه. فأولها: أن الرجل أراد أن يستكثر بما ليس بمستكثر. وهذا حال أهل الباطل، أنهم يفخمون الباطل بالكذب، ويزينونه بالدجل. ويوهم في كلامه - أي المعترض - أن هذه ليست أول مسألة خرج فيها عن الصواب، وخرق فيها الإجماع، وسلك مسلك الشقاق والنزاع. وكأن هذا كثير عن الشيخ رحمه الله تعالى. وأبان الشيخ رحمه الله تعالى أن هذه دعوى مجردة، لا تملأ ما بين المشرق والمغرب، فإن الإنسان يستطيع أن يرمي بها ملء الأفق، لكن ليس كل من ادعى شيئًا قبل منه، إلا بالحجة والدليل والبرهان. فإن هذا الذي يصحح ما ادعاه. ثم أبان رحمه الله تعالى أنه له أعداء آخرون، ما ادعوا عليه هذا، بل أنكروا عليه مسألة واحدة، وهي ما يتعلق بمسألة الطلاق. وفي الحقيقة أنه ليس في المسألة إجماع، كما بسط في غير هذا الموضع، وله بحوث في هذه المسألة في غير هذا الكتاب، في كتبه الأخرى. ثم بين رحمه الله تعالى أن ما يفعله هذا المعترض هو من جنس ما يفعله أهل الضلال من الكفار والمبتدعين الفجار، فهم الذين يرمون أهل الحق لمخالفة الباطل، بأنهم خرجوا وخرقوا الإجماع، وأنهم تنقصوا الأنبياء، ونحو ذلك. وأبان بالأمثلة التي ذكرها عن اليهود والنصارى والرافضة، ما يوضح ذلك. ثم أبان بعد ذلك رحمه الله تعالى أنه لا يزال الخلاف بين أهل العلم من علماء المسلمين وإمة الدين. ومع ذلك ما وصل ببعضهم ما ذكره هذا المعترض. وفي بعض هذا الخلاف تحليل للأبضاع، أو تحريم ما يرى هذا حلالًا، يراه الآخر حرامًا، والعكس. فيوجب ذلك عند أحدهما تحليل الحرام، أو تحريم الحلال. ومع ذلك ما صنعوا ما صنع هذا المعترض، لأن الدليل ليس صحيحًا صريحًا. ولما كانت المسألة محل اشتباه، عذر بعضهم بعضًا، واتسعت صدورهم لمثل هذا الخلاف، دون تبديع، فضلًا عن تكفير، واستحلال دماء، كما فعل هذا المعترض، فيهيج السلطان لأن يقوم بسفك دم الشيخ رحمه الله تعالى. ثم ضرب بعض الأمثلة والمسائل البقية هي كثيرة، فمثل بما نقل عن إمام الشافعي رحمه الله تعالى في مسألة عدم التحريم، تحريم النكاح بالمصاهرة، إذا كان قد وقع ذلك بزنا. فإن الحرام لا يحرم الحلال، وهذا قول جماعة من أهل العلم، وفيه خلاف. فما يراه الشافعي ومن ذهب ما ذهبه حلالًا، يراه غيره حرامًا. ومع ذلك ما ضلل، ولا بدع بعضهم بعضًا، ولا تجاسر على تكفير، أو تحليل دم. وإنما هذا مسلك الجهال الظلال، وليس مسلك أهل العلم. وهكذا ما ذكر رحمه الله تعالى المسائل الأربع التي وقع فيها الخلاف، وهي من مسائل كنايات الطلاق، يعني اللفظ غير الصريح في الطلاق، وهي الخلية والبرية والبائن والبتة. ومعنى الخلية التي يقول لها زوجها: «أنت خلية». ومعنى بلا زوج. فهو ليس صريحًا في الطلاق. وفي هذا نزاع. أو «أنت برية» ليس صريحًا بأن البراءة من عقد النكاح. أو كذلك «أنت بائن» أو كذلك التعبير «والبتة» أي الانقطاع «أنت مقطوعة عني». فهو ليس صريحًا في الطلاق. وهذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم، كما أشار رحمه الله تعالى. ولم يضلل بعضهم بعضًا، مع أن المرأة عند بعضهم زوجة، وعند بعضهم ليست بزوجة، يعني تطلق. ومع هذا ما وصل بهم ما وصل بهذا المعترض، بل اتسعت صدورهم لمثل هذا. والتحقيق في هذه المسائل في مواضع الفقه. وقد أشار الشيخ رحمه الله في عدد من كتبه أن كنايات الطلاق غير الصريحة ينظر فيها باعتبارين: باعتبار العرف، واعتبار النية. فالعرف يقضي بترجيح أحد الألفاظ عند الاشتباه. وهكذا كذلك النية، إنما الأعمال بالنيات. وهكذا ما أشار إليه بعد ذلك من مسائل هي بهذا المعنى. وهكذا كذلك مسألة الحلف بالأنبياء، وقد سبق الكلام عليها. ولا يوجب ذلك أن من لم يجوز ذلك أنه تنقص الأنبياء، إلا على معنى بعض الجهال الذين فيهم لوثة وثنية. فهؤلاء هم الذين يجعلون هذا الغلو أنه تنقص للأنبياء. وأما أهل العلم فينظرون من جهة الدليل، فبوته وعدمه، والآثار المروية، والأقوال المنقولة عن الأئمة. وهذا مسلك العلماء. وأما مسلك الجهال، فهم ينظرون إلى معنى آخر. ولهذا أشار رحمه الله تعالى بعد ذلك إلى أن محل النزاع في الحقيقة أن هؤلاء لم يفهموا الزيارة المشروعة من الزيارة الممنوعة، فخلطوا. فكان ذلك موجبًا لهذا الظن الفاسد، وهذا الاعتقاد الفاسد، وهذه المجازفة في الأحكام. فقد ظنوا أن الزيارة المشروعة هي الزيارة التي تختلط بالبدع والشركيات والوثنيات، من الدعاء وطلب الحاجات من الميت، ونحو ذلك، والاستشفاع به. وهذا ليس هو المقصود بالزيارة، كما أبانا رحمه الله تعالى. فلذلك حصل هذا اللبس، وهذا الوهم، وهذه المجازفة في الأحكام. ولهذا حكم عليه رحمه الله تعالى بأنه في الحقيقة ما هو إلا جاهل من الجهال، ومبتدع من المبتدعين، لما كان عليه من هذا التدين الخاطئ، والعقيدة الفاسدة. وأن ما مثله إلا كمثل الظلال الذين خالفوا الحق، ويظنون أنهم عليه، كظلال النصارى، وعبدة الأوثان، ومن تابعهم من ظلال المسلمين من أهل البدع والضلال. زيادة على ذلك ما فيه من قلب الحقائق، وهو من جنس ما يصنع هؤلاء، كما أبان رحمه الله تعالى بعض أمثلة ذلك. وباقي الكلام ظاهر. الله تعالى أعلم.