الدرس في شرح العقيدة الواسطية للهراس 12، الدرس الثاني عشر : (أما بعد كلمة يؤتى بها للدلالة على الشروع في المقصود ... من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ الشيخ بتوضيح معنى 'أما بعد' واستخدامها في الشروع في المقصود، ويشرح معنى 'هذا' في سياق اعتقاد أهل السنة والجماعة. كما يتطرق إلى أصل كلمة 'الاعتقاد' ومعناها اللغوي.
يشرح المقطع معنى الفرقة الناجية والطائفة المنصورة، ويبين أنهما يدلان على جماعة المسلمين الذين يتبعون الحق. يُستدل على ذلك بأحاديث نبوية متواترة مثل حديث "لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة".
يشرح المقطع معنى أهل السنة والجماعة والفرقة الناجية، ويبين أنهم هم الذين كانوا على الحق الصريح من كتاب الله وسنة رسوله. كما يوضح أن المراد بالجماعة ليس الكثرة بل الاجتماع على الحق.
يشرح المقطع معيار تحديد المخالفة والبدعة، ويبين أن المخالف هو من خالف الأصل وليس من خالف كثرة الناس. يشير إلى أن هذا سيتضح في تفاصيل العقيدة التي تم امتحان صاحبها بها.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: أما بعد، فهذا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة، أهل السنة والجماعة. قال الشارح رحمه الله تعالى: قوله «أما بعد» كلمة يؤتى بها للدلالة على الشروع في المقصود. وصلنا إلى هنا. صح. «كلمة يؤتى بها للدلالة على الشروع في المقصود». وكان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يستعملها كثيرا في خطبه وكتبه. وتقديرها عند النحويين «مهما يكن من شيء» بعده. ومعنى كلامه رحمه الله تعالى أن «أما بعد» كلمة يؤتى بها للدلالة على الشروع في المقصود. ومعنى ذلك أن ما بعد «أما بعد» ليس كالذي قبل «أما بعد»، فالذي قبل «أما بعد» هو المقدمة وهو التوطئة، والذي بعد «أما بعد» فهو المقصود بالكلام. ولهذا قال: «يؤتى بها للدلالة على الشروع في المقصود»، يعني هذا أوان الابتداء بالشيء الذي لأجله كتب هذا الكتاب، أو الكلمة التي لأجلها كان هذا المقام. وأما يقولون: نائب عن اسم شرط وفعله تقديره «مهما يكن من شيء» بعد، وهذا هو قوله: «وتقديرها عند النحويين مهما يكن من شيء بعد»، فـ«أما» نائبة عن اسم شرط وفعله، كما قال ابن مالك: «أما كمهما يكن من شيء وفاء لتلو تلوها وجوب ألفاء»، فهي على تقدير «مهما يكن من شيء بعد». قال رحمه الله تعالى: والإشارة بقوله «هذا» والمؤلف قال «فهذا»، وهو قال «هذا»، ويريد عين الإشارة، وإلا فالمؤلف رحمه الله ابتدأ بالفاء بعد «أما بعد»، لأنه الأفصح، فالأفصح أن يبتدئ بعد «أما بعد» بالفاء، كما أشار إلى ذلك علماء النحو. قال: «إلى ما تضمنه هذا المؤلف من العقائد الإيمانية التي أجملها في قوله: وهو الإيمان بالله... إلى آخر كلامه». والمعنى أن الإشارة في «هذا» هي إشارة إلى شيء، فما هذا الشيء الذي أشار إليه؟ يقول الشارح رحمه الله: أن هذه الإشارة هي إشارة إلى ما تضمنه هذا المؤلف من العقائد الإيمانية التي أجملها في قوله: «وهو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت والإيمان بالقدر خيره وشره»، وهذا المعنى المجمل الذي ابتدأ به هذه المقدمة بعد «أما بعد» فصل فيما بعده، فصل فيما بعده. إذن الإشارة إلى شيء محسوس. ولهذا يقولون -أي أهل الشروحات- في مثل هذا المقام: أن قول المؤلف «هذا» في منظومته إذا نظم، وفي مؤلفه إذا ألف، أو في شرحه إذا شرح، إما إلى شيء محسوس قد ألفه وانتهى منه ثم كتب المقدمة بعد ذلك، فإذن هو إذا قال: «أما بعد فهذا كذا وكذا»، فالإشارة في «هذا» إلى شيء موجود محسوس؛ لأن المؤلف موجود قد كتب من أوله إلى آخره، والمقدمة أخرها بعد الانتهاء من المؤلف. وإما أن يكون إلى شيء معنوي في الذهن قبل التأليف، فهو يقول: «أما بعد هذا اعتقاد الفرقة الناجية»، يشير إلى شيء معنوي في نفسه وفي ذهنه عزم على كتابته، فهو يعرف ذلك على وجه الإجمال، وربما التفصيل في بعض المواضع، ويذكر بعد ذلك. قال رحمه الله تعالى: «والاعتقاد» مصدر اعتقد كذا إذا اتخذه عقيدة له، بمعنى عقد عليه الضمير والقلب ودان لله به. وأصله من عقد الحبل، ثم استعمل في التصميم والاعتقاد الجازم. والأصل أن تقارب المبنى يدل على تقارب المعنى، فعقد الحبل عقد حسي، والعقيدة كذلك عقد معنوي، أنت تعقد الحبل أي تشده، وهكذا كذلك العقيدة تعقدها في قلبك وتشد عليها، فهي أعظم ما تملك. ولهذا لا تذكر العقيدة إلا في الشيء العظيم، فلا تقول: «هذا من عقيدتنا» لما هو دون الواجبات مما هو مباح، إنما ينكر ذلك غالبا في الأمور التي يعزم القلب ويعقد أمره عليه على وجه الجزم. قال رحمه الله تعالى: «الفرق» بكسر الفاء: الطائفة من الناس، من معانيه الطائفة من الناس. قال: ووصفها بأنها «الناجية المنصورة» أخذا من قوله عليه السلام: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله». والحديث أصله في الصحيحين، جاء في الصحيحين عن عدد من الصحابة، منها ما هو في الصحيحين حديث المغيرة وحديث معاوية، وجاء عن جماعة من الصحابة، بعضها في مسلم، وبعضها في البخاري، وبعضها خارج الصحيحين. وقوله: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله»، هذا الشاهد «الفرقة الناجية المنصورة»، وهو من الأحاديث العظيمة التي تواتر النقل عن الصحابة فيه، كما ذكر ذلك الكتاني والزبيدي، فهو من الأحاديث المتواترة. فإن قيل: قوله «لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله» هل ينافي حديث ابن مسعود أن الساعة تقوم على شرار الخلق؟ الجواب: لا، فإن أمر الله يكون بالموت أو بعث الريح التي تأخذ نفس كل مؤمن، فهذا أمر الله، ولا منافاة بين هذا الحديث وبين حديث «حتى تقوم الساعة»، فيمكن أن يجمع بمثل هذا الجمع، وما كان بمعناه. قال: ومن قوله في الحديث الآخر: «ستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلهم في النار إلا واحدة»، وهي من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي. يريد قوله في الحديث الآخر: أن الفرقة الناجية هي التي تتابع النبي عليه الصلاة والسلام، فالمنصورة هي الناجية. وهذا الحديث بهذا اللفظ فيه ضعف، فإنما دار هذه اللفظة، وهي زيادة «ما أنا عليه اليوم وأصحابي»، جاءت كما أشار -لعل عندكم المعلق- من طريق عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي، وهو ضعيف. وجاءت لها متابعة، أو نقول: شاهد من حديث أنس عند الطبراني في الصغير، وحسنه بعض أهل العلم به، لكن مدارها كذلك من طريق عبد الله بن سعيد الأنصاري، قال العقيلي: لا يتابع على حديثه. وزيادة على ذلك أشار العقيلي رحمه الله: أنه معلل؛ لأن الحديث إنما يعرف من حديث الأفريقي، ليس من حديث غيره. فإذا هذه اللفظة فيها ضعف، ولكن معناها صحيح، يؤيده ما جاء في ألفاظ هذا الحديث الأخرى، فقد جاء بلفظ «الجماعة» من حديث عوف بن مالك، وجاء كذلك من حديث أنس، ومن حديث معاوية، وهكذا جاء عن غيرهم رضي الله تعالى عنهم. وما جاء في حديث عبد الله بن عمر بلفظة «ما أنا عليه اليوم وأصحابي» لا يخالف كثيرا قولهم: «هم الجماعة». وهنا ننتبه وننبه إلى أن مفهوم الفرقة الناجية أنها هي الفرقة والطائفة المنصورة، كان هذا فهم العلماء الراسخين، وهو الذي أخذوه عن إمامة الدين من سبقهم من السلف الصالح رضي الله عنهم ورحمهم الله. وحاول بعض الناس قديما وحديثا أن يشغب في التفريق بين الفرقة الناجية والطائفة المنصورة، ومرادهم من هذا التفريق هو إدخال أهل البدع في أحد هذين المعنيين، فيجعلون الطائفة المنصورة هي لخواص أهل السنة، والفرقة الناجية لعموم من دخل في معنى الإسلام، وهذا خطأ، وهذا خطأ تخالفه أو يخالف هذا المفهوم أدلة السنة الكثيرة، وفهم السلف ومن تبعهم من الأئمة؛ فإنهم لم يفرقوا بين الفرقة الناجية والطائفة المنصورة لدلالة الأدلة على ذلك. وأما تشغيبهم بأن عدم التفريق يستلزم الحكم بالنار على من خالف السنة من المسلمين، فهذا ليس بصحيح؛ فنحن نقول: أن كل من خالف الحق ولو كان في كبيرة، فضلا عن بدعة -والبدعة أعظم من الكبيرة- أنه تحت المشيئة، ما دام مسلما، فهو تحت المشيئة، إن شاء عذبه الله سبحانه وتعالى، وإن شاء غفر له. لكن نحن نجزم أنه ليس كحال من سلم من ذلك، فمن سلم من ذلك هو من الفرقة الناجية والطائفة المنصورة، ومن لم يسلم من البدعة فهو ليس من الفرقة الناجية والطائفة المنصورة بنص حديث النبي عليه الصلاة والسلام: «وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة». وهذه الواحدة هي الجماعة. وقد ألف شيخنا العلامة الناقد البصير إمام الجرح والتعديل في هذا العصر، وهو الشيخ ربيع بن هادي حفظه الله تعالى، كتابا رد فيه على بعض الحركيين، وهو سلمان بن فهد العودة، فيما شنشن به حول هذه المسألة. قال رحمه الله تعالى: «وقولوا أهل السنة والجماعة» بدل من «الفرقة»، يعني الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة، أهل السنة والجماعة، فـ«أهل السنة والجماعة» بدل، والبدل له حكم المبدل منه. ومعنى أن الفرقة الناجية والطائفة المنصورة هم أنفسهم أهل السنة والجماعة. وهذا كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: لأن أهل السنة والجماعة وأهل الحديث والأثر هم أحق الناس بأن تكون هي الفرقة الناجية؛ لماذا؟ قال: لأن أهل الحديث والسنة هم الذين ليس لهم متبوع يتعصبون له إلا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهم أعلم الناس بأقواله وأحواله، وأعظمهم كذلك تمييزا لصحيحها من سقيمها، فلذلك وغيره كانوا أحق الناس استحقاقا لهذا الوصف بلا شك. وهكذا كما قال بمعنى الشافع رحمه الله تعالى: بمعنى الجماعة، أن الجماعة المراد بالاستمساك بهم ليس أحد الصحابة الذين تفرقوا بالأمصار؛ فإنه لا يمكن التمسك بهم وقد تفرقوا، ولكن المراد التمسك بما كانوا عليه من عقيدة وعبادة. فبعض الصحابة في الشام، وبعضهم في المدينة، وبعضهم في مكة، وبعضهم في مصر، وبعضهم في العراق، وبعضهم في الكوفة، وبعضهم في أبعد من ذلك، فكيف يأمر النبي عليه الصلاة والسلام بالتمسك بالجماعة وهم تفرقوا بالأمصار؟ لكن كما قال رحمه الله: معنى كلامه: المراد التمسك بما كانوا عليه من عقيدة وعبادة ودين، هذا هو المراد. قال: هو المراد بالسنة: الطريقة التي كان عليها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه، وأصحابه أو أصحابه قبل ظهور البدع والمقالات، هذا المراد بالسنة. فالسنة هي طريقة عليه الصلاة والسلام: «عليكم بسنة»، أي طريقة: عقيدة وعبادة ومعاملة وأخلاقا وسلوكا وكل شيء. وهكذا سنة الخلفاء الراشدين من بعده، أي طريقتهم؛ لأنهم أقرب الناس إليه عليه الصلاة والسلام، وأعرف الناس بتطبيق سنته. قال: «والجماعة» في الأصل: القوم المجتمعون، والمراد بهم هنا سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين الذين اجتمعوا على الحق الصريح من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. يقول: وقوله «أهل السنة والجماعة» المراد بالجماعة: القوم المجتمعون، والمراد بهم هنا سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين الذين اجتمعوا على الحق الصريح من كتاب الله تعالى وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام. وكما مر معنا قبل قليل من كلام الإمام الشافعي: أنه ليس المراد أجسادهم، ولكن المراد دينهم الذي دانوا لله عز وجل به، وإلا فأجسادهم تفرقت في الأمصار، وإنما المراد الاجتماع معهم بما كانوا عليه من دين وعقيدة وعبادة، هذا هو المراد. ولهذا قال ابن مسعود رحمه الله تعالى: «الجماعة من كان على الحق وإن كنت وحدك»، فالعبرة بالحق الذي كان عليه الأولون، ليس بالكثرة؛ لأنه لو كان المراد الجماعة كما فهمه بعض أهل البدع والأهواء: هم الكثرة، للزم من ذلك متابعة أهل البدع في وقت انتشار البدع، فالسنة إذا وقع بين أهل البدع يصير مع أهل البدع، وإذا وقع مع أهل السنة يصير مع أهل السنة، لا ليس هذا المراد، المراد بالجماعة ما كان عليه السلف الصالح في الدين، وليس المراد الجماعة أي الكثرة في كل زمان؛ فليس هذا بالدين، لأن الدين هو الذي أنزل على محمد عليه الصلاة والسلام، والذي أمر عليه الصلاة والسلام بالأخذ به. فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، «فعليكم بسنة وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ». الحديث حديث العرباض بن سارية. وفي تقدمة المؤلف رحمه الله تعالى بهذه المقدمة إشارة إلى أن الواجب على أهل الإسلام عموما التقيد في عقيدتهم خاصة، وفي دينهم عامة، بما كان عليه أهل السنة والجماعة، وبما كان عليه على وجه الخصوص السلف الصالح، فهم الفرقة الناجية والطائفة المنصورة. وبه يشير إلى أن من خالف في ذلك فهو المخالف، وهو كذلك المبتدع، وليس من أظهر شيئا خالف عليه كثرة الناس هو المخالف، وهو المبتدع كما ظنه بعض الناس، وذلك سيتبين فيما ذكره في ثنايا تفاصيل هذه العقيدة التي امتحن بها رحمه الله تعالى وابتلي، ونظر عليها مرتين أو أكثر.