الدرس في شرح العقيدة الواسطية للهراس 109، الدرس التاسع بعد المائة:( وهذه الدرجة من القدر يكذب بها عامة القدرية ... وأبطلوا الحكمة من الأمر والنهي ألا ساء نا يحكمون ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش المقطع القدرية الذين يكذبون بدرجة من القدر وتسميتهم بمجوس الأمة، ومقارنة اعتقادهم بالمجوس. يُظهر أن القدرية يُنكرون أن الأفعال تقع بمشيئة الله وقدرته.
يتناول آراء القدرية والجبرية، حيث يرى القدرية أن العبد هو الخالق لفعله، بينما ترى الجبرية أن العبد لا فعل له. كلا الطائفتين تُعتبر آراؤهما باطلة وتتناقض مع الأدلة الشرعية.
يناقش المقطع مسألة التحسين والتقبيح وآراء المذاهب المختلفة فيها، حيث يرى أهل السنة أن الحسن والقبح يميزه العقل ويثبت حكمه بالشرع. يشرح أيضًا أقسام الأفعال حسب الشرع والعقل.
يُناقش مفهوم الابتلاء في الشرع الإسلامي، حيث قد يأمر الله بشيء ولا يريد وقوعه بل يريد اختبار العبد به، مستدلاً بقصة إبراهيم وولده وحديث الثلاثة: الأعمى والأقرع والأبرص.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال رحمه الله تعالى: قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وهذه الدرجة من القدر يكذب بها عامة القدرية الذين سماهم النبي صلى الله عليه وسلم مجوس هذه الأمة، ويغلو فيها قوم من أهل الإثبات. ويريد بهذه الدرجة من القدر، كما سيأتي، ما يتعلق بفعل العبد والمشيئة، قال: حتى سلبوا العبد قدرته واختياره، ويخرجون عن أفعال الله وأحكامه حكمها ومصالحها، أو حكمها ومصالحها يجوز حكم وحكم، والحكم أقرب؛ لأن باب الأفعال وما يتعلق به في مسألة الإرادة كان سببا في مسألة نفي الحكم وعدمه، كما سيأتي إن شاء الله. قال رحمه الله تعالى: قال الشارح رحمه الله: وظل في القدر طائفتان كما تقدم، الطائفة الأولى القدرية نفات القدر الذين هم مجوس هذه الأمة، كما ورد ذلك في بعض الأحاديث مرفوعا وموقوفا، وسموا بالمجوس أو مجوس هذه الأمة لأمرين: أولا لورود بعض الأحاديث المرفوعة والموقوفة في تسمية القدرية مجوس هذه الأمة، كما أشار المعلق إلى الحديث: «القدرية مجوس هذه الأمة، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم». وقد روي مرفوعا عن جماعة من الصحابة، ولكنه لم يصح مرفوعا كما بيّن ذلك غير واحد من أهل الحديث. فقد روي عن ابن عمر، ولكن عند الحاكم وغيره من طريق أبي حازم عن ابن عمر، وهو لم يسمع من أحد من الصحابة غير سهل بن سعد، كما في جامع التحصيل. وهكذا جاء من طريق أخرى، ولكنه من رواية عن ابن عمر من رواية زكريا بن منظور، وهو ضعيف جدا، قال البخاري: منكر الحديث. وروي عند ابن عدي من طريق أخرى عن ابن عمر كذلك، ولكن فيه الحكم بن سعيد الأموي، قال فيه البخاري: منكر الحديث. فكلها مما لا يصلح للشواهد والمتابعات. وروي من حديث حذيفة، رواه داود وغيره، وفيه جهالة رجل من الأنصار عنه، وفيه عمر مولى غفرة، فيه ضعف، وذكره ابن الجوزي في العلل وضعفه جدا. وروي كذلك من حديث جابر بن عبد الله، وفيه عنعنة بقية وابن جريج وابن الزبير، فلا يصح. وروي كذلك من حديث أبي هريرة عند الأجري، كذلك حديث جابر عند الأجري في الشريعة، وحديث أبي هريرة فيه أبو الأشهب الكوفي، جعفر بن الحارث، قال فيه البخاري: منكر الحديث، وهو من رواية مكحول عن أبي هريرة، ولم يسمع منه. فالحاصل، الحديث بكل طرقه مرفوعا لا يصح، ولهذا قال ابن أبي العز رحمه الله: إن جميع ما روي من المرفوع ضعيف، وإنما صح الموقوف، والموقوف جاء عن ابن عمر، رواه عبد الله بن أحمد في السنة، وفي إسناده مؤمن بن إسماعيل، في حفظه شيء، لكنه توبع، ذكره في الإبانة. فإذا صح موقوفا «القدرية مجوس هذه الأمة»، فسموا مجوس قلنا: أولا لكونهم رويت فيهم الآثار في ذلك الموقوف والمرفوعة، وثانيا لأنهم يقولون: الذنوب تقع بغير مشيئة الله، وربما بعضهم يقول: وبغير علم الله، ويقولون: كل الأفعال تقع بغير قدرة الله سبحانه وتعالى ومنعه، فصاروا مثل المجوس القائلين بأن هناك إله يخلق الخير وهو النور، وآخر يخلق الشر وهو الظلمة، فهم جعلوا العبد يخلق أفعال نفسه، وخصوصا الشر، وأن الله عز وجل يخلق الخير، وهذا مشابه ظاهرة للمجوس. قال رحمه الله تعالى: وهؤلاء ظلوا بالتفريط وإنكار القدر، ووجه التفريط أنهم بقوا على طرفي المسألة، فالجبرية نفوا قدرة العبد، والقدرية نفوا فعل العبد وخلقه، فكل من الطرفين على طرف باطل، وهذا هو معتقد أكثر المعتزلة، ومنهم الشيعة، خصوصا المتأخرون منهم، وبعض المتفقه، ومن ينتسب لأهل الكلام. قال: وزعموا أنه لا يمكن الجمع بينما هو ثابت بالضرورة من اختيار العبد في فعله ومسؤوليته عنه، وبينما دلت عليه النصوص من عموم خلقه تعالى ومشيئته، وذلك لأنهم يقولون: لا معنى للمشيئة إلا أمره، فما شاءه فقد أمر به، فهو يحبه، وما لم يشأه فهو لا يأمر به ولا يحبه، فصار أصل ضلالهم ظنهم أن القدر ينافي الشرع، فلذلك نفوا القدر، وزعموا أنهم أثبتوا الشرع، وهم الذين يثبتون الإرادة الشرعية وينفون الإرادة الكونية، أي القدرية، النفاه. قال: لأن ذلك العموم في زعمهم إبطال لمسؤولية العبد عن فعله، وهدم للتكاليف، فرجحوا جانب الأمر والنهي، يعني الشرع، وخصصوا النصوص الدالة على عموم الخلق والمشيئة بما عدا أفعال العباد، فزعموا أن أفعال العباد لا تدخل في هذا العموم، وهذا باطل، فالله سبحانه خص عين فعل العبد ومفعوله، قال جل وعلا: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، وقال النبي عليه الصلاة والسلام بحديث متقدم: «إن الله خالق كل صانع وصنعته»، فهم أنكروا خلقها من الله والقدر عليها، أو إمكان تخصيص بعض العباد بما يقتضي إيمانه وطاعته به، وهذا هو وجه ضلالهم، كما أشار شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من المحققين من أهل العلم. قال: وأثبتوا أن العبد خالق لفعله بقدرته وإرادته، وقد مر معنا أنهم مع ذلك اختلفوا في تفسير هذا المعنى، قال: فأثبتوا خالقين غير الله، وهؤلاء الخالقون هم العباد، هم العباد، فجعلوا كل عبد يخلق فعل نفسه، ودلت الأدلة الشرعية على أن العباد مخلوقون، وأفعالهم مخلوقة لله، والله خلقكم وما تعملون، يعني وعملكم. قال: ولهذا سموا مجوس هذه الأمة؛ لأن المجوس يزعمون أن الشيطان يخلق الشر والأشياء المؤذية، فجعلوه خالقا مع الله، فكذلك هؤلاء جعلوا العباد خالقين مع الله، وهذا ظاهر. قال: والطائفة الثانية يقال لها الجبرية، وهم درجات، أولهم الجهم ومن تبعه، وهم غلاة الجبرية، فكما أن القدرية قالت: لا إرادة إلا بمعنى المشيئة، وهو لم يرد إلا ما أمر به، ولم يخلق شيئا من أفعال العباد، وهم القدرية النفاه، فقالت الجبرية: ليست الإرادة إلا بمعنى المشيئة والأمر والنهي لا يستلزم إرادة، وقالوا: العبد لا فعل له البتة، ولا قدرة، والله الفاعل القادر فقط، وبه كانوا يثبتون الإرادة الكونية وينفون الإرادة الشرعية. وكان الجهم على هذه العقيدة، وهذا تبع لعقائد أخرى فاسدة، فهم ينفون الأسماء والصفات، ويذكرون أنه لا يسمى الله بشيء من الأسماء التي يسمى بها العباد إلا الخالق أو القادر فقط؛ لأن العبد ليس بقادر، وهذا من غلوهم في باب القدر. قال: يقال لها الجبرية، وهؤلاء غلوا في إثبات القدر حتى أنكروا أن يكون للعبد فعل حقيقة، وهم جعلوا أفعال العباد فعلا لله، والفعل عندهم هو المفعول، الفعل هو نفسه المفعول، وهذا خطأ، قال: بل هو في زعمهم لا حرية له ولا اختيار، ولا فعل كالريش في مهب الريح، وإنما تسند الأفعال إليه مجازا كما مر معنا في الدرس السابق. قال: فيقال: صلى وصام وقتل وسرق، كما يقال: طلعت الشمس وجرت الريح ونزل المطر، فزعم أن طلوع الشمس وجريان الريح ونزول المطر كما أنه ليس بإرادة الريح والمطر والشمس، فكذلك الصلاة والصيام والقتل والسرقة، وهذا عين الظلم للشرع، بل وللرب سبحانه وتعالى، إذ اتهموه أنه يعذب العباد ويثيبهم على ما لا فعل لهم فيه، فهم قالوا: أن المشيئة هي الإرادة، وقد شاء ما وقع من المعاصي، فهو يحبها ويرضاها بزعمهم. فقالوا: أن العبد لا فعل له البتة، ولا قدرة، ثم تبع ذلك أن أنكروا الحكمة والرحمة وغير ذلك من الطبائع والأسباب، وبعض الجبرية خالفهم في هذا المعنى، لكنه خلاف لفظي، ولهذا نقل أن الأشعري أول من قال: إن الله يحب المعاصي، أول من قال: إن الله يحب المعاصي الأشعري، ووجهه هذا الفهم الخاطئ. قال رحمه الله: فاتهموا ربهم بالظلم وتكليف العباد بما لا قدرة لهم عليه، ومجازاتهم على ما ليس من فعلهم، واتهموه بالعبث في تكليف العباد، وأبطلوا الحكمة من الأمر والنهي، ألا ساء ما يحكمون. فالخلاصة: من لم يؤمن بالقدر شابه المجوس وضارعهم، ومن احتج به على المعاصي شابه المشركين وضارعهم، كما قال الله عز وجل عنهم: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾، فاحتجوا به على المعاصي، فكذلك فعل الجبرية. وهكذا من أقر بالأمر والقدر ثم طعن في العدل والحكمة حكمة الله سبحانه وتعالى، كان شبيها بإبليس الذي يقر بالأمر والقدر ثم يطعن في العدل والحكمة فيه، شائبة من عدم التسليم، شابهة إبليس، كما قال الله عز وجل عنه: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾. ولهذا قال شيخ الإسلام ها هنا: «ويخرجون أفعال الله ويخرجون عن أفعال الله وأحكامه حكمها ومصالحها»، يعني بذلك هؤلاء القدرية الذين سلبوا العبد قدرته واختياره، وهم من هم من الجبرية. وعلى هذا جاءت المسألة التي تسمى بمسألة التحسين والتقبيح، فإن حقيقة هذه المسألة ومن شأنها من جهة المعتزلة تشبيه الخالق بالمخلوق، فقالوا: ما حسن من المخلوق حسن من الخالق، وهذا تبع لنفي الإرادة الكونية، لما نفى المعتزلة وهم الجهمية أو هم القدرية النفاه، نفوا الإرادة الكونية، كان لهم هذا القول الضال، وضدهم الأشاعرة لما كانوا يثبتون الإرادة القدرية وينفون الإرادة الشرعية، استلزم ذلك نفي الحكم والتعليل، ولهذا جاز عندهم أن ينهى الشرع عن التوحيد والعياذ بالله، ويأمر بالشرك. والناس في مسألة التحسين والتقبيح على مذاهب، وقبل ذلك ينبغي أن نعلم أن ما يذكره العلماء من مسألة التحسين والتقبيح على معنيين: المعنى الأول كون الفعل ملائما للفاعل، نافعا له، أو كونه ضارا له، منافرا عنه، فهذا اتفق عليه أنه يعلم بالعقل، كما يعلم بالشرع. وأما كون الفعل سببا للثواب والعقاب، فهذا الذي وقع فيه الخلاف في مسألة التحسين والتقبيح، فالحسن والقبيح صفتان ذاتيتان في الأشياء، ويعرف بالعقل، والشرع مبين لذلك المعنى، ومن فعل القبيح أثم ولو لم يرد الشرع، هكذا زعمت القدرية نفاه أنه معنى الحسن والقبيح، وهذا باطل، وضدهم الجبرية ومنهم الأشاعرة، زعموا أن الحسن والقبح لا يعرف إلا بالشرع، ولا يعرف بالعقل، وأن العقل لا يوجب شيئا، ولذلك فهم عندهم أن الأفعال جميعا كلها للابتلاء، أن الأفعال جميعا كلها للابتلاء، وهذا باطل، وتبعا لذلك نفوا الحكمة والتعليل. وأما قول أهل السنة والجماعة في الحسن والقبح فيما هو سبب للثواب والعقاب، فيقولون: إن الحسن والقبح يميزه العقل، ويثبت حكمه بالشرع، العقل يميز، لكن الأحكام لا تثبت إلا بالشرع. ثم بيّنوا أن الأفعال أقسام، فمن هذه الأفعال ما يشمل مصلحة أو مفسدة، فهذا يعرف بالعقل، والحكم بما جاء في الشرع، ومنه ما أمر به الشرع، فهو حسن، وما نهى عنه فهو قبيح. بعض الأشياء منتهى منها جاء الشرع بالأمر بها أو النهي عنها، فما كان كذلك فالأمر بما قضى به الشرع، فما أمر به فهو حسن، وما نهى عنه فهو قبيح، سواء علمنا العلة أو لم نعلم العلة. ومن هذه كما مر معنا كذلك في الأول ما تتعلق به مصلحة أو مفسدة، فهذا يعرف بالعقل، ومع ذلك فالحكم يكون بما جاء في الشرع بعمومات أو خصوصيات الأدلة الشرعية. والثالث من هذه الأفعال ما كان من الأفعال يقع على وجه الابتلاء، فإذن الأفعال ثلاثة أقسام: قسم جاء الشرع بالأمر به، فهو حسن، أو نهى عنه، فهو قبيح، وقسم لم يأت صريحا، فهذا تبع للمصلحة والمفسدة، ويستدل له بعمومات الشرع وخصوصاتها، فيعرفه العقل، فيميز بين الحسن والقبيح، ويستدل له بالشرع، ويحكم عليه به. والثالث من الأفعال ما يقع على وجه الابتلاء، وهذا ما ينفيه المعتزلة، ينفون أن يكون شيء من الأفعال يقع على وجه الابتلاء، ويزعمون أن ذلك منافي للحكمة والتعليل، وهذا باطل، مثل قصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وهكذا الثلاثة الذين ابتلاهم الله، قصة إبراهيم مع ابنه، ابتلاه الله عز وجل بذبحه، ولم يقع هذا الذبح، ولهذا تجد بعض المعتزلة في تفاسيرهم يذكرون بعض الأخبار الضعيفة والموضوعة والإسرائيليات التي تدل على أن الذبح وقع، إما أن العنق انقلبت نحاسا أو السكين تنقلب عند الذبح أو غير ذلك، لماذا؟ فرارا منهم أن يكون أمر أمر به ولم يقع، فهو مناف عندهم للحكمة والتعليل، وهذا ليس بصحيح؛ لأن الأدلة الشرعية دلت على أن مما يأتي في الشرع الابتلاء. فإن الله عز وجل قد يبتلي بالأمر الشرعي ولا يريد وقوع ذلك المأمور، ولكن يريد الابتلاء به، كما وقع في قصة إبراهيم مع ولده، وهكذا في حديث الثلاثة: الأعمى والأقرع والأبرص. طيب لهنا، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبي محمد وآله وصحبه وسلم.